في وداع المربي - سعيد ثابت سعيد
Party
1 week ago
share

- نودع في هذا اليوم الحزين أستاذنا الكبير عبدالفتاح جمال محمد، ونودع معه نموذجا نادرا من رجال التربية الذين يسبق أثرهم أسماءهم، وتسبق سيرتهم أي تعريف بهم. أشعر بالفقد كما يشعر به كل من عرفه عن قرب؛ فهو تربويا صنع هيبة المدرسة، وإداريا جمع بين النظام والرحمة، وتعاونيا لا يتأخر عن العون ولا يبخل بالنصيحة، وشاعرا مجيدا يكتب بروح شفيفة، وصحفيا بارعا يعرف قيمة الكلمة ويصون شرف الموقف، وصاحب رأي حر لا يساير ما لا يقتنع به.

- لذلك يصبح رحيله موجعا على نحو خاص، لأننا لا نرثي شخصا واحدا فقط، وإنما نرثي صورة المربي الذي وضع الإنسان في الطليعة، وحوّل التعليم إلى سلوك يومي للمعرفة والعمل، لا إلى منصب أو لافتة، وكانت مقولته الشهيرة "إن هذا الطبشور في يد المدرس المربي لهو أصدقُ تعبير وطني ممن يتشدقونَ باسم الوطنية".

- ومن هنا تبدأ علاقتي به؛ فقد عرفته من بعيد قبل أن ألتقيه وجها لوجه. عرفت اسمه عبر قصائده التي كانت مجلة المجتمع الكويتية تنشرها، فدخل ذاكرتي من باب الأدب.. كانت قصيدته تحمل حرارة إنسانية وصدقا لا يتزين، ثم جاءت الأيام لتؤكد لي أن خلف الشاعر قلبا طيبا وعقلا إداريا راشدا.

- أما لقائي الأول به فكان عندما قدمت من عدن إلى تعز للتسجيل في الصف الثالث الثانوي، وكنت برفقة شقيقي وأستاذي عبدالعزيز، حفظه الله. استقبلنا بجدية المربي وهدوء المسؤول، ثم أوضح لنا أن الإجراءات تقتضي الذهاب أولا إلى الوزارة في صنعاء لتسجيل الطلبة القادمين من الشطر الجنوبي ضمن كشوفات تحديد المستوى. ذهبت بالفعل وامتحنت في مدرسة ناصر، وظننت أن الأمر سينتهي عند حدود الإجراء. غير أن ما فعله بعد ذلك هو ما رسخ صورته في قلبي؛ إذ اتصل بعد نحو عشرة أيام ليطمئن علي. يومها أدركت أنني أمام مرب لا يكتفي بإتمام المعاملة، بل يسأل عن الطالب كإنسان.

- ثم توالت اللقاءات وتثبتت المودة، إلى أن كان آخر لقاء لي معه عام 2014، في تعز، وسط أجواء أزمة سياسية متصاعدة أفضت إلى كل هذا الخراب. كنت مع صديقي العزيز المحامي ماجد السقاف، فالتقيناه صدفة في الشارع، وتعانقنا وتبادلنا الذكريات، ثم تناولنا الغداء في أحد مطاعم المدينة. وقبل ذلك، كنت كلما زرت تعز أحرص على حضور مقيله العامر بالأدب والفن والتاريخ، ومعه قدر يسير من السياسة؛ مجلس يشبه صاحبه: رحابة وذوقا وحضورا.

- وإذا انتقلنا إلى لمحة سريعة من سيرته، وجدنا أن مساره العلمي والمهني كان بحجم الأثر الذي تركه. فقد حصل على الثانوية العامة في تعز "1972م"، ثم نال بكالوريوس التربية "لغة إنجليزية وآدابها" من جامعة صنعاء "مايو 1978م"، وأتبع ذلك بدبلوم متخصص في الإدارة التربوية من جامعة لندن "يوليو 1980م".

- بدأت محطاته الوظيفية في ميدان التعليم مبكرا، ثم اتسعت في الإدارة والتوجيه والعمل التعاوني:

1972-1973: مدرس في مدرسة السلام - خَمِر "صنعاء".

1978-1979: مدير مدرسة الجيل الجديد - صنعاء.

1979: مدير عام مساعد لمكتب التربية - ذمار.

1980-1984: مدير عام مكتب التربية والتعليم - تعز.

1985: مدير ومحرر صحفي في صحيفة الصحوة - صنعاء.

1985-1989: رئيس منتخب للمجلس المحلي - تعز.

1989-1990: وكيل مساعد لوزارة التربية والتعليم.

1990-1997: وكيل وزارة التربية لقطاع التوجيه والتقويم التربوي.

1997-2000: مستشار لوزارة التربية بدرجة نائب وزير.

2000-2004: مستشار / ملحق ثقافي بسفارة اليمن - نيودلهي.

2013: تم تعيينه بقرار جمهوري مديرا لمكتب التربية والتعليم في تعز.

رحمك الله يا أستاذنا رحمة الأبرار.. رحلت وتركت فينا فراغا لا يملأ: مربيا وإداريا ومتعاونا، وصاحب موقف سياسي حر لا يتلون، وشاعرا كانت كلمته تُخفف عن القلوب.. ثم خفتت برحيلك الموجع.

اللهم اغفر له وارحمه، واجعل علمه وخدمته للناس في ميزان حسناته، وألهم أهله ومحبيه الصبر والسلوان.

إنا لله وإنا إليه راجعون.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows