Arab
من الصعب تصوّر مستقبل في منطقة الخليج ما لم يُنه الملفّ الإيراني، سواء بانتصار طهران أو هزيمتها أو بتسوية. عدا هذا، العالم أمام تحوّل جيواستراتيجي أكبر ممّا يجري تداوله. لا يتعلّق الأمر بدول الخليج العربية في حدّ ذاتها، بل بمستورد يتمركز في أقاصي الشرق الآسيوي. بالنسبة إلى الصين، ارتفاع أسعار النفط، بل تحوّل الولايات المتحدة إلى أبرز مصدّري النفط في العالم، سيجعل من بكين أسيرة الأميركيين، على عكس الحال مع الروس، الذين يضطرّون إلى بيع الغاز بأسعار تتماشى مع الرغبة الصينية. صحيح أنّ تضخّم الأسعار لا يرحم، ولا يوفّر أحداً على وجه الأرض. ولكن بالنسبة إلى الصين، ذات الاقتصاد القائم على التصنيع، سيجعل عجز السوق الغربي عن استهلاك منتجاتها بسبب التضخّم وضعف القدرة الشرائية من تكدّس البضائع في المدن الصينية شبيهاً بتكدّس النفط في الخزّانات الإيرانية منذ بدء الحصار الأميركي على موانئ إيران.
سيفضي هذا حكماً إلى تناقص النقد الأجنبي في الخزانة الصينية، بسبب الحاجة إلى السيولة. وستتكرّر تداعيات وباء كورونا الاقتصادية على الصين بصورة أكبر بكثير. ومع استمرار الحصار على إيران، ستضيق الخيارات أمام الصين أكثر، ما يجعلها أمام مواجهة السؤال: ما الذي ستفعله لإعادة رسم خريطة أسعار النفط وفق ما يتناسب واقتصادها؟ ربّما حان الوقت أمام القادة الصينيين للتفكير فيما هو أبعد من الصندوق، أي أبعد من مجرّد متابع يدبّج البيانات الاستنكارية لكلّ حدث في العالم، حتى الذي يطاول حلفاءه المفترضين، مثل إيران أخيراً، والبدء بالتخطيط لفعل شيء ميداني.
تدرك الصين أنّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب وضعها في مأزق، عن قصد أو من دونه، وإن كانت إيران هي التي تعاني بشكل مباشر، مهما قال قادتها، لكنّ الصين لن تبقى بمنأى عن التداعيات؛ سيضرب ارتفاع أسعار النفط، أو التحكّم الأميركي بمبيعات النفط، مبادرة الحزام والطريق الصينية، وسيهزّ الاستثمارات الصينية، في القارة الأفريقية خصوصاً، وسيُضعف الموقف الصيني حيال تايوان، وسيعيدها خطوات إلى الوراء اقتصادياً. ذلك كلّه سيجعل رحلة العقود الأربعة من النمو المتواصل، مجرّد حلم بعيد المنال. يعود هذا إلى أنّ الصين، دولةً ساعيةً بشكل دائم إلى أسواق خارجية رغم تطوير سوقها الداخلية، ستفقد قدرتها تدريجياً في الأسواق، وستخسر ثقة المستهلكين، وستدفع كلّ الشركاء إلى إعادة النظر في تعاونهم معها. إلى هذا الحدّ يُمكن للسيطرة الأميركية على النفط أن تزعزع صعود الصين.
الصينيون ليسوا مجانين. في نهاية المطاف، هم ليسوا واهمين كالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، المهووس بإمبراطورية روسية غابرة، وليسوا كالنظام في إيران، الذي بنى مجده على التمدّد في الدول العربية، سواء داخل العراق وسورية واليمن ولبنان أو في تشكيله خلايا موالية له في عديد من الدول الخليجية. الصينيون قادرون على إيجاد مساحة من التفاهم الواقعي مع الأميركيين، لا يبدأ إلا من مكان واحد: مضيق هرمز، مفتاح العلاقة الشاملة مع الولايات المتحدة. ليس مطلوباً من الصين التراجع عن اتفاق الشراكة الاقتصادية الموقَّع مع إيران في 2021، المفترض أن يمتدّ 25 عاماً، إذ إنّها في الأصل لم تطبّقه بالكامل لخشيتها من عزلها عن الأسواق العالمية. المطلوب من بكين، بالنسبة إلى واشنطن، الضغط على إيران لا بوصفها مشاركةً في ضمان أمن الخليج، بقدر ما يعني اصطفافها إلى جانب الأميركيين لاعتبارات اقتصادية بحتة. ومثل هذه الخطوة، تعني موافقة بكين على تصدّر واشنطن الاقتصاد العالمي.
حتى يجد الصينيون مقترحاً يرضي الأميركيين في الخليج والعالم، فإنّ عليهم التخلّي عن تحالفهم النفطي مع إيران، وموازنة العلاقة أكثر مع دول الخليج العربية مصدراً بديلاً ومستقراً للنفط. والبديل عن ذلك تدهور اقتصادي يضعضع كلّ ما شيّدته الصين، منذ عام 1979.

Related News
راشد الغنوشي بين النفي والملاحقة والسجن
alaraby ALjadeed
21 minutes ago
الركود في اليمن يطحن عمال المياومة
alaraby ALjadeed
33 minutes ago