الدرس السوري
Arab
3 hours ago
share
فصل جديد من فصول لعبة الأمم في سورية: اتفاق قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مع النظام في دمشق برعاية أميركية، فشل في مرحلته الأولى. استُدعي قائد هذا التشكيل مظلوم عبدي إلى أربيل للقاء الرمز الكردي مسعود البارزاني بحضور الموفد الأميركي توم برّاك. أُكّد الاتفاق الذي أعلنه برّاك، ثم نُشر رسمياً: "وقف إطلاق نار. انسحاب تشكيلات "قسد" إلى شرقي الفرات. تسليم محافظتي دير الزور والرقة إدارياً وعسكرياً إلى الحكومة السورية بالكامل بما فيها المؤسّسات والمنشآت، وتثبيت الموظفين الحاليين، والتزام الحكومة بعدم التعرّض لمقاتلي قسد، ودمج المؤسّسات الأمنية ضمن مؤسّسات الدولة وهياكلها الإدارية، واستلام الحكومة كل المعابر وحقول النفط والغاز وتأمين حمايتها. تعيين نائب وزير دفاع من قسد، تجنيس الأكراد واعتبارهم جزءاً أساساً من الدولة السورية مع احترام خصوصياتهم". قضايا مزمنة عالقة منذ عقود، وحقوق لم يُعترف بها سابقاً أُعطيت للأكراد. وكان لأميركا وقطر وتركيا ومسعود البارزاني دور أساس في الوصول إليها وإقناع مظلوم عبدي بالموافقة عليها. أحد مستشاري البارزاني قال: "ننصح قيادة قسد دائماً بالمبادرة إلى الحوار مع دمشق، ونؤيّد حل القضية الكردية في سورية سلمياً" (!). أكّدت الخارجية القطرية أن "الاتفاق خطوة مهمة لتوطيد السلم الأهلي وتعزيز الاستقرار والاندماج الكامل بين الحكومة وقسد". وأعلنت الخارجية التركية "نأمل أن يسهم اتفاق وقف إطلاق النار والاندماج الكامل في سورية، وتسريع وتيرة استقرار أمن البلاد". لا أحد يقبل التراجع عن مضمون وجوهر اتفاق "قسد" مع دمشق، الذي فيه مصلحة أساسية للأكراد، وثمة إصرار أميركي على تنفيذه الأساس في كل ما أُنجز وثبّت في هذه المواقف: وحدة سورية، والخصوصيات بمختلف أشكالها تُحفظ ضمنها على قاعدة التنوّع ضمن الوحدة. وهذه نقطة مركزية أساسية: لا تقسيم لسورية. وإذا قيل إن الاتفاق يعطي تركيا دوراً ونفوذاً، فهذا أمر طبيعي في إطار الجغرافيا السياسية التي تحيط بأيّ دولة. والمهم هنا أن تكون اتفاقات بشأن ترتيبها وحمايتها. ولذلك كتبت أكثر من مرّة: "نحن اليوم أمام مشروع تقسيم النفوذ في المنطقة، وليس تقسيم الجغرافيا حتى الآن"، وإن كانت ثمة نزعات انفصالية وحالات تقسيمية يُعبّر عنها في الصومال والسودان وليبيا واليمن، وثمة من يرعاها عربياً وإسرائيلياً ويتمنّى أن تتمدّد إلى سورية والعراق ولبنان. النقطة الأهم هنا أن الأطراف الداخلية، مذاهب أو طوائف أو حركات سياسية، لا يستطيع أيٌّ منها أن يقرّر بنفسه. لا أحد يدخل في حرب، أيّاً كانت أهدافه، ويستطيع أن يديرها ويقودها إلى النهاية من دون رعاية وعناية وحماية دولية بالتمويل والدعم السياسي. ولذلك، في لعبة الأمم والدول هذه الأطراف هي الأضعف. الدول لا تساعد أيَّ فريق لمصلحته، هي تستخدم الأطراف كلّها بما يُعزّز نفوذها ومصالحها ودورها وحضورها. وإذا اقتضى الأمر التخلّي في مرحلة معينة عن أيّ "مُستخدَم"، فلا مشكلة في ذلك. الأدوار والمهام والاستمرار في اللعبة يحدّدها اللاعبون الكبار المتنافسون. أقول هذا الكلام اليوم ونحن أمام تجربة جديدة تُعلِّم إذا أردنا أن نتعلّم. انتكس اتفاق دمشق، تراجع عنه مظلوم عبدي لأسباب عديدة. أعلنت القوات السورية زحفها، فسيطرت على مناطق عديدة واضطر عبدي للقول: وافقنا حقناً للدماء، ثم أُعلنت هدنة، ثم جاء إلى دمشق واجتمع مع الرئيس أحمد الشرع. وقيل إن الاجتماع لم يكن إيجابياً بعد اجتماعه بمسعود البارزاني، ثم عاد وأكّد التزامه بمضمون الاتفاق وطلب تمديد الهدنة. أيدت التمديد قطر وتركيا، لكن لا أحد يقبل التراجع عن مضمون وجوهر الاتفاق الذي فيه مصلحة جوهرية أساسية للأكراد فيما حصلوا عليه، وثمة إصرار أميركي على تنفيذه. وعندما لمس الأميركي محاولة التفاف على الاتفاق، قال برّاك: "انتهى الدور الأصلي لقسد قوةً رئيسيةً لمكافحة داعش". هكذا بكل بساطة ووضوح: "انتهى دوركم". كنا معكم ونحميكم ونسلّحكم لدور محدّد انتهى. جاءت تسوية لصالحكم وأنتم ترفضونها. هذه مشكلتكم، ثمة رئيس في سورية مستعدّ لمكافحة الإرهاب وقتال تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). وبالفعل، اتخذت خطوات على الأرض، وثمة حديث عن استعدادات لسحب القوات الأميركية وتقوية الدولة السورية، والسجون التي تكتظّ بآلاف المعتقلين من "داعش" يُنقلون إلى العراق؛ يعني إخلاء سورية منهم. الدولة تتكفّل بالأمن، أميركا تدعم، تركيا تستفيد وتدعم بعلم أميركا التي تشيد برجب طيّب أردوغان ودور بلاده وتدعوه إلى المشاركة في مجلس السلام في غزّة. وعناصر "داعش" الذين سينقلون إلى العراق سيكونون "لغماً" داخلياً مع متغيّرات العراق ومحاولات السيطرة الإيرانية عليه أكثر، وثمة تلويح باستخدامهم ضد إيران في ظلّ التهديدات المتتالية بشنّ حرب عليها تحت عنوان أنها أعادت بناء قدراتها وهي لم تلتزم بما طُلب. وتقع المنطقة كلّها تحت دائرة الاستنفار والحذر من إمكانية الدخول في مواجهة كبيرة، وتدفع إسرائيل بهذا الاتجاه، لكن الإدارة الأميركية تؤكّد أن "قرار الحرب بيد ترامب وحده". والأساطيل والقوات تُحشد في البحر والمحيطات والقواعد المحيطة، وتلعب إسرائيل وتناور حتى يتحقّق ضرب إيران. لماذا الاستنجاد بمسعود البارزاني؟... لأن الرجل، مع كل خبرته وحنكته وحكمته، خاض التجربة وغُدر به عام 2017 يوم أراد إجراء استفتاء شعبي على استقلال إقليم كردستان. استقال من الرئاسة، وكتبتُ بتاريخ 28 أكتوبر/ تشرين الأول 2017 في كتاب "من بلفور إلى ترامب" (الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، 2017): "سقط الحلم وسقط معه الرئيس. خرج بكرامة مثخناً بجراح مؤكّداً هزيمته وإصراره على الاستمرار في الدفاع عن قضية شعبه كواحد من أفراد البشمركة. موقف كبير من رجل كبير ارتكب الخطأ الكبير والاستعجال بطرح عملية التفاوض مع حكومة بغداد بعد أن خسر الأرض التي كان متنازعاً عليها. وكنا أشرنا سابقاً إلى أن هذه المنطقة ستكون اللغم في وجه الاستفتاء، إما بتعطيله من خلال حرب تحت عنوان (مواجهة داعش) أو بعد إجرائه من خلال الانقلاب عليه. كان بإمكانه أن يفاوض من موقع قوة والأرض المتنازع عليها معه. هل يتعلّم المراهنون على الانفصال من البارزاني وعبدي، ويتمعّنون في ماضي لعبة الدول وحاضرها؟ اليوم تغيّرت المعادلة وهنا العبرة بل العبر! في هذا المشهد يغادر مسعود البارزاني وعلى كتفيه جبال من الأمانات والهموم" (ص 415). هذا الكبير الخبير تعلّم الكثير. كأني به قال لمظلوم عبدي: هذا ما جرى معنا هنا، لا تكرّر الخطأ هناك. ودفع باتجاه التفاهم مع الدولة على أمل أن يُنفَّذ الاتفاق. يبقى السؤال: ماذا عن جنوبي سورية في ظلّ هذا الموقف الأميركي والإصرار على وحدة الدولة السورية والمفاوضات للوصول إلى اتفاق أمني سوري – إسرائيلي؟ وهل يتعلّم كثيرون من المراهنين على الانفصال من تجارب الآخرين، من البارزاني إلى مظلوم عبدي اليوم، ويتمعّنون في ماضي لعبة الدول وحاضرها؟ نحن من جيل لم نعش محطّات كثيرة في هذا التاريخ. أنا ممن تعلّموا بالمتابعة والقراءة والنقاش والاطلاع والابتعاد عن تحليلات التمنّيات، لكننا اليوم نعيش اللعبة، نراها أمامنا ونشهد ولادة مرحلة جديدة على المستوى الدولي مع ترامب الفريد الغريب العجيب في مواقفه وتصرّفاته وتصريحاته. وفي منطقتنا من غزّة و"تملّكها" ومجلس سلامها، إلى سورية وأعاجيبها، إلى إيران وما يمكن أن يجري معها وفيها، إلى المنطقة كلّها. فهل يتعلّم مشاهدون آخرون ومشاركون آخرون لحماية وحدة لبنان ووحدة سورية وحماية التنوّع فيهما؟

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows