العراق: حسابات على مواقع التواصل لفضح المتحرشين
Arab
1 hour ago
share
لم يعد الصمت خياراً لدى كثيرين في العراق بعد أن تجاوزت ظاهرة التحرش حدود الحوادث الفردية، لتتحول إلى سلوك متكرر في الشوارع والأسواق والأماكن العامة. فخلال الفترة الأخيرة، برزت حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي، أنشأها ناشطون بينهم فتيات، هدفها توثيق وفضح التحرش اللفظي والجسدي، في محاولة لردع المتحرشين، وإجبار المجتمع على مواجهة المشكلة بلا مواربة. هذه الحسابات باتت منصات تفاعلية ساخنة، تنشر مقاطع مصورة وصوراً التقطت في أماكن عامة، يظهر فيها شبان وهم يضايقون فتيات ونساء، أحياناً في وضح النهار وخلال مناسبات مزدحمة. شجّع ذلك عراقيات كثيرات على التقاط صور للمتحرشين أو مقاطع فيديو قصيرة وإرسالها إلى هذه الصفحات التي تتركز في موقع فيسبوك وتطبيق إنستغرام. الانتشار السريع لهذه المقاطع أثار غضباً واسعاً ولغطاً حاداً في الشارع العراقي، بين من اعتبرها خطوة شجاعة لكسر ثقافة الصمت، ومن رأى فيها صدمة ضرورية لإيقاظ المجتمع. حنين فاضل (26 عاماً)، موظفة في القطاع الخاص، تقول لـ"العربي الجديد"، إن التحرش اللفظي بات جزءاً مزعجاً من حياتها اليومية، لكن الأكثر إزعاجاً حين يصل الأمر إلى المضايقة في الطريق ومحاولة إرغامها على مرافقة المتحرش. وفي العراق "يحدث هذا في الطريق إلى العمل، في السوق، أحياناً حتى أمام محال مكتظة بالناس"، تشرح حنين. وتضيف: "كلمات مقززة، تعليقات على الجسد، حركات بذيئة. أشعر بأنها طعنة كرامة أكثر من كونها إزعاجاً عابراً". وتشير إلى أن أغلب المتحرشين "مراهقون أو شبان صغار في السن، يتصرفون بجرأة غريبة، كأن لا أحد سيحاسبهم". وتفيد بأن تكرار هذه المواقف "جعلني أفكر ألف مرة قبل الخروج لبعض الأماكن"، مؤكدة أن مشاهدة مقاطع فضح المتحرشين على الإنترنت منحتها شعوراً مزدوجاً "غضباً مما نعيشه، وارتياحاً لأن أحداً أخيراً يقول هذا خطأ". هذا الشعور بالاستنزاف النفسي لا يتوقف عند حدود الإزعاج اليومي، بل يتحول لدى كثيرات في العراق إلى تغيير جذري في نمط الحياة. ريم حسن (34 عاماً) تقول إن التحرش المتكرر أجبرها على إعادة ترتيب حياتها بالكامل "أصبحت لا أخرج إلا للضرورة القصوى"، وتضيف "السوق، المشي، حتى زيارة قريبة. كل شيء صار محسوباً". وتروي ريم لـ"العربي الجديد" حادثة تقول إنها شكلت نقطة تحول بالنسبة لها: "شاهدت مجموعة شباب يتحرشون بفتيات مراهقات وهن في طريقهن إلى السوق. البنات كن خائفات. في تلك اللحظة، قررت التدخل وتصوير ما يجري رغم أن المسافة لم تكن قريبة بالحدّ الكافي"، مبينة "نشرت الفيديو، وانتشر بسرعة. لأول مرة شعرت بأن الخوف انتقل من الضحية إلى المتحرش". وترى ريم أن الحسابات التي تفضح المتحرشين "وسيلة ردع حقيقية"، مضيفة "المتحرش لا يخاف النصيحة، لكنه يخاف الفضيحة والمساءلة". ما بين الخروج المحدود والعزلة القسرية، تقف تجارب أخرى لنساء في العراق يحاولن التكيّف مع واقع بات يفرض نفسه، وفق ما تقول هندرين عبد الكريم (38 عاماً)، موظفة في القطاع الحكومي، موضحة لـ"العربي الجديد" أن التحرش دفعها إلى تعديل تفاصيل يومها. "هناك شوارع لا أسلكها، وأماكن ترفيه لا أذهب إليها، خاصة في المناسبات حيث يكثر تجمع الشباب والمراهقين". تضيف أن هذا "الحرص الزائد" ليس خياراً، بل ضرورة فرضتها التجربة. وترى هندرين أن انتشار الحسابات الخاصة بفضح المتحرشين "خطوة مهمة جداً"، مضيفة "كلما أتصفح مواقع التواصل أجد مقاطع فيديو متداولة تفضح المتحرشين. حين يشعر المتحرش بأن الكاميرا قد تكون بانتظاره في أي لحظة، سيحسب ألف حساب". خلال مناسبات عامة وأعياد، انتشرت مقاطع وُصفت بغير المسبوقة توثق حالات تحرش في أماكن مزدحمة، ما فجّر موجة غضب واسعة. وفي ردة فعل رسمية، أكدت القوات الأمنية إلقاء القبض على عدد من المتحرشين الذين ظهرت صورهم في المقاطع المتداولة، في خطوة اعتبرها كثيرون نتيجة مباشرة لضغط الشارع والرأي العام. لقد بات من المؤكد لدى الشارع العراقي أن تداول الجميع هذه المقاطع والصور أمر مهم جداً لردع المتحرشين، وهو ما يفعله عدد كبير من المواطنين والناشطين والإعلاميين. هذا التحول في المزاج المجتمعي لم يأتِ من فراغ، بحسب ما يقول لـ"العربي الجديد" الصحافي محمود جبار، الذي يلفت إلى أن تصاعد الظاهرة دفعه إلى تبني تصوير مقاطع فيديو مجتمعية للتوعية ومواجهة التحرش. "المسألة لم تعد شخصية، بل قضية مجتمع"، يقول جبار، مضيفاً "حين يوثق الناس، وحين يتكلم الإعلام، يصبح المتحرش هو الطرف المعزول لا الضحية". ويرى جبار أن نشر هذه المقاطع، رغم الجدل، "كسر حاجز الخوف"، وشجّع نساء كثيرات على الحديث عما كنّ يتعرضن له بصمت. وفي زاوية أخرى من المشهد، يظهر قلق الآباء بشكل مباشر أكثر، ما يدفعهم إلى اتخاذ خطوات لحماية بناتهم، ومنها منعهن من الخروج إلا برفقتهم، مع تشدد كبير على عدم الذهاب إلى مناطق ومناسبات معينة، لكن أحمد السامرائي، (56 عاماً) يقول لـ"العربي الجديد" إنه زوّد بناته بعصي كهربائية ورشاشات رذاذ الفلفل، لكي يواجهن المتحرشين. "هذا ليس عنفاً. إنه دفاع عن النفس" يقول بحزم. ويضيف أنه أوصاهن بعدم الهروب، ومواجهة المتحرش، وتصويره إن أمكن "الخوف إذا بقي داخل نفوس بناتنا سوف يعطي مساحة أكبر للمتحرشين. دائماً ما أوصي أهلي ومعارفي بأن ينشروا مقاطع التحرش لكي يُفضح المتحرش وينال عقابه ويصبح منبوذاً بين الناس".

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows