تهافت الحق الإلهي .. تفكيك دعاوي الولاية السلالية في الميزان النقلي والعقلي والتاريخي
رسمي
منذ ساعتين
مشاركة

 

سبتمبر نت/ عبدالحكيم الشريحي

تعد قضية الحكم والسياسة وإدارة شؤون الأمة من النوازل البشرية والمصالح العامة التي كفل الإسلام معالجتها وفق قواعد العدل والشورى دون أن يجعلها حقا حصريا محصورا في سلالة أو عرق. ومع ذلك دأبت بعض الحركات السياسية والمذهبية عبر التاريخ وفي واقعنا المعاصر على استدعاء المرويات التاريخية والنصوص الدينية واجتزائها من سياقاتها اللغوية والحديثية لتوظيفها كذرائع شرعية تمنحها حقا إلهيا مزعوما في السلطة والاستعلاء على رقاب الشعوب.
ومن ذلك ما يروج له الخطاب الحوثي من حشد لعدد كبير من المرويات المنسوبة إلى كتب أهل السنة والجماعة ، محاولا إسقاط صفات المناقب والفضائل الروحية والشخصية للإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وتحويرها لتبدو كأنها نصوص سياسية قطعية الدلالة تثبت نظرية (الولاية السلالية) وأحقيتهم الحصرية في الحكم كامتداد لولاية علي التي يعملون على اثباتها ولو بلي عنق النصوص القرآنية والأحاديث النبوية ورفع المقولات الى مصاف الأحاديث مادامت تخدم الفكرة التي يتبنونها.
ولأجل تفكيك هذه الدعاوي وتبيان تهافتها يأتي هذا الطرح المفصل ليناقش هذه المقولات ويدحضها من ثلاثة مسارات علمية ومنهجية ، بدءا بالمسار النقلي والحديثي لتمييز الروايات الصحيحة من الضعيفة والموضوعة وبيان دلالاتها اللغوية والسياقية ، ثم ينتقل إلى المسار العقلي والمنطقي لتفنيد مغالطة انتقال الفضائل الإيمانية بالوراثة الجينية ويختتم بالمسار التاريخي والواقعي المستمد من سيرة الإمام علي رضي الله عنه وأولاده أنفسهم والذين كانوا أول من هدم نظرية الحق الإلهي الحصري بممارستهم الفعلية التي جعلت الحكم شورى ورضا بين المسلمين.
وفيما يلي تفصيل هذا الرد العلمي والمنطقي:
فمما لا شك فيه أن هذا الطرح من المواضيع التاريخية والعقدية الحساسة التي تتداخل فيها الروايات الدينية بالتأويلات السياسية.
ولمناقشة تلك المرويات وتفنيد استخدامها كذريعة لشرعنة الحق الحصري في الحكم أو إثبات نظرية (الولاية السياسية السلالية) ، يمكن تفكيك المسألة عبر مسارات علمية ومنطقية وتاريخية متكاملة.
فعند الفحص الحديثي والنقدي لهذه لقائمة المرويات في كتب ومصادر أهل السنة والجماعة التي يقول الشيعة عموما والحوثيون خصوصا انها وردت في كتبهم وصحاحهم ، نجد أن الاستدلال بها يواجه مشكلتين رئيستين هما:
– عدم صحة النسبة أو تحريف دلالة النص الصحيح.
وتنقسم هذه القائمة عند المحققين إلى أحاديث صحيحة وثابتة لكنها تتحدث عن الفضائل والمناقب القلبية والروحية ولا علاقة لها بنظام الحكم ، مثل حديث الغدير «من كنت مولاه فمولاه علي» وحديث المنزلة «أنت مني بمنزلة هارون من موسى».
والقسم الثاني أحاديث ضعيفة جدا وردت بأسانيد تالفة لا تقوم بها حجة ، مثل «أقضى أمتي علي» و«علي باب علمي».
أما القسم الثالث فهو أحاديث موضوعة ومكذوبة باطلة سندا ومتنا ولم يقلها النبي صلى الله عليه وسلم ، بل هي من وضع الغلاة وبعضها يخالف كليات القرآن ، مثل “عنوان صحيفة المؤمن حب علي” و “لا يجوز على الصراط أحد إلا ببراءة في ولاية علي” و”حبه حسنة لا تضر معها سيئة” وهذا الأخير مصادم للقرآن الذي يقرر أن السيئات تحاسب بالعدل والمسؤولية الفردية وهذا يعني ان السيئة بمثلها ، فلاظلم ولا مضاعفة. {مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ۖ وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَىٰ إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [الأنعام: 160].
اما المسؤولية الفردية فتعني النفي القاطع لفكرة “الخطيئة المتوارثة” أو أن يتحمل شخص ذنب شخص آخر مهما كانت درجة القرابة {وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} [الأنعام: 164].
وفيما يخص الحديث الأقوى الذي يستند إليه أصحاب فكر الولاية وهو حديث الغدير: “من كنت مولاه فمولاه علي” ، فإن كلمة “المولى” في لغة العرب لها أكثر من عشرين معنى كالمحب والناصر والصهر وابن العم.
والسياق التاريخي الذي قيل فيه الحديث كان لإزالة وجد وضغينة في نفوس بعض الجيش الذين أنكروا على علي رضي الله عنه بعض أحكامه في ركاب اليمن ، فجاء الحديث ليعلن محبتهم له ونصرتهم ولم تأتِ الكلمة قط في لغة العرب أو الاستعمال القرآني بمعنى (الحاكم السياسي) أو (الأمير الفعلي) ولو أراد النبي صلى الله عليه وسلم الخلافة السياسية لقالها بعبارة صريحة ك “هو أميركم من بعدي” لتكون واضحة لا لبس فيها. وبالمثل فإن حديث المنزلة “أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي” قيل عندما استخلفه النبي عليه الصلاة والسلام على المدينة استخلافا مؤقتا في غزوة تبوك كما استخلف غيره من الصحابة في غزوات أخرى ومعلوم تاريخيا أن هارون عليه السلام توفي في حياة موسى عليه السلام ولم يكن خليفة له بعد وفاته بل خلف موسى تلميذه يوشع بن نون ، فالمنزلة هنا هي في القرب والقرابة والمكانة وليست في وراثة الحكم بعد الموت.
ومن الناحية العقلية والمنطقية ، فلو كانت أحاديث المناقب والفضائل تعني وراثة الحكم ، لكان غير علي أولى بها بناء على نصوص أخرى صحيحة ومستفيضة في كتب السنة ، مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: “لو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا” وقوله: “اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر” وقوله عن عمر: “لو كان بعدي نبي لكان عمر”.
فإذا كانت نصوص فضائل علي تعني حقه في السلطة ، فإن نصوص فضائل أبي بكر وعمر وعثمان تشير إلى الشيء ذاته وزيادة. ، فضلا عن أن المنطق ينهار تماما عند الانتقال من شخص علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى حصر الحكم في سلالة معينة إلى قيام الساعة ، فعلي نال فضائله بسبقه في الإسلام وجهاده وبذله وهذه صفات شخصية وإيمانية لا تورث جينيا ولا تنتقل بالدم وتحويل الفضيلة الإيمانية إلى (صك تمليك سياسي) لذرية ممتدة عبر القرون هو مغالطة منطقية وتأسيس لنظام طبقي يتناقض مع روح الإسلام العدلية.
كما أن القول بالحق الإلهي الحصري يبطل فكرة المسؤولية والمحاسبة السياسية للبشر ويجعل الحاكم معصوما فوق النقد وهو ما يرفضه العقل الذي يرى في السياسة إدارة للمصالح العامة تحتمل الخطأ والصواب.
أما أكبر داحض لفكرة النص على الولاية السياسية ، فهو سيرة وتصرفات الإمام علي بن أبي طالب نفسه ، فالواقع التاريخي المسطور ينسف هذه النظرية من جذورها.
فلو كان لدى علي رضي الله عنه أمر إلهي أو وصية نبوية قاطعة بالخلافة لما ساغ له شرعا ولا دينا أن يبايع أبا بكر وعمر وعثمان والإمام علي كان أشجع من أن يجامل في أمر من أمور الدين ومبايعته لهم وعمله معهم كقاض ومستشار وتزويجه ابنته (أم كلثوم) لعمر بن الخطاب ، دليل قاطع على أنه لم يكن يرى نفسه وصيّا منصوصا عليه بالمعنى السياسي الإقصائي ، بل كان يرى الأمر شورى بين المسلمين.
ويؤكد هذا ما ورد عن الإمام علي في كتاب (نهج البلاغة) نفسه ، حيث نجد نصوصا واضحة تنسف فكرة النص الإلهي ، كقوله رضي الله عنه لما أراده الناس على البيعة بعد مقتل عثمان: “دَعُونِي وَالْتَمِسُوا غَيْرِي وَاعْلَمُوا أَنِّي إِنْ أَجَبْتُكُمْ رَكِبْتُ بِكُمْ مَا أَعْلَم وَإِنْ تَرَكْتُمُونِي فَأَنَا كَأَحَدِكُمْ وَلَعَلِّي أَسْمَعُكُمْ وَأَطْوَعُكُمْ لِمَنْ وَلَّيْتُمُوهُ أَمْرَكُمْ وَأَنَا لَكُمْ وَزِيراً ، خَيْرٌ لَكُمْ مِنِّي أَمِيراً” ، فلو كان الأمر تكليفا إلهيا ، لما جاز له منطقيا أن يقول “دعوني والتمسوا غيري” أو أن يفضل أن يكون وزيرا بدلا من أمير.
وفي رسالته لمعاوية بن ابي سفيان رضي الله عنه يقول: “إِنَّمَا الشُّورَى لِلْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ ، فَإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى رَجُلٍ وَسَمَّوْهُ إِمَاماً كَانَ ذَلِكَ لِلَّهِ رِضاً” وهنا يقرر أن شرعية الإمام تنبع من شورى المهاجرين والأنصار واجتماعهم وليس من نص سلالي مسبق.
ويتجلى هذا المفهوم الشوروي في موقف ولديه ، حيث تنازل الحسن بن علي رضي الله عنهما عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان حقنا لدماء المسلمين وتوحيدا للكلمة في عام الجماعة ، ولو كانت الخلافة منصبا إلهيا كالنبوة لما جاز له التنازل عنها بحال.
وقبل ذلك عندما طعن الإمام علي وقيل له: ألا تستخلف علينا؟ قال: “لا ولكن أترككم كما ترككم رسول الله صلى الله عليه وسلم (أي على الشورى)”.
وعندما سألوه: إن بايعنا الحسن؟ قال: “لا آمركم ولا أنهاكم ، أنتم أبصر”. وهذا النص يقطع أي قول بوجود سلسلة أوصياء منصوص عليهم سياسيا.
إن محاولة إسقاط روايات الفضائل والمناقب الأخلاقية والروحية لآل البيت وتحويرها لتصبح (دستورا سياسيا احتكاريا) تصطدم بصناعة الحديث التي ترفض المكذوب وباللغة التي تفسر النصوص بسياقها وبسيرة الإمام علي نفسه الذي عاش ومات وهو يرى نظام الحكم شورى ورضا بين المسلمين وليس ملكا يورث بالدم أو يفرض بقوة السلاح.
———————————-
– المراجع:

•منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القديرية – شيخ الإسلام ابن تيمية.
•سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة – المحدث محمد ناصر الدين الألباني.
•فتح الباري بشرح صحيح البخاري – الحافظ ابن حجر العسقلاني.
•لسان العرب – ابن منظور.
•الموافقات في أصول الشريعة – الإمام الشاطبي.
•الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة – ابن حجر الهيتمي.
•العواصم من القواصم – القاضي أبو بكر بن العربي.
•شرح نهج البلاغة – ابن أبي الحديد المعتزلي.
•البداية والنهاية – الحافظ ابن كثير.
•الطبقات الكبرى – ابن سعد.
•الزهرية والجارودية وأثرهما في واقع اليمن المعاصر – مجموعة من الباحثين اليمنيين.
•خيوط الظلام: عصر الإمامة الزيدية في اليمن – عبد الفتاح البتول.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية