«العيد» .. من عزلة الشاشات إلى دفء اللقاء!
مجتمع إنساني
منذ 4 ساعات
مشاركة

في ذاكرة الأرياف والمُدن اللحجية القديمة، كان العيد يحلّ كخيط من نور يغزل من خصومة الجيران ثوبًا من الألفة، ليس بجديد الثياب، بل بالتجمّعات التي تجعل من الحيّ الواحد أسرة كبيرة، ومن مائدة العيد جسرًا للعبور فوق جراح الماضي.

كان الموعد الذي يرمّم تصدّعات الروح، ويغسل حوافّ الذاكرة بماء التسامح، تضيع الأحقاد بين نقوش الكعك وسُمرة القهوة الدافئة، فتذوب رواسب الأمس كجليد بكلمة “عساكم من عواده”، لتتصافح الأيدي وتتشابك معها القلوب في ميثاق غفران يطوي صفحات الشقاق وينبذ لوعات الخصام.

أنا كنت يوماً هناك، في ذلك الزمن، حاضرة تلك الطقوس، طفلة ربُما تجاوزت ربيعها السابع، لم أدرك حينها أنّ تلك الطقوس الجماعية، التي توارثتها الأجيال كتميمة مقدّسة، كانت تُخفي خلف اعتيادها كنزًا لم نُبصره. كنا نظنّها لحظات مؤقّتة، ولربما تجمّعات مستعرضة، من دون أن نعلم أنّها الخيط الخفيّ الذي يربط تماسكنا بجذورٍ ضاربة في عُمق الزمن، ويغدو التماسك الأسري والاجتماعي هو الغاية الأسمى، والدرس الأبقى الذي نحمله في صدورنا طويلاً بعد رحيل الزينة.

لطالما كان العيد في ذاكرة أمّهاتنا أكثر من مجرد مناسبة، فقبل بضعة أيام، استعرضتُ لأمي صوراً قديمة، تظهر فيها امرأة تنحني بانهماك لتضع الحنّاء على كفّي والدتي. سألتها بفضول عمن تكون، ابتسمت أمي وقالت: “هذه امرأة من أطراف الحيّ، لكنها قبل العيد بيومين تمرّ على البيوت بيتًا بيتًا لتضع الحناء على أيدي فتيات الحي كمبادرة منها تُعلن بها أنّ العيد قد أشرق في القلوب قبل المآذن”. وتابعت أمي حديثها: “حتى تلك البيوت التي كانت بينها وبينهم قطيعة أو جفاء، كانت تطرق أبوابها، تمسح الحناء على أيدي فتياتهم، وتعيد وصل ما انقطع”.

أكثر من ٤٠ عامًا من الماضي، تستذكرها أمي بحضور الصورة نفسها “كُنا نحضّر الأكل من مختلف الأطباق ونجمعه في أحد البيوت، ويأتي الرجال والنساء ليتناولونه بفرح، وقبل تناول الطعام يلزم مَن دخل البيت أن يسلّم على الجميع بعبارة: من العايدين السالمين”.

وفي الأمس القريب، كان يرافق أجواء العيد فرح وضحك يترك بصمة جميلة، تبقى في الذاكرة تنتقل من الأجداد إلى الأحفاد، ومن هذا المكان إلى ذلك الزمان، وهو ما قالته رزان، طالبة في طب الأسنان، مسترجعة ذكريات الماضي، كُنا في العيد نزور بيوت الحي منذ الصباح من بيت إلى بيت ونجد تجمعات الأهل والجيران في البيوت بشكل يُثير الدهشة الممزوجة بالفرح، يشعرك أنّ الجميع أسرة واحدة.

ولنا الآن أن نتخيّل حال ذلك الترميم الاجتماعي الناتج عن تلك العادات، حيث يصبح طرق الباب بمنزلة إعلان هُدنة غير مشروطة، وأنّ المجتمعات لا تتماسك بالقوانين، بل بتفاصيل صغيرة تُشعرك بأن الجميع أسرة واحدة، من دون أي تكلّف.

وعلى النقيض من تلك الثقافات القديمة والمبادرات الدافئة التي كانت تُلملم القلوب بطرقة باب أو مسحة حناء، نعيش اليوم واقع الأبواب الموصدة، ليس لأنّ العيد اختلف، بل لأن طقوس العيد أصبحت لا تتجاوز زجاج الشاشات الرقمية، ومطبات الرقمنة التي أصبحت المعاودة فيها تُقاس بجودة الصورة أو طول الرسالة، لا بعُمق الصلة والتقارب. إننا نعيش تراجعاً في ثقافات حضرت فيها الأعياد الدينية كواحدة من أهم ركائز التماسك المجتمعي، نقف أمام واقعٍ لا يختلف عليه اثنان، واقعٍ يهدّد السلام والتماسك والتعايش، أصبحت به بيوت الجيران جُزُراً معزولة خلف أسوار الخصومة واللامبالاة، وأحدثت شروخًا لا تنجبر.

شروخ طويلة خلف الشاشات

“ما العيد إلا لقاء الأهل في ود .. وطيب نفس تجلي الهم والكدرَ

فإن نأوا صار طول الدهر مغتربًا .. وإن دنوا صار كل العام لي عيد”

أتفقُ تماما مع نبض هذه الأبيات الاجتماعية التي صوّرت واقعنا الحاضر، فالعيدُ هو حدث اجتماعي لجبر القلوب والتئام الجروح، يُعيد ترميم الماضي، أو هدم الحاضر. لكن في واقع العلاقات الاجتماعية اليوم، نجد أنّ أخطر ما يواجهنا هو شروخ العلاقات الاجتماعية بقطيعة مثلما وصفتها الأبيات تماماً، لتتحوّل بهجة العيد من وطن آمن إلى اغترابٍ قسري يهدّد السلام والتماسك المجتمعي، وقد شهد المجتمع قصصاً كثيرة أثبتت ذلك.

وهناك كُتلة كبيرة مِن البشر تعيش نفس وجع الشطر الأول من البيت الثاني، فما يحدث اليوم ليس تغييراً في طقوس المعايدة بين الأهل ليوم أو ليومين وحسب، بل هو تصدّع حقيقي في جدار التماسك الأسري قد يمتدّ شرخه لأكثر من عام.

في العُمق نفسه، يزداد التنافر المجتمعي عندما يستثقل الفرد منا طرق باب جاره، أو تقبيل يد قريب أو كبير في الحي؛ لأنه وجد بديلاً أخفّ وهو ضغطة زر الإرسال. إذن هذا التراجع في ثقافة “المعاودة” اليمنية الأصيلة، وقطع حبال الودّ التي كانت تُنسج في جلسات المقيل وصلاة العيد وزيارات البيوت هو بسبب الرقمنة العصرية وعدم الاهتمام بالثقافات القديمة. في هذا الإطار تقول مسؤولة بيت التراث اللحجي أنجيلا الحاج إنّ “سبب هذا التراجع في المقام الأوّل هو عدم تشجيع الجيل بالتمسّك بالعادات القديمة من الأسرة، وتعليمهم أنّ التراث القديم كنز وثقافة لا يمكن للمجتمعات مسحها أو نسخها. وفي المقام الثاني، دخول الثقافات الخارجية التي قُدّمت لمجتمعاتنا بأسلوب التحضر العصري، حتى عملت على اندثار موروثنا الأصيل”، وتصف “الحاج” التراث بأنه “حلقة متداولة تنتقل من الأجداد إلى الآباء، ومنهم إلى الأبناء. يعيش بالفعل لا بالقول”.

