Arab
منح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الضوء الأخضر للشركات التركية للشروع قريباً في تنفيذ مشاريع إعادة إعمار سورية ضمن رؤية شاملة لا تقتصر على إزالة آثار الدمار الذي خلفته سنوات الحرب، بل تتجه نحو إعادة تشكيل البنية العمرانية والاقتصادية للبلاد وفق نموذج حديث مستوحى من التجربة التركية في التخطيط الحضري والتنمية المتكاملة، في خطوة يمكن أن تشكل دعماً مهماً لمسار نهوض سورية إذا ما وُجّهت لخدمة المصلحة الوطنية العليا.
وقال أردوغان خلال حفل توزيع جوائز خدمات المقاولات الخارجية في أنقرة، اليوم الثلاثاء، إنه "مع استقرار سورية وزيادة الثقة، ستشعر جميع الدول المجاورة، وخاصة نحن، بالتأثيرات الإيجابية، وستتسارع التجارة، وستزداد الاستثمارات، وستتطور السياحة. إن شاء الله، ستبدأ حملة كبيرة للبناء والإحياء في جميع أنحاء سورية، وخاصة في المناطق التي حولتها قنابل النظام القديم إلى أنقاض. مع تلاشي آثار الظلم الذي كلف حياة ما يقرب من مليون سوري، ومع دعم تركيا، ستتعافى سورية وتقوم من جديد، وستهب رياح مختلفة تماماً في منطقتنا؛ يمكننا رؤية علامات ذلك بالفعل".
أضاف: "ها نحن، بعد مرور عام فقط على تحرير سورية، ثورة الثامن من ديسمبر (كانون الأول)، نتخذ خطوات لم يكن من الممكن تصورها من قبل في سورية التي بدأت عملية دمج اقتصادها في النظام الدولي"، مشيراً إلى عودة ملايين السوريين، بما في ذلك 600 ألف من تركيا، إلى وطنهم، لافتاً إلى أن "هناك تطورات واعدة أيضاً في المجال الاجتماعي والسياسي. نشعر بسعادة كبيرة لرؤية أن حقوق إخواننا الأكراد، الذين لم يُعتبروا حتى مواطنين في نظام الأسد، قد ضمنت بموجب القرار الأخير الذي أصدره الرئيس".
وهنأ الرئيس التركي الشركات الفائزة بالجوائز في الوقت الذي يستمر خلاله قطاع المقاولات الخارجية والاستشارات الفنية في نشر اسم تركيا في جميع أنحاء العالم من خلال مشاريعها، وتلميعها، ورفعها، مشيراً إلى "كيف ينقل المقاولون الأتراك خبرتنا الهندسية القوية وثقافة العمل لدينا وموثوقيتنا إلى دول مختلفة. لقد تمكنت شركات البناء التركية، من خلال المشاريع التي نفذتها في السنوات الأخيرة في الخارج، من أن تكون من بين الشركات الأكثر شهرة في العالم. لقد جعل انضباط العمل والأخلاق المهنية وفهم الجودة لشركاتنا منها شركاء عمل مطلوبين على مستوى عالمي".
قطاع الإنشاءات التركي
وتابع الرئيس أردوغان: "بدأت أنشطة قطاع البناء التركي في الخارج عام 1972، وحققت نجاحات متتالية على مدى 54 عاماً، حتى وصلت إلى مستوى يفتخر به الجميع اليوم. حتى الآن، حصلنا على أكثر من 557 مليار دولار من الأعمال في 12.816 مشروعاً في 138 دولة حول العالم، 90% منها خلال فترات حكوماتنا. نحن مستمرون في الحفاظ على هذا الزخم، بفضل الله، رغم السلبيات في الاقتصاد العالمي. لقد أثبتت قائمة أكبر 250 شركة مقاولات دولية نجاح قطاع المقاولات التركي مرة أخرى. من حيث عدد الشركات المدرجة، احتللنا المرتبة الثانية في العالم".
