تنامي الاستثمارات الأجنبية وغياب رأس المال السوري
Arab
1 week ago
share
يمرّ مشهد الاستثمارات في سورية الجديدة بتحولات عميقة منذ سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024، إذ تمكنت الحكومة الحالية من جذب الاستثمارات الأجنبية بهدف عملية إعادة الإعمار بشكل واضح، بينما بقي رأس المال السوري المحلي والمهاجر غائباً عن السوق، سواء من الداخل أو الخارج. هذا التفاوت الكبير في تدفق الأموال يعكس مدى اعتماد الاقتصاد الوطني على التمويل الخارجي، ويثير تساؤلات حول قدرة سورية على إعادة بناء اقتصادها بشكل مستقل ومستدام، خاصة مع استمرار التحديات السياسية والمالية المتراكمة لعقود. وبينما تضخ دول الخليج، وخصوصاً السعودية وقطر، عشرات المليارات من الدولارات في مشاريع الطاقة والبنية التحتية، تبقى مشاركة المستثمرين السوريين محدودة، رغم التغييرات الجذرية التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة. وتشير البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الاقتصاد السورية إلى أن الاستثمارات الأجنبية في سورية منذ كانون الأول/ ديسمبر 2024 حتى نهاية 2025 تجاوزت 28 مليار دولار، موزعة على مشاريع استراتيجية في الطاقة والبنية التحتية والاتصالات والنقل والموانئ، فيما لم تتجاوز مساهمة رأس المال السوري المهاجر أو المحلي أكثر من 2–3 مليارات دولار فقط، وهو رقم صغير مقارنة بالقدرة المالية والتجارية للمغتربين السوريين في تركيا وأوروبا والخليج، حيث حافظت استثماراتهم على معدل نمو سنوي تجاوز 6.2% منذ عام 2018، وفق منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. ماذا تقول الخبرات عن استثمارات سورية؟ ويرى خبراء أن غياب الاستثمار السوري يعود إلى مجموعة عوامل مترابطة، أبرزها ضعف البنية التحتية، وهشاشة القطاع المصرفي، وتعقيد البيئة القانونية والبيروقراطية، واستمرار بعض العقوبات الغربية، على الرغم من التعديلات التشريعية الأخيرة التي تهدف لتحسين بيئة الأعمال. وفي هذا السياق، يشير الدكتور عبد العزيز دغيم، عميد كلية الاقتصاد بجامعة حلب، إلى أن نجاح الاستثمارات السورية في الخارج يعكس قدرة المغترب على التكيف مع بيئة مستقرة وتوظيف رأس المال والخبرة بشكل فعال. ويضيف لـ"العربي الجديد" أن غياب هذه البيئة داخل سورية يحدّ من قدرة المستثمر المحلي أو المغترب على المشاركة في إعادة الإعمار، ويزيد الاعتماد على التمويل الأجنبي، ما يجعل الاقتصاد الوطني عرضة لتقلبات سياسية واقتصادية خارجية. ويؤكد دغيم أن توفير بيئة استثمارية واضحة وشفافة داخل سورية، مع حماية قانونية وحوافز مالية، هو المفتاح لتشجيع المغتربين على العودة والمشاركة الفعلية في الاقتصاد الوطني. استثمارات السوريين في دول الجوار أثبت المغتربون السوريون، من رجال أعمال وتجار وصناعيين، قدرتهم على تحقيق أثر اقتصادي ملموس عند توفر بيئة مستقرة وجاذبة، ففي الأردن، يوضح رئيس غرفة تجارة الأردن خليل الحاج توفيق أن نحو 1.3 مليون سوري يقيمون في المملكة ويديرون 4,100 شركة بقيمة تتجاوز 310 ملايين دولار، موزعة على قطاعات الصناعة والتجارة والعقار. ويضيف الحاج توفيق لـ"العربي الجديد" أن