عندما أدرك المواطنون أنّ حيّهم جزءٌ منهم!
مجتمع إنساني
منذ 4 ساعات
مشاركة

متى كانت آخر مرة شعرت فيها أنّ الشارع الذي تمشي فيه هو امتداد لبيتك؟ هذا الشعور تحديدًا هو ما جعل مدينة غيل باوزير بساحل حضرموت تحظى بمكانة مرموقة في النظافة، فالأمر هنا يقاس بمدى شعور الناس بملكية المكان العام، ولعل هذا ما يفسر تكرار اسم المدينة كلما طُرح سؤال بسيط: ما أنظف مدينة في ساحل حضرموت؟

هذه السمعة الطيبة كانت ثمرة سنوات من الوعي المجتمعي والعمل المشترك بين السكان (بحسب تقرير “غيل باوزير نموذج رائد للمدينة الحضرمية النظيفة” للصحفي أحمد باحمادي). وقد توّج هذا الوعي مؤخرًا بمبادرة رائدة حوّلت النظافة من واجب ثقيل إلى منافسة ممتعة تُعرف بمسابقة “أنظف حي”.

وينطلق هذا التميز من مقارنة بسيطة، ففي كثير من المدن، تمرّ الشوارع يوميًا تحت أقدام المارة دون أن يلتفت أحد لمن يعتني بها، تُرمى القمامة أحيانًا على عجل، ويُترك أمر النظافة بالكامل للجهات الرسمية، وكأن المكان العام لا يخصّ أحدًا، بينما تظهر الصورة في غيل باوزير مغايرة تمامًا. فكيف تحول هذا الوعي من مجرد ثقافة مجتمعية إلى هذا التحدي المنظم على الأرض؟.

الحكاية بدأت في عام 2025، حين قرر مشروع النظافة والتحسين، بالتعاون مع منتدى الجيلاني التطوعي التابع لمؤسسة داوود الجيلاني التنموية، أن ينقلوا هذا الشغف إلى مستوى أعلى، حيث أطلقوا مسابقة بفكرة بسيطة لكنّها عبقرية في أبعادها النفسية والاجتماعية: إشعال روح المنافسة الإيجابية بين الجيران ليصبح كل حي مسؤولاً عن رسم لوحته الخاصة.

ومع هذا النجاح الملهم الذي تحقق في العام الأول، عادت المبادرة في نسختها الثانية لعام 2026 ضمن فعاليات أسبوع النظافة والبيئة، لتثبت للجميع أنّ النظافة في الغيل أسلوب حياة يومي ومستدام.

وخلال الحفل الختامي لهذه النسخة، أوضح الأستاذ غسان محمد بن دحمان، مدير مشروع النظافة والتحسين بمديرية غيل باوزير، أنّ الهدف الحقيقي يسعى بالدرجة الأولى إلى تعزيز ثقافة المشاركة المجتمعية، وتشجيع السكان على التعاون في إظهار أحيائهم بصورة جميلة، خصوصًا مع اقتراب شهر رمضان المبارك.

شهدت المسابقة مشاركة ثلاثة أحياء سكنية هي: حي الصالحية، وحي معيان الشيخ، وحي حباير، حيث قدمت الفرق المشاركة نماذج متعددة من العمل التطوعي، فقد بادر السكان إلى تنظيف الشوارع وإزالة المخلفات، وردم بعض الحفر، ودهان الأرصفة وأعمدة الإنارة، إضافة إلى زراعة الأشجار وتزيين الأحياء وتحسين الإنارة في بعض الشوارع.

وعمل المشاركون على توزيع براميل لرمي القمامة في عدد من المواقع، وتعليق ملصقات توعوية تشجع السكان على الحفاظ على النظافة، في صورة تعكس روح التعاون بين الأهالي وحرصهم على إبقاء مدينتهم نظيفة وجميلة.

وفي نهاية المسابقة، تمكن حي معيان الشيخ من حصد المركز الأول للعام الثاني على التوالي، بعد حصوله على أعلى تقييم من لجنة التحكيم، في إنجاز يعكس مستوى عالي من التعاون بين أبناء الحي وتكاتفهم.

ولم يكن هذا الفوز مجرد نتيجة لحملة مؤقتة، بل ثمرة جهود متواصلة من سكان الحي الذين حرصوا على تحويل فكرة النظافة إلى ممارسة يومية يشارك فيها الجميع. معتز، وهو أحد أبناء غيل باوزير المتابعين عن قرب لهذه المبادرة، يرى أنّ ما حققه هذا الحي هو ثمرة واضحة لروح التعاون. ويوضح قائلًا: “استطاع سكان الحي الفوز بلقب أنظف حي بفضل جهودهم الجماعية والتزامهم بالنظافة، حيث نظم الأهالي حملات تنظيف جماعية، كما شجّعوا الجميع على المشاركة في الحفاظ على نظافة الحي، وعملوا على توعية الأطفال بأهمية النظافة”.

وبالفعل، حين تتأمل تفاصيل الحياة اليومية داخل الحي، تتبدّى ملامح التغيير بوضوح، شوارع نظيفة خالية من المخلفات، أرصفة أُعيد ترتيبها بعناية، حاويات قمامة موزعة بشكل منتظم، ولمسات تزيين بسيطة تضفي على المكان روحًا مختلفة، إنها تفاصيل صغيرة، لكنها تكشف حجم الجهد الذي بذله السكان، وتعكس إحساسًا حقيقيًا بالمسؤولية تجاه المكان.

هذا المظهر النظيف والمنظم في الحي يفسره لنا حمزة بن شيخان، منسق فريق حي معيان الشيخ في المسابقة، ويقول إنّ “البداية كانت مع إعلان المسابقة، حيث بادر بالتواصل مع اللجنة المنظمة، ثم العمل على تحفيز شباب الحي وتنظيم جهودهم”. ويوضح أنّ “الفريق اعتمد على تقسيم الأدوار بين المشاركين، فكان هناك فريق للنظافة، وآخر للتزيين، وفريق للصيانة تولى إصلاح بعض المرافق مثل إنارة الشوارع، إلى جانب التنسيق مع عدد من الداعمين من أبناء الحي لتوفير الاحتياجات الأساسية”.

ويشير بن شيخان إلى أنّ العمل لم يقتصر على تنظيف الشوارع فقط، بل شمل تحسين بعض الجوانب الخدمية داخل الحي، مؤكدًا أنّ التجربة أسهمت في تعزيز روح التعاون بين الأهالي. ويختتم حديثه قائلًا: “لم نخرج من هذه المسابقة بشوارع نظيفة فحسب، بل بمكاسب معنوية فاقت التوقعات”.

في الحقيقة، مسابقة “أنظف حي” في غيل باوزير دليل بسيط وواضح يثبت أنّ التغيير الحقيقي يبدأ دائمًا من وعي الناس أنفسهم قبل أي شيء آخر.

إنّ الممتع في هذه التجربة هو قدرتها على كسر الحواجز بين الجيران في هذا الزمن الذي تراجعت فيه الكثير من العلاقات الاجتماعية، فالقيمة الحقيقية هنا لا تكمن فقط في كمية المخلفات التي رُفعت من الشوارع، بل في روح الألفة والتعاون التي عادت لتربط بين أهالي الحي الواحد. هذه التجربة تفتح الباب أمام تساؤل مهم: هل يمكن أن تتكرر في أحياء أخرى؟

ربما لا يحتاج الأمر إلى إمكانات كبيرة بقدر ما يحتاج إلى وعي مجتمعي وإحساس حقيقي بالمسؤولية، فالحفاظ على نظافة الأحياء يبدأ بخطوات بسيطة، مثل الالتزام بعدم رمي القمامة في الشوارع، وتشجيع المبادرات التطوعية، وتعزيز التعاون بين السكان والجهات المختصة. كما يمكن للمدارس والمؤسسات المجتمعية أن تلعب دورًا مهمًا في نشر ثقافة النظافة بين الأطفال والشباب، بوصفهم الجيل القادر على ترسيخ هذه القيم في المستقبل.

وفي النهاية، تبقى النظافة أكثر من مجرد خدمة تقدمها جهة ما، بل ثقافة تبدأ من الفرد وتمتد إلى المجتمع بأكمله، حين يرى الإنسان في محيطه امتدادًا لذاته، لا شيئًا منفصلًا عنها.

  • تم إعداد هذا المقال بدعم من مشروع توظيف الشباب من خلال التراث والثقافة في اليمن، ضمن مكوّن “المناصرة الثقافية”، الذي تنفذه منظمة اليونسكو بالشراكة مع مؤسسة حضرموت للثقافة، وبدعم مشترك من الاتحاد الأوروبي والمؤسسة، وتنشره منصتي 30 في إطار شراكتها الإعلامية مع المشروع.
  • المحتويات هي مسؤولية المؤلف فقط، ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر اليونسكو، أو مؤسسة حضرموت للثقافة، أو الاتحاد الأوروبي.

The post عندما أدرك المواطنون أنّ حيّهم جزءٌ منهم! appeared first on منصتي 30.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية