Arab
كلّ الناس يمتلكون تاريخاً، لكن ليس جميعهم يمتلكون إجماعاً اجتماعياً حول هذا التاريخ. هذه الفجوة تحديداً هي ما يدفعني، من رؤية تنبئية قد تبدو سوداوية، إلى العودة إلى الذاكرة بوصفها فعلاً اجتماعياً وسياسياً، لا مجرد استعادة فردية للماضي. فالذاكرة هنا ليست مخزناً محايداً للوقائع، بل نتاج علاقات قوة وخطاب وهيمنة. أضع هذه الذاكرة في ضوء عامين من الإبادة الجماعية، والسلوك السياسي للجماعات الفاعلة، والثقافة السياسية السائدة في الشارع.
غالباً ما تتمحور الذاكرة التاريخية حول الأحداث المشحونة ذات الأثر العميق والممتد في الحياة الاجتماعية، لكنها لا تُبنى بالضرورة على استرجاعات فردية للوقائع، بقدر ما تُصاغ عبر الجماعات السياسية، كلٌّ وفق تصوّرات تضمن له التفوق والمركزية السياسية والاجتماعية. في هذا السياق، لا يعود الفرد فاعلاً حراً في التذكّر، بل يُستدرج إلى ذاكرة جمعية تحدّد له ما ينبغي استعادته، وما يجب محوه أو تهميشه. وهنا تتحوّل الذاكرة إلى مفهوم انتقائي جماعوي.
وهكذا، تحضر مشهديات الماضي بقوة في الحاضر، لا بوصفها استدعاءً نقدياً للتاريخ، بل محاولة لصناعة سردية منسجمة مع الأفكار السائدة. هذه الذاكرة، سواء استندت إلى وقائع حدثت فعلاً أو إلى وقائع أُعيد ترتيبها وانتقاؤها وتأطيرها، تشقّ طريقها إلى التأطير الاجتماعي. فالذاكرة المخترعة لا تعني اختلاق الحدث من العدم، بل تعني إعادة إنتاجه ضمن سردية تخدم موقعاً سياسياً بعينه.
ورغم ما قد يبدو من تماسك في الهوية الاجتماعية، فإنّ تعدد الذاكرات التاريخية بات واقعاً لا يمكن تجاهله. لكلّ طرف ذاكرته الخاصة لما حدث في الماضي، ولما يحدث في الحاضر، ضمن ديناميات أصلانية تُحدّد ملامح الثقافة السياسية في الجغرافيا الفلسطينية المنقسمة أصلاً. والنتيجة ليست اختلافاً تأويلياً مشروعاً، بل تعدداً دموياً في الذاكرات التاريخية؛ دموياً بمعنى أنّ كل ذاكرة تُنتج نفياً عنيفاً للذاكرات الأخرى، وتُشرعن الإقصاء، وأحياناً العنف، باسم سردية الماضي.
الوقائع لا تمرّ بوصفها حوادث زمنية يمكن تأريخها ثم تجاوزها، بل تشق طريقها عميقاً في البنية المعرفية والنفسية للأفراد
هكذا صُنعت هذه الذاكرات، وسُوِّقت، وسُيِّست، غالباً في هيئة سرديات صراعية متطرفة، في زمن تدهورت فيه الثقافة السياسية بأبعادها السلطوية والمعارضية والعدمية على حدّ سواء.
في ظل هذا المشهد، يبدو الجميع مطالباً بالوصول إلى صيغة وطنية جامعة، لا تقوم على إنكار الاختلاف، بل على إعادة ترتيب الأولويات. صيغة تضع جودة الحياة الاجتماعية في المقام الأول، وتستند إلى مفاهيم إجرائية قادرة على إنقاذ ما تبقى من المؤسسات الوطنية، وإصلاح البنى السياسية والمدنية، بوصف ذلك حداً أدنى للحفاظ على الخيط الأخير الذي يربطنا ببعضنا.
فالوقائع لا تمرّ بوصفها حوادث زمنية يمكن تأريخها ثم تجاوزها، بل تشق طريقها عميقاً في البنية المعرفية والنفسية للأفراد. إنها لا تُنتج صدمة لحظية فحسب، بل تُعيد تشكيل الإدراك والسلوك وأنماط التفاعل على المدى الطويل. لذلك؛ من المتوقّع أن نشهد تحوّلات عنيفة في تصوّرات الأفراد ومواقفهم. وإن لم ننجح في استيعاب هذه التحولات بوعي إنساني حاذق، فإننا نخاطر بخسارة ما هو أكثر مما خسرناه بالفعل.
وحتى هذه اللحظة، لا نجد سوى تقييم وطني عدمي، نُقصي به كلّ من لا يرى بأعيننا، ونختصر به تعقيد الواقع في سردية واحدة، ملوّنة بلون القلم الذي اختار أن يكتب التاريخ.
Related News
نوري المالكي... تجربةُ المُجرَّب
alaraby ALjadeed
13 minutes ago
التفكير مع مارك كارني
alaraby ALjadeed
13 minutes ago
الدرس السوري
alaraby ALjadeed
13 minutes ago
ترامب.. تاجر أم نرجسي أم يميني محافظ؟
alaraby ALjadeed
13 minutes ago