السوريين لم يقتصروا على الأعمال التقليدية، بل أدخلوا صناعات جديدة وأسهموا في خلق آلاف فرص العمل للمواطنين والسوريين على حد سواء، مستفيدين من التسهيلات التي قدّمتها الحكومة الأردنية، بما في ذلك السماح بجلب العمالة الماهرة في المناطق الصناعية والنائية بما يتوافق مع الاحتياجات التنموية للمملكة. وفي تركيا، يبرز الدور الاقتصادي للمغتربين بشكل أكبر، وفق رئيس اتحاد الغرف التجارية وبورصات السلع التركية، رفعت حصارجيكلي أوغلو، يشكل السوريون نحو 14% من الاستثمارات الأجنبية ويمثلون 86% من رجال الأعمال الأجانب، إذ تجاوزت قيمة استثماراتهم 3.5 مليارات دولار حتى عام 2020 وأسهمت في توفير أكثر من 100 ألف وظيفة. وأوضح أوغلو لـ"العربي الجديد" أن الاستثمارات السورية تتركز بين التجارة بنسبة 39%، والصناعة 19%، والسياحة 10%، مع التركيز الصناعي في ولاية غازي عنتاب والسياحي في إسطنبول، وهو ما يعكس قدرة المغترب السوري على توظيف خبراته وموارده المالية بفعالية بعيداً عن قيود الوطن. أما في المملكة العربية السعودية، فقد بلغ رصيد الاستثمارات السورية 2.24 مليار دولار عام 2023، وفق حديث الرئيس التنفيذي للهيئة السعودية لتسويق الاستثمار، خالد الخطاف، خلال المنتدى الاقتصادي السوري – السعودي، موزعة على قطاعات الصناعة، والتشييد والبناء، والتجارة والأنشطة العلمية والمهنية. وقد أسهمت الشركات السورية بالمملكة في توفير نحو 61 ألف وظيفة، بينها أكثر من 14 ألف وظيفة للسعوديين، ما يبرز الدور المباشر للمغتربين السوريين في دعم الاقتصاد المحلي وخلق فرص عمل جديدة، وتحقيق عائدات مستدامة. وفي مصر، يشير أحمد الوكيل، رئيس الاتحاد العام للغرف التجارية المصرية، لـ"العربي الجديد"، إلى أن عدد السوريين المقيمين في البلاد يبلغ نحو 1.5 مليون شخص، ويديرون 15 ألف شركة سورية بقيمة استثمارات تقارب مليار دولار. ويؤكد الوكيل أن السوريين ساهموا في تنشيط قطاعات التجارة والصناعة والخدمات، مع توفير فرص عمل للسوريين والمصريين على حد سواء، ما يعكس أهمية البيئة الاستثمارية المستقرة في تشجيع المغتربين على توسيع نشاطاتهم الاقتصادية. على عكس هذه الدول، تظلّ الاستثمارات السورية في لبنان محدودة للغاية، وغالباً ما اقتصرت على المشاريع الصغيرة والمتوسّطة، مثل المطاعم والمقاهي وبعض الأعمال الحرفية. ويعكس هذا الواقع تأثر الاستثمار السوري بالأزمات الاقتصادية المتكررة، وعدم استقرار العملة الوطنية، وضعف السيولة المصرفية، ما جعل ضخ رؤوس الأموال الكبيرة أو تأسيس شركات استراتيجية أمراً شبه مستحيل. قانون جديد ومبادرات تشجيعية تحاول الحكومة السورية تحسين بيئة الاستثمار لجذب المغتربين، من خلال إصدار قانون جديد للاستثمار يهدف إلى حماية حقوق المستثمرين ومنح ضمانات واسعة، بما في ذلك الإعفاء الضريبي الكامل في بعض القطاعات الإنتاجية. ويعتبر هذا القانون خطوة أساسية لتشجيع المغتربين على إعادة نقل أعمالهم أو تأسيس مشاريع جديدة داخل البلاد، خصوصاً في القطاعات ذات القيمة المضافة. وأكد طلال الهلالي، رئيس هيئة الاستثمار السورية، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أن الحكومة تعمل على إعادة المستثمرين السوريين من الخارج من خلال توفير بيئة استثمارية واضحة وسهلة الوصول إليها. وأوضح الهلالي أن أغلب المستثمرين السوريين المغتربين أنجزوا مشاريع كبيرة وناجحة في مصر وتركيا ودول أخرى، ما جعلهم معتادين على نماذج دقيقة وشفافة لإدارة الأعمال، ولذلك ركّزت الحكومة على بناء الركيزة الأساسية لتسهيل بدء الاستثمار فور وصول المستثمر. وأشار الهلالي إلى أن القوانين السابقة المتعلقة بالاستثمار، والتي كانت تتيح تدخلات في المشاريع أو وضع اليد عليها، أُلغيت بالكامل، مؤكداً أن القانون الجديد يحمي حق المستثمر بنسبة 100% في مشروعه، سواء كان خاصاً أو حكومياً. وأضاف أن الهيئة العامة للاستثمار تُشدّد على تبسيط الإجراءات الإدارية وتوحيد الجهات الناظمة، لضمان تسجيل الشركات بسرعة، وحماية الملكية، وتحويل الأرباح دون تعقيدات بيروقراطية أو تضارب صلاحيات. وأكد الهلالي أن الاستراتيجية الاستثمارية تتضمّن أيضاً استقطاب الكفاءات السورية المغتربة وتوظيف خبراتهم في مجالات الصناعة والتكنولوجيا والإدارة والصحة، بما يسرّع نقل المعرفة والمهارات الحديثة إلى الداخل ويعزز إنتاجية الاقتصاد الوطني. كما أوضح أن إمكانية تأسيس صناديق استثمارية أو شركات مساهمة تعد أداة فعالة لتقليل المخاطر الفردية، وتجميع رؤوس الأموال المحلية والمغتربة، وتوجيهها نحو مشاريع استراتيجية في الصناعة والبنية التحتية والزراعة. التحديات الاقتصادية وآفاق النمو يبين الواقع أن الاقتصاد السوري يعتمد اليوم أساساً على الأموال الأجنبية، فيما يظل رأس المال المحلي والمغترب بعيداً عن السوق. ويثير هذا الواقع مخاوف استراتيجية تتعلق بالسيادة الاقتصادية، خاصة إذا تغيرت حسابات الداعمين الخارجيين. ويشير الخبير الاقتصادي الدكتور حسن ديب إلى أن أي نجاح حقيقي في جذب الاستثمارات السورية يتطلب إصلاحات شاملة، وإطاراً قانونياً واضحاً، وبيئة أعمال مستقرة، وحوافز مالية وتجارية مجزية، بالإضافة إلى استقطاب الخبرات والكفاءات السورية المغتربة. ولفت ديب في حديثه لـ "العربي الجديد" إلى أن التحدي الرئيس يكمن في قدرة الحكومة الراهنة على خلق بيئة جاذبة لرؤوس الأموال الوطنية والمغتربة، تمكنها من إعادة بناء اقتصاد مستدام ومتوازن، يقلل الاعتماد على الخارج، ويحقق التنمية المستدامة ويحافظ على استقلال القرار الاقتصادي. وفي الوقت نفسه، تثبت التجارب في الأردن وتركيا والسعودية ومصر أن المغترب السوري قادر على تحقيق نمو اقتصادي ملموس، سواء عبر توظيف رأس المال أو نقل الخبرة والمعرفة. يبيّن الواقع أن سورية الجديدة تواجه مفترق طرق اقتصادياً، بين الاعتماد على الاستثمارات الأجنبية الكبرى وغياب الاستثمار المحلي والمغترب، رغم إمكاناته الكبيرة. وإذا أرادت الحكومة تحقيق التنمية المستدامة واستعادة دور رأس المال الوطني، لا بدّ من تنفيذ إصلاحات حقيقية تشمل الإطار القانوني، تسهيل الإجراءات، حوافز مالية وتشجيع الكفاءات المغتربة على العودة. وإلا، سيبقى الاقتصاد الوطني عرضة لتقلبات خارجية، بينما يظل المغترب السوري أكثر قدرة على النمو والازدهار في الخارج، كما تظهر التجارب الإقليمية.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows