Arab
لطالما راودت البشرية أفكار عن إنقاذ العالم، المؤسف أنها غير جادة. في كل عصر تخرج أصوات خائفة تنذر بأن العالم على وشك الانفجار، وتدعو إلى تجنب نهاية مأساوية قادمة، أصبحت منذ استعملت القنبلة الذرية حقيقية، بشرت بالعصر النووي، وهددت البشرية بشكل واقعي، وبدلاً من أن تسحب الأسلحة النووية من العالم، أخذت تنتشر بدعوى حماية الدول من جيرانها، وكأنها ليست الضمانة الشريرة لفناء الحياة والأحياء.
مثلت هذه الدعوة الحلم الذي يخالط العقول الخيّرة والمتفائلة، ولم تتراجع، رغم الإخفاقات، ما زال تداولها سارياً في الخطابات السياسية، والأفلام، والأدب، والأمم المتحدة، والمبادرات العالمية. ودائماً، كان الواقع المعيش يكشف عن مفارقة مؤلمة: فالعالم الذي نرغب في إنقاذه، هو ذاته العالم الذي تزداد أزماته تفاقماً يوماً بعد يوم، وتدفعه نحو الحروب، تحرض عليها السياسات الخاطئة، والجشع المتوحش، والأنانية المتفشية، والإهمال المزمن، وجنون الإبادة، ونزعة السيطرة والاستغلال.
لعل أول ما ينبغي الاعتراف به، أن ما نعيشه اليوم من أزمات بيئية، واجتماعية، واقتصادية، وسياسية، نتاجٌ مباشر لمسارات طويلة من السياسات الفاشلة والمغرضة. حين يُنفق العالم أكثر من تريليوني دولار سنوياً على التسلّح، بينما يعاني أكثر من 800 مليون إنسان من الجوع، ما يكشف عن خلل لاإنساني فاضح. كذلك حين يتم تجاهل التحذيرات البيئية على مدى عقود، بحجة عدم التأثير على النمو الاقتصادي، بينما الكوكب يختنق من انبعاثات المصانع ونفايات الصناعات، فإن الادعاء بالنية الطيبة في إنقاذ العالم، والوقوف مكتوفي الأيدي، يصبح مثيراً للسخرية، أكثر من الإحباط.
تولد الأزمات من خيارات خاطئة، تُتخذ غالباً وفق مصالح ضيقة لقوى نافذة من مليارديرات وجهات سياسية داعمة. إن أغلب ما يُطرح من حلول اليوم، لا يُقصد بها توخي أن تكون جذرية، بل تهدئة مخاوف الرأي العام، وإذا كانت السلطات لا تعترض عليها، فلأنها تحاول الإيحاء بأنها محايدة، بحيث تبدو متفهمة. ما يجعل إمكانية إنقاذ العالم أقرب إلى الحلم منها إلى الواقع. وطالما أن الشركات الكبرى تسيطر على مصادر الغذاء، والدواء، والطاقة، لن تُظهر أي استعداد للتنازل عن جزء من مكاسبها، فالأولوية القصوى هي لتعظيم الأرباح، لا لتخفيف معاناة ملايين البشر.
فإذا تجاوزنا الهيمنة على الأسواق بما هي منظومة متكاملة في قلب النظام الاقتصادي العالمي، نجد أن لعنة الحروب ليست إلى انتهاء، إذ لا يمر عام دون حروب جديدة، أو تتجدد، ما يعني هدر ثروات، وسفك دماء، وتهجير الملايين.
أما الأخطر، فهو صناعة الحروب نفسها، وسيلة للسيطرة على البشر وإعادة رسم الخرائط الجيوسياسية. فالحرب لم تعد وسيلة اضطرارية للدفاع، بل أصبحت أداة استثمارية لدى الدول الكبرى، التي تبيع السلاح، وتؤجج الصراعات، ثم تدعو للسلام كأنها ليست جزءاً من المشكلة. هذه المفارقة تجعل خطاب الإنقاذ مراوغاً ومجرد ادعاء، حين يصدر عن أطراف تشعل الحروب بيد، وتقدم المساعدات الإنسانية بالأخرى.
أصبحت الحرب أداة استثمارية لدى الدول الكبرى، التي تبيع السلاح
في ظل النظام العالمي الحالي، يبدو الجواب مؤجلاً إلى أمد غير معلوم، إن لم يكن معدوماً، لكن هذا لا يعني أن الأفراد والمجتمعات عاجزون. فالأمل لا يأتي من السلطات، بل من الشعوب، والحركات المجتمعية، والوعي الجماعي، والتعليم، والمقاومة المدنية.
عندما يتضامن الناس من أجل العدالة والسلام، ويربون أجيالاً أكثر وعياً، ويقاطعون المنتجات المدمرة للبيئة، ويحاسبون السياسيين، فإنهم، ولو ببطء، يغيرون شيئاً في معادلة القوة. التغيير ليس لحظياً ولا معجزة، لكن يجب الإيمان بأنه من الممكن حدوثه، ولو بدا مستحيلاً.
* روائي سوري

Related News
طائرة عسكرية ووفد سري.. قلق أرجنتيني من زيارة أمريكية
al-ain
14 minutes ago