Arab
لم يكن خطابُ رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في مؤتمر دافوس أخيراً خطاباً عادياً؛ ليس لأنه غير عادي في مضمونه، بل لأنه ينتصر للسياسة في زمن الرداءة العالمية التي تتعيّن في خطاب ترامب وسلوكه. وما فعله كارني في "دافوس" لم يكن مجرّد خطاب، بل استعادة السياسة من اللغة الفارغة، وإعادة الاعتبار لفكرةٍ في صلب مفهوم السياسة، كان يسميها أوستين "الفعل بالكلمات". ولو لم نكن نعيش زمن انحدار السياسة، لكانت لغة كارني عاديةً جدّاً؛ فما يجعلها لافتةً هو أن السياسة العالمية أخفقت أخيراً في الحفاظ على معناها بوصفها شيئاً يجعل التفكير متعيّناً ومُعاشاً، ومن ثم أخفق العالم في متابعة ربط مفهوم السياسة بالظهور العلني، وانكشاف الفعل والكلام أمام الآخرين.
يجسّد ترامب، ومنتفِعاتُه في العالم المعاصر، ظاهرةً تعمل ضد السياسة بمعناها الواسع، وتحيل على جعل ظاهرة اللا تفكير متعيّنةً وملموسة. ومع ترامب يعيش العالم كلّه نتائج غياب التفكير؛ ولذلك لا غرابة في أن يستلهم كارني من ثيوسيديس أن الأقوياء يفعلون ما يستطيعون، بينما يضطر الضعفاء إلى تحمّل ما يُفرض عليهم؛ وأن يستلهم من فاتسلاف هافل ظاهرة "العيش داخل الكذبة"، إذ استنتج الأخير، في سياق تفكيره في "قوة الضعفاء"، أن الإنسان العادي كان يقايض الامتثال بالأمان، ولذلك استمرّ النظام الشيوعي حقبةً من الزمن، بحسب رأيه.
وهكذا، يبدو كارني في "عصر ترامب" مدفوعاً إلى التفكير في أفق ما بعد الحرب العالمية الثانية؛ فيذكّرنا منطق تفكيره العام بالتنظيرات حول الشمولية، وبثورات التحرّر الديمقراطي، وبسقوط وهم إصلاح النظام من الداخل، كما حدث بعد ربيع براغ مثلاً، ومن ثم ضرورة بناء "ثورةٍ مخملية" تبدأ من الأخلاق والقيم لا من العنف، مثل التي حدثت في تشيكوسلوفاكيا عام 1989. لكن كارني بدا وكأنه أرادها عالميةً هذه المرّة، وهنا تكمن أهمية ما قاله.
واحدة من أكثر الأفكار أهميةً أن أميركا اليوم لم تعد قوةً عظمى بالمعنى الكلاسيكي، بل تحوّلت إلى "عنفٍ فائق"
أطلقنا، في قاموسنا العربي المعاصر، على هذا التوجّه اسم "الربيع" بعد ثورة 14 يناير (2011) في تونس. صحيح أن أدبياتنا الراهنة تراجعت عن استعمال هذه التسمية بوجهٍ ملحوظ، وصِرنا متردّدين في كتابتها الآن لأسبابٍ تحيل على النتائج لا على الظاهرة نفسها، إلا أن محمّد البوعزيزي، مثلاً، لم يكن إلا كسراً للقانون الضمني المُسلَّم به في حينه، الذي كان يفيد بتقديم الامتثال مقابل الأمان، بالمعنى نفسه الذي قصده كارني في حديثه عن النظام العالمي الجديد. فلقد كنا حينها نفكّر مثل كارني، وضمن مدرسة حنّة أرندت؛ أي كنا نفكّر في منطقة ما بعد الشمولية، فقرّرنا أن السياسة تبدأ حين نتوقّف عن التمثيل ونخاطر بالقول والفعل في عالمٍ مكشوف. لذلك قد يكون كلام كارني في "دافوس"، بتقديرات كاتب هذه السطور، صالحاً ليكون مقدّمةً لربيعٍ عالمي سيَتذكّره العالم لوقتٍ طويل، وسنتذكّره (نحن العرب) إن وقفنا معه وتفكّرنا فيه، وخصوصاً في الشرق الأوسط.
واحدة من أكثر الأفكار أهميةً أن أميركا التي نراها اليوم لم تعد قوةً عظمى بالمعنى الكلاسيكي للمصطلح، بل تحوّلت إلى "عنفٍ فائق" (super-violence). فالقوة تنشأ من الفعل المشترك، من الفعل معاً، لا من فرض الإرادة، بينما يكون العنف دليلَ ضعف القوة، لا فائضَ القوة كما يفهم بعضهم من سلوك ترامب. فالإكراه الاقتصادي، واستخدام الاندماج سلاحاً، وتحويل المؤسّسات أدواتِ ضغط، وغيرها كثير، كلّها دلائل على ضعفٍ في قوة القيم الراهنة. وهذا الضعف هو المؤشّر الذي يجعلنا نميّز بين القوة والعنف؛ فالعنفُ أداةٌ تعويضية حين تفشل القوة الناتجة من الفعل المشترك. ومع انتشار العنف وتحوّله ناظماً للعلاقات، تصير السياسة مجرّد إشاعة، يُدَّعى حضورها شكلاً لا مضموناً، وتحضر مجازاً لا فعلاً. ومع هذا النوع من الحضور المجازي يبدو الكلام عن اختطاف مادورو وكأنّه كلامٌ سياسي، وليس عنفاً فائقاً من النوع الذي يقوله ثيوسيديس. كذلك الكلام عن السيطرة على غرينلاند، أو عن إنهاء "ثماني حروبٍ وربع" كما قال ترامب.
ومن ثم تصبح مقاربة كارني للمسألة الكونية الراهنة مقاربةً مهمة، لأنّها تنظر إلى الصراع العالمي الجديد بوصفه صراعاً بين "قيمة القوة" و"قوة القيم"، لتصل إلى إعادة التفكير في مفهوم السيادة في هذا الزمان. فمع غياب السياسة وحضور التمثيل، تنقلب السيادة إلى تمثيلٍ للسيادة، أو ادعاءٍ شكليّ لامتلاكها، مع قبولٍ غير مجازي بالخضوع والرضوخ لمبدأ الصفقات أو "التعاملاتية السياسية" (Transactionalism)، وهو مبدأ ترامب المحبّب إلى قلبه، الذي ينشره في العالم، فتتحوّل معه العلاقات الدولية إلى صفقاتٍ قصيرة الأجل، وتتآكل القيم أو تتلاشى تحت ضغط المصالح الآنية الضيقة التي لا تحسب حساباً لما هو استراتيجي أو مستدام. بل صارت الاستدامة مع هذا المبدأ مدعاةً للسخرية. ولذلك كان كارني محقّاً عندما قال إن الكنديين لم يعودوا يعتمدون على "قوة قيمهم"، بل على "قيمة قوتهم"، وأضاف: "نحن نبني هذه القوة في الداخل". وهذا بطبيعة الحال أمرٌ مدهش في زمان السياسة الركيكة، ومتسقٌ مع ما قاله كارني بأن النوستالجيا ليست استراتيجية، وبأن الصدق قيمةٌ مهمةٌ، وبأننا في نهاية المطاف ينبغي أن نرى العالم كما هو، لا كما نريده أو نتوقّعه.
وبهذه المقاربة بدا كارني وكأنه يلتقي مع زيغمونت باومان في أطروحته العامة بأننا نعيش في عالمٍ سائل؛ وأن المشكلة لا تبدو في أن العالم أصبح سائلاً فحسب، بل في أننا نحاول السباحة فيه من دون أن نعرف من سيغرق، أو من سيُترك من دون مساعدة ليغرق، وأننا لا نسأل عن الجهة التي تتحمّل المسؤولية ومن ينبغي أن يُحاسَب.
يُفعِّل ترامب مبدأ حقوق الإنسان في إيران ويبطله في غزّة أو في الكاريبي، بما يدل على حالة استثناءٍ عالمية ستكون قادرةً على إنتاج الإنسان المُستباح
السيولة استبدلت الآني بالاستراتيجي، والمرونة بالالتزام، والصفقة بالعلاقة، والمنفعة الآنية بالمسؤولية الطويلة، وأخيراً استبدلت مفهوم "الهبش" بمفهوم الربح. وإضافةً إلى ذلك، ثمة من يريد من العالم أن يقتنع بأن السيادة فيه لم تعد في القدرة على السيطرة، بل في القدرة على تفادي الغرق في عالمٍ سائل. وما يطرحه كارني في العمق هو أن الاستسلام لهذا التعريف الجديد للسيادة يصبح مشاركةً في العنف البنيوي الذي ينتجه هذا النظام العالمي عندما يتعرّى مع ظاهرةٍ مثل ترامب. ولذلك فالبديل هو تعاونٌ يشبه تكتّل ميركوسور، أو مجموعة البوابة النوردية – البلطيقية (NB8)، ولكن على نطاقٍ أوسع وأعمق، وتفعيلٍ أكثر للقيم العالمية والإنسانية. ولا يعني القول إن علينا أن نحمي أنفسنا لأن القانون لم يعد يحمينا، أن تلجأ كل دولةٍ إلى بناء قلعتها منفردةً، ومن ثم تفاوض القوي على بقائها؛ بل يعني أن نقاوم الاستباحة الناتجة من تفعيل حالة الاستثناء وتعليق القانون، كما نشهد هذه الأيام في ملف غرينلاند، وفي فنزويلا، وفي قول ترامب، وهو رئيس الدولة الأقوى، إنه لا يعترف بالقانون الدولي، وإن قانونه هو أخلاقه الشخصية.
هكذا يُفعِّل مثلاً مبدأ حقوق الإنسان في إيران ويبطله في غزّة أو في الكاريبي، بما يدل على حالة استثناءٍ عالمية ستكون قادرةً على إنتاج الإنسان المُستباح (Homo Sacer) الذي تكّلم عنه جورجيو أغامبين، ولكن هذه المرّة برعايةٍ عالمية. وكأننا، والحال هذه، نعيش في حيزٍ ينهار فيه التمييز بين القانون واللا قانون، وبين الحالة الطبيعية والحالة الاستثنائية، وبين الحياة السياسية والحياة العارية، وأخيراً بين السيادة والخضوع.
وإن شئنا التعبير بطريقة ميشيل فوكو وأشيل مبيمبي، نقول إن كارني يريد تحالفاً دولياً جديداً لمقاومة السياسات الحيوية (biopolitics) والنيكروبوليتكس (Necro politics)، لأن المفهومين انتقلا، مع ترامب، إلى حزمة مفهومات العلاقات الدولية وأدواتها.

Related News
واشنطن تلوح بجزرة «العفو» لإقناع حماس بنزع سلاحها
al-ain
43 minutes ago