أضاف: "بينما كانت لدينا 43 شركة في القائمة العام الماضي، تم تمثيلنا هذا العام بـ45 شركة في القائمة نفسها. رقم آخر مثير للإعجاب هو دخول ثماني شركات تركية ضمن أول 100 شركة، من بينها اثنتان في أول 50. في قائمة 225 التي تصدرتها مجلة ENR لأفضل شركات التصميم والهندسة، كانت لدينا هذا العام أيضاً ثماني شركات، وارتفعت بلادنا مرتبة واحدة لتحتل المرتبة السادسة في العالم من حيث عدد الشركات".
كما أعرب أردوغان عن فخرة بالاقتصاد التركي الذي أظهر أداءً ملحوظاً في فترة تم فيها كسر القواعد في التجارة العالمية والدبلوماسية والأمن، وقال: "كان عام 2025 عاماً حققنا فيه أهدافنا الاقتصادية إلى حد كبير، وعادت التوازنات إلى مكانها، وتم تحقيق مكاسب مهمة في مكافحة التضخم، وخاصةً في الصادرات والسياحة"، مشيراً إلى "انخفاض التضخم إلى أدنى مستوى له في 49 شهراً. كما أن زيادة احتياطيات البنك المركزي مستمرة بالطريقة نفسها. تجاوزت احتياطيات بنكنا لأول مرة في تاريخنا حاجز 200 مليار دولار. لقد رفعنا الاحتياطيات التي استلمناها في عام 2002 والتي كانت 27.5 مليار دولار، إلى 205 مليارات و177 مليون دولار حتى الأسبوع الماضي. نرى الصورة نفسها في التوظيف. لقد حافظ معدل البطالة المعدل موسمياً على اتجاهه في خانة الأرقام الفردية منذ 31 شهراً. نحن نشهد التأثيرات الإيجابية لاستراتيجيتنا للنمو التي تركز على الاستثمار والإنتاج والتوظيف والصادرات في العديد من المجالات".
كما رأى الرئيس التركي أن "المظهر الإيجابي في الاقتصاد ينعكس بطبيعة الحال على الأداء التجاري. في عام 2025، حيث ضعف الطلب العالمي وزادت الحمائية، حققت تركيا رقماً قياسياً في صادرات السلع بقيمة 273.4 مليار دولار، محافظاً على قوتها الإنتاجية وتنافسيّتها. في عام 2025، زادت صادراتنا بمقدار 11.7 مليار دولار مقارنة بالعام السابق في صادرات الخدمات".
وأكد تجاوز أهداف الخطط بقوله: "لقد تجاوزنا هدفنا لصادرات الخدمات البالغ 115 مليار دولار في عام 2024 بـ117.2 مليار دولار. في عام 2025، وصلنا إلى هدفنا لصادرات الخدمات البالغ 121 مليار دولار في سبتمبر/ أيلول. نحن نؤمن بأن صادراتنا في قطاع الخدمات ستتجاوز هدفنا لعام 2025 لتصل إن شاء الله إلى 122.5 مليار دولار. أهنئ جميع مصدري الخدمات الذين حققوا نجاحات في مجالات متنوعة، من اللوجستيات والنقل إلى السياحة، ومن تكنولوجيا المعلومات والبرمجيات إلى إنتاج الأفلام والمسلسلات، ومن التعليم إلى السياحة الصحية، ومن المقاولات إلى تنظيم المعارض، وأشكر كل واحد منكم، وأهنئكم من أعماق قلبي".
وفي العام الماضي، تابع أردوغان، "كنت قد شاركت هدفنا لصادرات السلع والخدمات لعام 2025 بمبلغ 390 مليار دولار. اليوم، أود أن أعبر بسرور عن أن صادراتنا للسلع والخدمات قد تجاوزت هذا الهدف بمبلغ 396.5 مليار دولار وفقاً لتوقعات وزارتنا. أقدم شكري مرة أخرى لجميع أصحاب المصلحة الذين ساهموا في هذا النجاح، لمصدرينا، ومنتجينا، وجميع شركات المقاولات والاستشارات الفنية التي تعمل في الخارج، باسم بلدي وشعبي".