وفي الموضوع نفسه، يقول الناشط المجتمعي ناظم الشبحي إنّ “من أسباب القطيعة في الأعياد كموروث اجتماعي هجرة الإنسان من دفء الريف وبساطته إلى صخب المدينة وعزلتها، تُعزّزه بيئة إلكترونية باردة استلبت منا حرارة اللقاء، حتى غدا المجتمع غريباً عن موروثه الأصيل في صلة الأهل والجيران”.

​عودة لرحاب الوصل القديم

لستُ هنا في مقام الواعظ ومن يُلزِم برمي هواتفكم، وضرورة الرجوع إلى الوراء، أو قاضياً يأمر بالعودة إلى طقوس الماضي، فالحياة بلا شك نهرٌ لا يجري للخلف، بل سأضع سؤالاً على سبيل البحث عن جمال لمّة العيد، ودفء الزيارات الأولى: “تخيّلوا ماذا لو هجرنا ضيق الرسائل هذا العام، وشددنا الرحال نحو فسحة اللقاء؟ قد يكون السؤال هادفاً لاستعادة الإنسان فينا، إنسان اشتاق أن يرى بريق الفرح في عيون أحبّته من دون وسيط من زجاج، وأن يسمع معاودتهم وهي ترنّ في فضاء الواقع، لا في صدى الرموز الجامدة”.

في الحقيقة، لا مساحة لنا ليوم لتقديس التراث بقدر ما نحتاج لتخميره وممارسته ​في التمسّك بالزيارات الحيّة، وأن العيد هو فرصة للسعي ضد التفكّك والاغتراب المجتمعي، وعلينا أن نُدرك أن رسالة نصية، مهما كانت منمّقة، لن تعوض دفء مصافحة أو صدق “عساكم من عواده” تُقال وجهًا لوجه.

ولا يغيبُ عن أذهاننا، نحن الذين عاصرنا هذه الحقبة، أن العيد موسم للتسامح الحقيقي، ودفن الأحقاد، وأن إعادة صخب الأرياف، وروح المدينة المفقودة من واجبنا بلا جدل. وإذا لملمنا شتات هذه القراءة، نجد أنفسنا أمام معادلة وجودية، وهي أنّ العيد نسيج روحي يُلملم شقوق المجتمع، لمّات وكلمات تذيب الأحقاد بطقوس كنا نظنّها عابرة مع انقضاء الزمن، فإذا هي الإنسان والزمن معاً.

وعلى مرفأ الختام لمقالي هذا، ومن خلف ستائر هذه التكنولوجيا، وبعيدًا عن إملاءات العصر، فليس عدلاً أن يفرض علينا العصر من يجب أن نكون، وإنها المأساة أن يسرق العصر الرقمي حقًا اجتماعيًا مقدسًا، يحول “شروخ العمر” إلى واقع يُعاش في لحظة تناءٍ، ويجعل من الزمان اغترابًا ممتدًا، ونحن كائنات خُلقت للتلاقى لا للتنائي، وإن كان العصر قد سلبنا دفء الحضور، فمتى نستعيد ملامحنا من شتات الغربة والبرمجيات؟! ونُثبت أن العيد لقاء يرمم انكسارات العمر؛ ليكون العيد هو الإنسان واللقاء. اللقاء فحسب.

  • تم إعداد هذا المقال بدعم من مشروع توظيف الشباب من خلال التراث والثقافة في اليمن، ضمن مكوّن “المناصرة الثقافية”، الذي تنفذه منظمة اليونسكو بالشراكة مع مؤسسة حضرموت للثقافة، وبدعم مشترك من الاتحاد الأوروبي والمؤسسة، وتنشره منصتي 30 في إطار شراكتها الإعلامية مع المشروع.
  • المحتويات هي مسؤولية المؤلف فقط، ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر اليونسكو، أو مؤسسة حضرموت للثقافة، أو الاتحاد الأوروبي.

The post «العيد» .. من عزلة الشاشات إلى دفء اللقاء! appeared first on منصتي 30.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية