سبتمبر نت:
ما أن يحل الثاني والعشرون من يونيو إلا ويتذكر أبطال القوات المسلحة ذكرى استشهاد اللواء الركن ناجي علي سعيد حنشل، أحد أبرز القادة العسكريين الذين ارتبطت أسماؤهم بمعركة الدفاع عن الجمهورية واستعادة الدولة، الذي استشهد بعد حياة حافلة بالعطاء العسكري والوطني، وخاض ملاحم بطولية سطر خلالها صفحات مضيئة من الشجاعة والإخلاص، وظل وفياً لقسمه العسكري حتى ارتقى شهيداً وهو في مقدمة الصفوف، مجسداً أسمى معاني التضحية والفداء في سبيل الوطن.
أوائل القادة
وتستحضر هذه الذكرى سيرة قائد جمهوري استثنائي، كان من أوائل القادة الذين لبوا نداء الواجب منذ اندلاع المعركة الوطنية ضد مليشيا الحوثي الإرهابية، واختار أن يكون بين جنوده في خطوط النار، مؤمناً بأن القائد الحقيقي هو من يتقدم رجاله في الميدان، ولذلك بقي اسمه حاضراً في ذاكرة المؤسسة العسكرية بوصفه أحد الرموز التي أسهمت في تحقيق الانتصارات وتاسيس دعائم الجيش الوطني والدفاع عن الثوابت الوطنية والمكتسبات الجمهورية.
قيم وطنية
وُلد الشهيد القائد ناجي حنشل عام 1965 في قرية غليل الأعماس بمديرية الحداء بمحافظة ذمار، ونشأ في بيئة وطنية غرست فيه قيم الانضباط والشجاعة والالتزام، وهي القيم التي رافقته طوال مسيرته العسكرية.
تلقى تعليمه الأساسي في مدرسة النجاح بالسهمان في خولان، ثم واصل دراسته في معهد مسور، قبل أن يلتحق عام 1983 بكلية الطيران والدفاع الجوي، حيث برز بين زملائه بتفوقه العلمي وانضباطه العسكري، وتخصص في منظومات الرادار، ثم ابتعث إلى روسيا عام 1986 لاستكمال تأهيله العسكري، ليعود إلى الوطن مؤهلاً بكفاءة عالية، قبل أن يواصل تطوير قدراته العلمية بحصوله على درجة الماجستير من كلية القيادة والأركان عام 1997.
قائد فذ
ومنذ انطلاق مسيرته العسكرية، أثبت الشهيد حنشل حضوره كضابط محترف يمتلك رؤية قيادية وقدرة على الجمع بين التأهيل العلمي والخبرة الميدانية، بدأ قائداً لسرية الرادار في الكتيبة الثامنة والعشرين دفاع جوي بوادي عبيدة، ثم تنقل في عدد من المواقع القيادية، مكتسباً خبرات واسعة أهلته لتولي مسؤوليات أكبر داخل المؤسسة العسكرية.
ومع انقلاب مليشيا الحوثي الإرهابية على الدولة ومؤسساتها، كان اللواء ناجي حنشل من أوائل القادة الذين تقدموا الصفوف للدفاع عن الجمهورية والهوية الوطنية، وأسهم بدور محوري في إعادة بناء الوحدات العسكرية وتنظيم صفوف أبطال الجيش، ولم يكن حضوره مقتصراً على الجوانب الإدارية أو التخطيطية، بل كان قائداً ميدانياً حاضراً في مختلف جبهات القتال، يشارك جنوده تفاصيل المعركة ويقودهم بثبات وشجاعة.
محطات خالدة
ومن أبرز محطات عطائه العسكري تأسيس اللواء الثالث مشاة وتولي قيادته، حيث نجح في بناء تشكيل عسكري اتسم بالانضباط والكفاءة والجاهزية القتالية، وأسهم في تعزيز قدرات الجيش في فترة من أصعب المراحل التي مرت بها البلاد.
كما تولى قيادة قطاع الميسرة في جبهة صرواح عام 2016، وكان له دور بارز في تثبيت مواقع الجيش وتحقيق الانتصارات والتصدي للهجمات المتكررة التي شنتها مليشيا الحوثي الارهابية.
وشارك الشهيد في العديد من المعارك العسكرية المفصلية، وفي مقدمتها عملية “نصر 3” في جبهة نهم، التي مثلت إحدى أبرز المحطات العسكرية في مواجهة المشروع الحوثي الارهابي، وأظهر خلالها شجاعة استثنائية وقدرة كبيرة على إدارة المعارك في أصعب الظروف، ما أكسبه احترام قادته وجنوده على حد سواء.
القائد القدوة
وعُرف اللواء الركن ناجي حنشل بتواضعه وقربه من منتسبي القوات المسلحة، إذ لم يكن ينظر إلى القيادة باعتبارها منصباً، وإنما مسؤولية وطنية تتطلب الحضور الدائم في الميدان، لذلك ظل ملازماً لجنوده في المتارس، يشاركهم المخاطر قبل الانتصارات، ويؤمن بأن القدوة الحقيقية تبدأ من القائد نفسه.
وقد جعلت هذه الصفات منه قائداً محبوباً بين أفراد وحداته، ورمزاً للانضباط والإخلاص والوفاء للمؤسسة العسكرية.
وفي عام 2020، عُين رئيساً لعمليات المنطقة العسكرية الثالثة، إلى جانب قيادته لقطاع الكسارة، أحد أكثر محاور القتال اشتعالاً آنذاك، وهناك واصل أداء واجبه الوطني بكل شجاعة، رافضاً مغادرة خطوط المواجهة رغم المخاطر، ومؤكداً أن الدفاع عن الجمهورية يستوجب أن يكون القائد في مقدمة رجاله.
لحظة الخلود
وفي الثاني والعشرين من يونيو 2020، ارتقى اللواء الركن ناجي حنشل شهيداً مع عدد من مرافقيه الأبطال أثناء أدائه واجبه الوطني في جبهة الكسارة بمحافظة مأرب، بعد أن ظل ثابتاً في موقعه يقود العمليات الميدانية حتى اللحظات الأخيرة من حياته، وبرحيله خسرت القوات المسلحة واحداً من أبرز قادتها الميدانيين، فيما كسب الوطن اسماً خالداً في سجل الشهداء الذين قدموا أرواحهم دفاعاً عن الجمهورية ووحدة اليمن وسيادته.
واليوم، وبعد ستة أعوام على استشهاده، لا تزال سيرة اللواء الركن ناجي حنشل حاضرة في وجدان رفاقه الابطال وكل من عرفه، بوصفه قائداً جمع بين الكفاءة العسكرية والأخلاق الرفيعة، وبين التخطيط المحكم والشجاعة في الميدان.
وقد ترك إرثاً وطنياً وعسكرياً يشكل نموذجاً للأجيال الجديدة من الضباط والجنود، ويؤكد أن بناء الجيوش لا يقوم على السلاح وحده، بل على رجال يؤمنون بقضيتهم ويجسدون قيم التضحية والوفاء.
وتبقى ذكرى استشهاد اللواء الركن ناجي حنشل مناسبة وطنية لاستحضار تضحيات ابطال وقادة القوات المسلحة الذين وقفوا في مواجهة المشروع الحوثي الإرهابي الايراني دفاعاً عن الجمهورية ومؤسسات الدولة والمكتسبات الوطنية، مؤكدين أن الأوطان تبنى بسواعد المخلصين وتحمى بدماء الأبطال.
وسيظل الشهيد القائد ناجي حنشل واحداً من أولئك القادة الذين خلدوا أسماءهم في ذاكرة الوطن بما قدموه من مواقف بطولية وتضحيات عظيمة ستبقى مصدر فخر وإلهام للأجيال، حتى يتحقق النصر الكامل وتستعيد الجمهورية أمنها واستقرارها.