وأردف قائلاً: "لقد حققنا كل هذا معاً، وبالتعاون وصلنا بتركيا إلى هذه المستويات. إن شاء الله، سنكون في أماكن أفضل وأجمل بكثير. مع انخفاض التضخم، واستمرار الانضباط المالي، وتقدمنا بخطوات ثابتة نحو فائض الحساب الجاري، والأهم من ذلك، مع تنفيذ إصلاحاتنا واحدة تلو الأخرى، ستتميز تركيا بشكل دائم عن الاقتصادات المماثلة لها. وبهذه الطريقة، لن يقتصر النمو، على عكس ادعاءات البعض، على فئات معينة، بل سينعكس مباشرة على رفاهية 86 مليون شخص، من العاملين والمنتجين والمستثمرين والشباب والنساء والمتقاعدين".
دور الشركات التركية في إعمار سورية
وحول منح الرئيس التركي الضوء الأخضر للشركات لبدء المساهمة بإعمار سورية، يقول رئيس مركز الفكر للدراسات بإسطنبول باكير أتاجان لـ"العربي الجديد": لقد جاء منح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الضوء الأخضر للشركات التركية للشروع قريباً في تنفيذ مشاريع إعادة الإعمار داخل الأراضي السورية ضمن رؤية شاملة لا تقتصر على إزالة آثار الدمار الذي خلفته سنوات الحرب، بل تتجه نحو إعادة تشكيل البنية العمرانية والاقتصادية للبلاد وفق نموذج حديث مستوحى من التجربة التركية في التخطيط الحضري والتنمية المتكاملة، في خطوة يمكن أن تشكل دعماً مهماً لمسار النهوض السوري إذا ما وُجّهت لخدمة المصلحة الوطنية العليا.
ويضيف أتاجان أن المبادرات التي فتحت المجال أمام الشركات التركية للمشاركة في عملية إعادة الإعمار تمثل فرصة مهمة لتسخير الخبرات الكبيرة التي تمتلكها تركيا في مجالات البناء والتخطيط الحضري وتطوير البنى التحتية، بما يخدم المصلحة السورية أولاً ويضع احتياجات المواطن في صلب الأولويات. فالتجربة التركية في إنشاء المدن الحديثة والمجمعات السكنية المتكاملة يمكن أن تشكل رافعة حقيقية لإعادة إعمار المناطق المتضررة بطريقة تؤمن السكن اللائق والخدمات الأساسية وتحفظ كرامة الإنسان السوري.
ويرى الباحث التركي أن الدور التركي في هذه المرحلة يمكن أن يكون دعماً استراتيجياً متكاملاً، لا يقتصر على الجانب الاقتصادي، بل يمتد ليشمل دعم مؤسسات الدولة والمرافق العامة، من مدارس ومستشفيات وطرق وشبكات خدمية، بما يعزز قدرة الدولة السورية على النهوض من جديد وتقديم الخدمات لمواطنيها بكرامة وكفاءة. لأن سورية اليوم بحاجة إلى تضافر كل الجهود الوطنية، وإلى شراكات إقليمية صادقة تقوم على الاحترام المتبادل والمصلحة المشتركة، بعيداً عن أي أجندات ضيقة. فإعادة إعمار البلاد يجب أن تكون في خدمة الشعب السوري أولاً وأخيراً، وأن تشكل أساساً لبناء اقتصاد قوي ومجتمع متماسك ودولة حديثة.
وختم تصريحه لـ"العربي الجديد" بالقول إن مشروع إعادة إعمار سورية ليس مجرد مرحلة ما بعد الحرب، بل هو معركة بناء لا تقل أهمية عن معركة الصمود. ومع حسن التخطيط، وتكامل الجهود، والدعم الصادق من الأصدقاء، يمكن لسورية أن تستعيد عافيتها، وتنهض من جديد دولة قوية موحدة، تحتضن جميع أبنائها وتفتح أمامهم أبواب المستقبل.

Related News
بنك قطر الوطني يصدر سندات بقيمة 275 مليون دولار
alaraby ALjadeed
15 minutes ago
واشنطن توقف ترشيح المالكي... ورسالة حادة لإيران
aawsat
21 minutes ago