النكف القبلي في الجوف: هل تكسر القبيلة سطوة الحوثي وتعيد رسم معادلات النفوذ
تقارير وتحليلات
منذ 6 ساعات
مشاركة

 

 

 مركز المخا للدراسات الاستراتيجية –  تقدير موقف

مقدمة

 أعادت أزمة النكف القبلي التي أعلنها الشيخ حمد بن راشد بن فدغم الحزمي في منطقة الريان محافظة الجوف تسليط الضوء على مكانة القبيلة بوصفها أحد أهم الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين في اليمن، بعد سنوات من تراجع دورها تحت تأثير سطوة الحوثي، وإعادة تشكيل موازين القوة في مناطق سيطرة الجماعة، وقد اندلعت الأزمة على خلفية استغاثة امرأة “ميرا”، ادعت أنها ابنة الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، قالت إن القيادي في جماعة الحوثي فارس مناع استولى على منزلها في العاصمة صنعاء، ومع تدخل الشيخ بن فدغم لاستغاثة المرأة بها، وهو ما اعتبره واجبًا تمليه الأعراف القبلية في إغاثة المستجير ورد المظالم، تصاعدت القضية بعد احتجاز الشيخ والمرأة من قبل جماعة الحوثي، وما أعلنه لاحقًا من تعرضهما لإجراءات قسرية أثناء الاحتجاز، قبل أن يعلن النكف القبلي عقب الإفراج عنه.

ورغم أن القضية تبدو في ظاهرها مرتبطة بحادثة محددة، فإن سرعة تفاعل قبائل اليمن معها ومن مختلف محافظات الجمهورية، واتساع نطاق الاهتمام السياسي والإعلامي، والتعزيزات الميدانية التي رافقتها، تكشف عن شعور عميق ومتراكم لدى القبائل بانتهاكات الحوثيين للكرامة وعادات وتقاليد المجتمع اليمني، وأن الظرف مواتي للاستجابة لداعي النكف الذي يعد من أكثر الأعراف القبلية رسوخًا في اليمن، إذ يقوم على تعبئة جماعية لنصرة المستجير ورد المظالم، ويستند إلى منظومة من الالتزامات الاجتماعية التي تمنحه قوة تتجاوز الاعتبارات الفردية.

  وتكمن أهمية الأزمة في تعدد مستوياتها فجغرافيا تجري أحداثها في محافظة الجوف التي تمثل إحدى أهم البيئات القبلية في شمال اليمن، وعلى مقربة من محافظة مأرب والحدود السعودية، الأمر الذي يمنحها أبعادًا أمنية وسياسية تتجاوز نطاق المحافظة، بالنظر إلى توقيتها وموقعها الجغرافي؛ وزمنيا، ودلاليا الأزمة محملة بمديات طبيعة العلاقة بين القبيلة اليمنية وجماعة الحوثي، وأيضا مدى قدرتها على استعادة فاعليتها في مواجهة سطوة الحوثيين، وحدود قدرتها في إعادة تشكيل معادلات النفوذ.

 انعكاسات محتملة على جماعة الحوثي

   تمثل أزمة النكف القبلي تحديًا سياسيًا وأمنيًا لجماعة الحوثي، لأنها نشأت داخل إحدى أكثر البيئات القبلية أهمية في مناطق سيطرتها، واستندت إلى قضية تحمل بعدًا قبليًا واجتماعيًا يتجاوز الخلافات السياسية التقليدية، وتكمن حساسية الأزمة في أنها تمثل حالة تختبر قدرة الجماعة على استمرار احكام سطوتها التي فرضتها خلال سنوات الحرب. 

 وتشير طبيعة التفاعل القبلي مع القضية إلى أن استمرارها قد يفرض على الجماعة تحديات إضافية في إدارة المجال القبلي، ولا سيما إذا تحول النكف الحالي إلى سابقة ومرجع تستند إليه قبائل أخرى للتعبير عن اعتراضاتها على سياسات الجماعة، أو الدفاع عن أعرافها، وفي هذه الحالة، قد تضطر الجماعة إلى تخصيص موارد أمنية وسياسية أكبر لاحتواء التداعيات، بما قد يؤثر في أولوياتها الداخلية.

  ورغم تهديدات ووعيد الجماعة واستخدامها للطائرات المسيرة لترهيب القبائل المحتشدة بسلاحها في منطقة الريان بمحافظة الجوف، والضغط على الحكومة الشرعية بشن عمليات إغارة على معسكرات تابعة لها في بعض خطوط التماس في محافظات أخرى، وكذلك إطلاق الجماعة تهديدات تجاه المملكة العربية السعودية، واعلان رفع الجاهزية القتالية في عموم مناطق سيطرتها، إلاّ أن الحشود القبلية وتعزيزاتها مازالت في تزايد مضطرد وهو ما يجعل الأزمة ساحة متوقعة لاختبار اتجاهات نزاع الجماعة مع القبائل اليمنية والحكومة الشرعية المعترف بها دوليا.

 

 انعكاسات محتملة على القبائل اليمنية

تمثل الأزمة اختبارا لمستقبل الدور القبلي في مناطق سيطرة جماعة الحوثي، فمآلاتها ستكشف عن مدى قدرة القبائل على استعادة استقلالية قرارها الجماعي في مواجهة سطوة جماعة الحوثي بعد سنوات من الحرب والتحولات القسرية التي فرضها الحوثيون على القبائل في مناطق سيطرتهم، فإذا نجح النكف في الحفاظ على زخمه، وحقق نتائج يُنظر إليها قبليًا بوصفها ثمرة للكنف ، فذلك سيشجع قبائل أخرى على إعادة تفعيل تقاليدها الرافضة للهيمنة والخضوع، والاتجاه نحو مزيد التحرر من سطوة الجماعة، ولا يعني ذلك بالضرورة انتقال القبائل إلى مواجهة مباشرة، وإنما قد يفضي إلى اتساع استقلاليتها في إدارة قضاياها، وإعادة الاعتبار للتضامن القبلي بوصفه إحدى آليات التفاعل المجتمعي في مواجهة إكراهات الحوثيين وبطشهم.

انعكاسات محتملة على الحكومة الشرعية

   تمثل الأزمة فرصة للحكومة الشرعية لإعادة تنشيط حضورها السياسي في الخطاب العام، من خلال إبرازها بوصفها مؤشرًا على تنامي الاعتراضات القبلية على ممارسات جماعة الحوثي، مع التركيز على أبعادها الحقوقية والقبلية دون إفراغها من طابعها الاجتماعي، كما قد تمنح هذه التطورات الحكومة فرصة لتجاوز الانطباع الذي ترسخ لدى الرأي العام بشأن محدودية استثمارها للتحولات التي شهدتها مناطق سيطرة الحوثيين خلال السنوات الماضية، وذلك إذا نجحت في تطوير تواصلها مع القوى القبلية والاجتماعية ضمن إطار مؤسسي يعزز حضور الدولة، ويبتعد عن توظيف القضية باعتبارها مجرد ورقة سياسية ظرفية.

وعلى المستوى الميداني، قد تسهم الأزمة في تهيئة بيئة أكثر ملاءمة لتعزيز حضور الحكومة في محافظة الجوف، إذا أفضت إلى توسيع قنوات التواصل مع القبائل، أو إلى بناء تفاهمات محلية تعزز من حضورها في المحافظة، دون أن يعني ذلك بالضرورة انتقال الأزمة إلى مواجهة عسكرية.

 

 انعكاسات محتملة على مأرب والبيئة الأمنية

  من المحتمل ألاّ تقتصر تداعيات الأزمة على محافظة الجوف، بل قد تمتد إلى البيئة الأمنية المحيطة بمحافظة مأرب، بالنظر إلى الموقع الاستراتيجي لمنطقة الريان الواقعة على الامتداد الصحراوي المفتوح الذي يربط الجوف بمأرب وصولًا إلى منطقة صافر، التي تضم أهم حقول النفط والغاز ومنشآت الطاقة في اليمن.

، وقد مثل هذا المحور، خلال سنوات الحرب، أحد أبرز اتجاهات الهجمات البرية التي شنتها جماعة الحوثي باتجاه مأرب، مدفوعة بالأهمية الاقتصادية والعوائد المالية التي تتطلع للاستحواذ عليها من خلال السيطرة على حقول النفط والغاز ومنشآت الطاقة وتأثيرها في موازين الصراع، ومن ثم، فإن أي تصعيد قبلي أو تدهور أمني في هذه المنطقة قد ينعكس على البيئة الأمنية المحيطة بمأرب، سواء من خلال التأثير في خطوط الحركة والإمداد، أو بفرض تحديات إضافية على أحد أكثر المحاور حساسية في شمال اليمن.

 وتفرض هذه التطورات على الحكومة الشرعية والجيش اليمني الحفاظ على مستوى عالي من الجاهزية الأمنية والعسكرية في الامتداد الصحراوي المؤدي إلى صافر، بما يحد من فرص استغلال أي فراغ أمني لإحداث متغيرات ميدانية تمس أمن مأرب أو منشآتها الحيوية.

 السيناريوهات المحتملة

السيناريو الأول: احتواء الأزمة مع استمرار الاحتقان القبلي 

يقوم هذا السيناريو على استمرار الوساطات القبلية مدعومة من بعض الدول الإقليم المنخرطة في علاقات مع جماعة الحوثي، ونجاحها في منع انزلاق الأزمة إلى مواجهة مفتوحة، والتوصل إلى تسوية توفر مخرجًا مقبولًا للأطراف المعنية، إلا أن نجاح الوساطة، إذا تحقق، لن يعني بالضرورة معالجة الأسباب التي أفرزت الأزمة، بل قد يؤدي إلى احتواء مظاهرها المباشرة مع بقاء حالة الاحتقان داخل الأوساط القبلية، واستمرار التذمر من سياسات الحوثيين، وعليه، قد تنتهي الأزمة ميدانيًا، لكنها تكون قد خطت طريقا يجعلها في أي أزمات مشابهة مستقبلا مرجعا يحكم طبيعة العلاقة بين القبائل وجماعة الحوثي.

 السيناريو الثاني: تصاعد الاحتقان وتحوله إلى ضغط قبلي وسياسي

يفترض هذا السيناريو أن تتجاوز الأزمة إطارها المباشر، لتصبح نقطة انطلاق لتنامي الاحتقان القبلي والتذمر الشعبي من السياسات القسرية الحوثية، بما يشجع على تكرار أنماط مشابهة من الحراك القبلي في مناطق أخرى، ويعزز من حضور القبيلة بوصفها فاعلًا اجتماعيًا وسياسيًا قادرًا على التعبير عن مصالحه الجماعية.

 ولا يفترض هذا السيناريو اندلاع مواجهة عسكرية واسعة، وإنما يرجح بروز حالة من الضغوط المتبادلة، تتجسد في تنامي التضامن القبلي، واتساع الاعتراضات على الممارسات، وارتفاع كلفة إدارة العلاقة مع القبائل بالنسبة لجماعة الحوثي، وفي المقابل قد يمنح هذا المناخ الحكومة الشرعية فرصة لتحسين تواصلها مع بعض المكونات القبلية، واستعادة حضورها السياسي في المحافظات الشمالية الخاضعة لسيطرة الحوثيين، إذا تمكنت من التعامل مع هذه التحولات ضمن رؤية تعزز حضور الدولة.

 السيناريو الثالث: تداخل الأزمة مع مسارات التصعيد العسكري

يقوم هذا السيناريو على تزامن استمرار الأزمة مع تصعيد عسكري أوسع في محيط مأرب أو على الحدود السعودية، بما يجعل البيئة القبلية المتوترة عاملًا إضافيًا في معادلات الصراع، فمع استمرار تهديدات جماعة الحوثي وتحركاتها العسكرية، قد يؤدي اتساع الأزمة أو استمرارها إلى فرض تحديات أمنية جديدة، سواء من خلال تشتيت الموارد، أو إعادة ترتيب الأولويات الميدانية، أو زيادة هشاشة بعض المحاور ذات الأهمية الاستراتيجية، ولا سيما الامتداد الصحراوي الرابط بين الجوف ومأرب.

ورغم أن فرص تحقق هذا السيناريو تبدو أقل من السيناريوهين السابقين، فإن تداعياته ستكون الأكثر تأثيرًا، لأنه يربط بين الأزمة القبلية والسياق العسكري الأوسع، بما قد ينعكس على أمن مأرب، وحركة الجبهات، واستقرار المناطق المحاذية للحدود السعودية. 

ظهرت المقالة النكف القبلي في الجوف: هل تكسر القبيلة سطوة الحوثي وتعيد رسم معادلات النفوذ أولاً على المخا للدراسات الاستراتيجية.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية