في طفولتي، التي قضيتها في المُعلّا بمدينة عدن، في تلك الحارات الشبيهة بفسيفساء بشرية، لم يكن الاختلاف سببًا للفرقة، بل مساحة للتعارف والتقارب. الحي كان ملعبنا الكبير، في قضائه نركض ونغنّي ونبتكر الألعاب، ونحوّل الأهازيج الصغيرة إلى عالم متكامل من الفرح، أذكر حين عاد صديقنا عبد الله الهندي من بومباي، غنّينا له أهزوجة: “يا بقرة صُبّي لبن، عبد الله وصل عدن“، كانت تلك بمنزلة هدية ترحيب لطالما اعتدنا تقديمها لمن جاء بعد غياب. ففي تفاصيل اللعب والكلمات العفوية، تتشكّل البدايات الأولى لفهم العالم، يتعلّم الطفل كيف ينادي صديقه، وكيف يرى المختلف عنه، وكيف يكتشف أنّ التنوّع جزء من الحكاية التي يعيشها كل يوم.
عبر عقود طويلة من تاريخها الثقافي، صاغت مدينة عدن أنموذجًا اجتماعيًا فريدًا، تلاقت فيه ثقافات متعدّدة وديانات مختلفة في فضاءٍ مدنيّ واحد، فصنعت هوية حضرية قائمة على التعايش وقبول الآخر والاحترام المتبادل. وقد انعكس هذا التنوع في تفاصيل الحياة اليومية، وشكّلت الألعاب الشعبية والأهازيج لغة مشتركة بين الأطفال، وجسرًا تربط بينهم رغم اختلافاتهم، وفضاءً للفرح والتواصل الاجتماعي.
وإذا حدث أن نشب خلاف صغير بين صديقتين، كان الحلّ الجماعي يأتي سريعًا، فعندما اختلفت صديقتانا “سُمية” و “لينا” ذات يوم، سارعنا إلى التحلّق حولهما ونحن نغنّي بصوت واحد: “مالك تبكي يا سلوى؟“. فتردّ إحداهما: “أبكي على صاحبتي“. هكذا، كانت الأهازيج تتسلّل بخِفّة إلى قلوبنا، لتُعيد الدفء إلى صداقاتنا الصغيرة، وكأنّها دبلوماسية حميمية لتسوية النزاعات تُعيد التوازن العاطفي، وتُحوّل الخلاف إلى لحظة مصالحة وابتسام.
وما زلت أتذكّر يوم احتفلنا بولادة ابن عمّتي، مردّدين أهزوجة: “اجروا ورانا يا عيال، بالخيزرانة يا عيال“، ومع حلول المساء، كان الصغير يستسلم للنوم على إيقاع تراتيل عدنية، تتهادى كأنّها لمسات محبّة خالصة، كانت الأصوات الدافئة تهمس للرضيع: “نام واطيّر لك زوج الحمام“، فتغدو الكلمات حضنًا من الطمأنينة، يلفّ طفولته الأولى بنغمةٍ من الودّ والحنان.
قيم الحكايات الشعبية
تعكس الحكايات الشعبية، التي كانت ترويها الجدّات في زوايا البيوت قبل النوم، منظومة من القيم الإنسانية العميقة التي تشكّلت في وجداننا. فقد حملت “المحزاية”، مثل حكايات “علي حيرو” الذي تحوّل إلى بطل شعبي في ذاكرة حارات الشيخ عثمان وغيرها من الحكايات، مضامين أخلاقية واضحة، تجلّت فيها قيم مساعدة الآخرين ونصرة المظلوم والعدل والإنصاف، وهو ما يظهر جليًا في تصوير البطل وهو يقف إلى جانب الضعفاء.
كما أسهمت في غرس روح التعاون والمحبّة بين الناس، وأكّدت على أهمية العيش المشترك والتماسك الاجتماعي داخل الحارة الواحدة، وهو ما يظهر في الإشارة إلى ضرورة التعايش بين أبناء المجتمع الواحد وبناء وعي جمعي قائم على العدالة والتكافل والمحبة.
هكذا كبرنا ونحن نلعب ألعابًا مشتركة، نتعلّم منها معنى التعايش وقبول الاختلاف، حيث شكّلت الساحات والمسرح المدرسي، والمسابقات العلمية والفنية فضاءات رحبة لصقل شخصيتنا وبناء هويتنا الثقافية، فغدت تلك التجارب دروسًا حَيّة في احترام الآخر، ونبذ خطاب الكراهية، وترسيخ قيم الانفتاح والتسامح.
غير أنّ هذا المشهد بدأ يتبدل في السنوات الأخيرة، فالحروب والانقسامات السياسية والاجتماعية تركت بصماتها الثقيلة على المجتمع، ولم يسلم الأطفال من انعكاساتها. شيئًا فشيئًا، صار الطابور المدرسي، ذلك الفضاء الذي تعلّمنا فيه أولى معاني الانضباط والانتماء، يردّد مفردات مناطقية وجهوية جارحة، وغالبًا ما يكون الأطفال في مثل هذه الحالات ناقلين لخطاب أكبر منهم، يلتقطونه من البيئة المحيطة، من الأسرة أو المجتمع أو وسائل الإعلام، من دون إدراك كامل لثقل هذه الكلمات وما تخلّفه من أثر في نفوس الآخرين. ومع مرور الوقت، قد يتحوّل هذا السلوك إلى نمط من العلاقات غير الصحيّة بين الطلاب، يقوم على الإقصاء أو الاستهزاء والتحقير، بدلًا من التعاون والتكامل، وهو ما يهدّد تلك القيم التي كانت المدرسة والحارة تسعيان لغرسها في وجدان الأجيال.
مواجهة الظاهرة
لا تتوقّف خطورة هذه الظاهرة عند حدود اللحظة التي تقع فيها داخل المدرسة، بل تمتدّ آثارها إلى تكوين شخصية الطفل ونظرته إلى المجتمع من حوله، فالطفل الذي ينشأ في بيئة يسودها التنمّر أو الإقصاء يحملها معه إلى مراحل لاحقة من حياته، لتتحوّل إلى مواقف وسلوكيات تعزّز الانقسامات الاجتماعية، بدلًا من تجاوزها وبناء جسور التفاهم بين أفراد المجتمع.
من هنا، تبرز الحاجة إلى وسائل تربوية وثقافية فعّالة تُعزّز قيم الاحترام والتعايش بين الأطفال، ويأتي في مقدمتها استحضار الموروث الشعبي من أهازيج وحكايات تراثية تشكل جزءًا أصيلًا من الذاكرة المجتمعية. فإحياء هذا الموروث يمكن أن يكون مدخلًا مهمّا لمعالجة خطاب الكراهية بين الطلاب، إذا ما جرى توظيفه ضمن أنشطة تربوية وثقافية داخل المدارس، وترى الدكتورة وفاء محمد الدريبي، نائب المدير العام لمدارس خليج عدن الأهلية، أنّ بإمكان المدارس استثمار الأهازيج والحكايات الشعبية في الأنشطة المسرحية والغنائية والقصصية التي تُعزّز روح العمل الجماعي والتعبير الإبداعي لدى الأطفال.
إلى جانب ذلك، تمثّل البرامج التوعوية والحملات المدرسية جزءًا مهمّاً من جهود مواجهة التنمر والمناطقية، فتشجيع الحوار بين الطلاب حول قيم الاحترام والتنوّع من شأنه خلق بيئة مدرسية أكثر تقبلًا للآخر وأكثر قدرة على احتواء الاختلاف.
وقبل أشهر، أسعدني كثيرًا مشهد العرس الطفولي الذي نظّمه مكتب الثقافة في عدن، حيث استعرض الأطفال مواهبهم في لوحات فنية جمعت طلابًا من مختلف المدارس، بمن فيهم الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة. قدّموا رقصات جماعية وكورالا متناغِما شكّل لوحة إنسانية نابضة بالمحبة والسلام، على إيقاع الأهازيج والأزياء الشعبية، في مثال حيّ على قُدرة الثقافة الشعبية على جمع الأطفال وتجاوز الانقسامات.
حينها تحدثتُ مع الأستاذ نزار القيسي، نجل مؤسّس المسرح المدرسي أبو بكر القيسي، فأوضح لي أنّ المسرح المدرسي كان أداة تربوية متكاملة تمزِج الفنّ بالتعليم، وتغرِس في نفوس الأطفال القدرة على فهم المجتمع والتمييز بين الخير والشر من دون فرض أو تلقين، بما يُسهم في بناء شخصياتهم وتنمية وعيهم الاجتماعي.
غير أنّ البيئة التعليمية اليوم اختلفت كثيرًا عمّا كانت عليه في الماضي، فقد استعدتُ حديثًا مع المذيعة ماما أمل بلجون عن المدرسة في أيامها الخوالي، حين كانت البرامج الثقافية المدرسية وفرقة الطلائع تُعزّز حبّ الوطن وتُشجّع روح التعاون والتنافس الصحي بين الطلاب. أوضحت في حديثها ذاك أنّ المدرسة كانت حاضنة للفنون وفضاءً لصقل المواهب وتنمية القدرات، في علاقة عضوية بين الفنّ والتربية، تقوم على فكرة بسيطة وعميقة في آن واحد: “لا فنّ بلا تربية، ولا تربية بلا فنّ”، أما اليوم، فإنّ غياب هذا الإطار التربوي والثقافي أسهم في ظهور مظاهر المناطقية في بعض المدارس.
عقد اجتماعي
من واقع تجربتها التربوية، ترى الدكتورة الدريبي أنّ الألعاب الشعبية تمثل عقدًا اجتماعيًا مصغّرًا يكسر الحواجز بين الأطفال ويعزّز الانضباط واحترام القواعد. كما يمكن للأهازيج والفنون التراثية أن تُسهم في تعزيز الانتماء والانسجام النفسي، وتمنح الأطفال مهارات التواصل والتعاون عبر أنشطة جماعية تحتفي بالتنوّع وتتعامل مع الاختلاف بروح إيجابية.
ولذلك، تبرز أهمية إشراك المعلّمين وأولياء الأمور في عملية التوجيه التربوي، للحدّ من تأثير الانحيازيات غير الواعية، وتحويل المدرسة إلى مساحة آمنة تُشجّع التعاون وتغرس قيم قبول الآخر منذ المراحل المبكّرة من التعليم، ويتطلّب ذلك تبنّي برامج متكاملة تشمل ورش العمل المدرسية والأنشطة الثقافية والفنية والحملات التوعوية، بما يُعزّز الحوار والعمل الجماعي بين الطلاب، على ما يرى متخصّصون.
وفي هذا الإطار، يمكن أن تتحوّل الأهازيج والألعاب الشعبية والمسرح المدرسي إلى أدوات تربوية فعّالة تُعيد بناء التوازن النفسي والاجتماعي لدى الأطفال، وتحوّل المدرسة إلى فضاء حيّ يُعزّز الانتماء والهوية، ويُرسّخ قيم التكامل الإنساني، ويُسهم في إعداد جيل قادر على مواجهة تحديات مجتمع معقد بجذور ثقافية راسخة.
والحال أن مواجهة خطاب الكراهية بين الأطفال لا يتحقّق بالقوانين وحدها، بل يحتاج إلى عمل تربوي وثقافي طويل الأمد يُعيد بناء القيم الإنسانية في وجدان الأجيال الجديدة، وعندما تُستعاد الأهازيج والحكايات الشعبية التي كانت يومًا لغة مشتركة في الأزقة والساحات، يمكن أن تتحوّل اليوم إلى جسر يُعيد للمدرسة روحها، ويزرع في نفوس الأطفال قيم الاحترام والتعايش. وهكذا تتحوّل ذاكرة الطفولة إلى مشروع تربوي يُعيد ترميم ما تصدّع في المجتمع، ويمنح الجيل الجديد فرصة للنشوء في بيئة أكثر تسامحًا وإنسانية، ليصبح التراث الشعبي والأهازيج أدوات تصنع الإنسان والمجتمع في آن واحد.
- تم إعداد هذا المقال بدعم من مشروع توظيف الشباب من خلال التراث والثقافة في اليمن، ضمن مكوّن “المناصرة الثقافية”، الذي تنفذه منظمة اليونسكو بالشراكة مع مؤسسة حضرموت للثقافة، وبدعم مشترك من الاتحاد الأوروبي والمؤسسة، وتنشره منصتي 30 في إطار شراكتها الإعلامية مع المشروع.
- المحتويات هي مسؤولية المؤلف فقط، ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر اليونسكو، أو مؤسسة حضرموت للثقافة، أو الاتحاد الأوروبي.
The post الأهازيج والحكايات الشعبية.. جسرٌ ثقافيّ لمواجهة خطاب الكراهية appeared first on منصتي 30.