دراستان: أشباه البشر صنعوا أدوات قبل 430 ألف عام
Arab
1 hour ago
share
تشير دراستان جديدتان إلى أن أشباه البشر الأوائل في أوروبا كانوا يصنعون أدواتٍ من مواد خام قبل وصول الإنسان العاقل (Homo sapiens) إلى القارة بمئات الآلاف من السنين، وهو ما يدفع إلى إعادة ضبط "الزمن المعتمد" سابقاً لبدء هذا النوع من النشاط التقني هناك. وتشمل الأدلة مطرقةً عمرها نحو 500 ألف عام، مصنوعة من عظم فيل أو ماموث، عُثر عليها خلال أعمال تنقيب في جنوب إنكلترا، إضافةً إلى أدوات خشبية عمرها نحو 430 ألف عام اكتُشفت في جنوب اليونان، وتُعدّ أقدم أدوات خشبية معروفة حتى الآن، وفق سجل الاكتشافات. ورأى الباحثون أن هذه النتائج توحي بأن البشر الأوائل امتلكوا مهاراتٍ تكنولوجية متقدمة. واعتبرت كاترينا هارفاتي، وهي عالمة أنثروبولوجيا قديمة في جامعة توبنغن في ألمانيا، وأحد المؤلفين الرئيسيين لبحث الأدوات الخشبية المنشور يوم الاثنين في دورية "وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم"، أن الاكتشافات تضيء على الأصول ما قبل التاريخية للذكاء البشري. وشاركتها الرأي سيلفيا بيلو، عالمة الأنثروبولوجيا القديمة في "متحف التاريخ الطبيعي" في لندن وأحد مؤلفي دراسة عظم الفيل المنشورة الأسبوع الماضي في دورية "ساينس أدفانسز". وتشير الدراستان إلى أن القطع الأثرية، التي استُخرجت من مواقع مرتبطة بمناجم فحم، يُرجَّح أنها صُنعت على يد "إنسان نياندرتال" (Neanderthal) مبكر أو نوعٍ أقدم سبقهم هو "إنسان هايدلبيرغ" (Homo heidelbergensis). ويُذكر أن "الإنسان العاقل" (Homo sapiens) ظهر في أفريقيا قبل أكثر من 300 ألف عام، بينما أقدم دليل أحفوري له في أوروبا يتمثل في بقايا عمرها نحو 210 آلاف عام اكتُشفت في اليونان. وبحلول الوقت الذي استقر فيه "الإنسان العاقل" في بريطانيا قبل نحو 40 ألف عام، كانت أنواع بشرية أخرى قد عاشت هناك لما يقارب مليون عام. ومع أن علم الآثار يعيد كتابة تاريخه باستمرار، وغالباً ما يبقى "أقدم سجل" لأي تطور مؤقتاً إلى أن تظهر اكتشافات أقدم، فإن العثور على أدوات خشبية يظل شديد الندرة مقارنة بالأدوات الحجرية. وأقدم دليل معروف سابقاً على أن البشر الأوائل شكّلوا الخشب عمداً لأغراض بنيوية كان قد ظهر عام 2019 في شلالات كالامبو في زامبيا، ويعود إلى نحو 476 ألف عام، ويتكون من جذعين منحوتين ومتشابكين من خشب الصفصاف، ويبدو أنهما شكّلا جزءاً من مسكن أو منصة. وفسّرت هارفاتي أن الأدوات العضوية، ولا سيما النباتية منها، أكثر هشاشة وأصعب في الحفظ والاكتشاف من الأدوات الحجرية. أما القطع التي تناولتها دراسة الأدوات الخشبية الجديدة فاستُخرجت من طبقة عميقة في موقع "ماراثوسا 1"، وهو موقع كان في الأصل ضفاف بحيرة داخل منطقة مناجم قديمة في حوض ميغالوبوليس في اليونان. وترجع القطع إلى "العصر البليستوسيني الأوسط" (Middle Pleistocene)، الممتد تقريباً بين 478 ألفاً و424 ألف عام. وفي الموقع ذاته، عثر علماء الآثار على هيكلٍ جزئي لفيل مستقيم الأنياب، وبقايا سلاحف وطيور وقوارض وأفراس نهر، إضافةً إلى أدوات حجرية استُخدمت في تقطيع الذبائح. ومن بين عشرات شظايا الخشب العالقة في الرواسب، تبيّن أن قطعتين تحديداً استُخدمتا أدوات: شظية من خشب الأَلْدَر جرى تشكيلها للحفر، وغصن منحوت من الحور أو الصفصاف. وأوضحت أنيميكي ميلكس، عالمة الآثار في جامعة ريدينغ في إنكلترا وأحد المؤلفين الرئيسيين للدراسة، أنها أجرت تحليلاً مجهرياً وتصويراً طبياً مقطعياً للقطعتين، وأن الفريق رصد آثاراً واضحة للقطع والنحت على كلتيهما، بما يدل على أن البشر شكّلوهما عمداً. وأثار وجود أداة الحفر قرب عظام الفيل سؤالاً عن احتمال استخدام عصا الحفر في التعامل مع الجيفة، مثل تقطيع اللحم أو كشطه. وهنا علّقت هارفاتي بأنها لم تجرّب تقطيع جثة فيل، لكنها رجّحت أن الأمر ليس سهلاً، مع ذلك رأت أن استخداماً كهذا قد يبقى احتمالاً وارداً. أدوات الفيلة وفي دراسة عظم الفيل، انتقل الباحثون إلى "أدوات الفيلة" بوصفها فئة مختلفة من المواد الخام. فالأقدم والأكثر اكتمالاً من مجموعات أدوات عظم الفيل المنحوتة والمسنّنة كُشف عنها خلال العقد الماضي في أخدود أولدوفاي في تنزانيا، ويعود تاريخها إلى 1.5 مليون عام. وكان الاعتقاد السائد أن أدوات عظم الفيل في أوروبا تركزت في الجنوب الدافئ وأن ظهورها لا يتجاوز 450 ألف عام، لكن مطرقةً مصنوعة من عظم فيل أو ماموث، اكتُشفت في موقع بوكسغروف في مقاطعة غرب ساسكس بإنكلترا خلال تسعينيات القرن الماضي، ولم يُجر التعرف إليها بوصفها أداة إلا مؤخراً، قلبت هذا التصور. ويتميّز موقع بوكسغروف بوفرة الصوان وبقايا العظام وقرون الأيل المتحجرة، غير أن هذه كانت أول أداة من عظم الفيل تُكتشف فيه. وتوحي تشوهات سطح القطعة بأنها صُنعت واستُخدمت وهي لا تزال "طازجة"، ما دفع الباحثين إلى التساؤل عما إذا كان الفيل قد صِيد أم جرى استغلاله بعد النفوق. وشرحت سيلفيا بيلو أن الأداة، التي يبلغ طولها نحو أربع بوصات وشكلها مثلث، استُخدمت في عملية تشذيب الحجر، أي تكسير شظايا صغيرة من الصخر لصنع أدوات مثل الفؤوس اليدوية. ولاحظ الباحثون شقوقاً وعلامات مميزة على قطعة العظم، وأوضحت بيلو أن المطرقة طُرقت مراراً على الحجر، وأن شظايا صوان صغيرة عالقة داخل العظم تؤكد أنها استُخدمت لهذا الغرض المتخصص. وبالاستناد إلى قاعدة معروفة في البحث العلمي مفادها أن غياب الدليل ليس دليلاً على الغياب، رأت بيلو أن ندرة الأدوات المبكرة في السجل قد تكون نتيجة ضعف الحفظ أو صعوبات التعرف إلى هذه القطع بوصفها أدوات. ووافقها توماس تيربرغر، وهو خبير في تحليل القطع الأثرية القديمة في مكتب ولاية سكسونيا السفلى للتراث الثقافي في هانوفر، مرجّحاً أن تظهر أدلة إضافية في مواقع لم تُكتشف بعد، أو ضمن مجموعات متاحف قائمة لم تُفحص بهذه الزاوية بعد. ولفت تيربرغر إلى أن الدراستين تسلطان الضوء على تنوع المواد الخام التي استخدمها البشر في عصور ما قبل التاريخ لصنع الأدوات، فالصوان كان الأكثر شيوعاً، لكن الخشب والعظم ربما كانا أكثر قيمة في نظر أسلافنا، بسبب ما يتيحانه من إمكانات. وطرح مثالاً بسيطاً: تخيّل كم أداة يمكن صنعها من عظمٍ واحد كبير لفيل.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows