عربي
تكافح السلطات المحلية في أقصى جنوب غرب ليبيا لاحتواء تداعيات السيول التي اجتاحت مدينتي غات وتهالة خلال الأيام الماضية، في وقت تكشف فيه الكارثة الطبيعية عن تحديات مزمنة تتعلق بضعف البنية التحتية وشح الموارد المالية لدى البلديات، الأمر الذي يهدد بتحويل الأضرار الحالية إلى أعباء اقتصادية واجتماعية طويلة الأمد.
وقال عميد بلدية غات أحمد الدسوقي إن البلدية تواجه صعوبات كبيرة في التعامل مع آثار السيول بسبب محدودية الإمكانات المتاحة، مشيراً إلى أن البنية التحتية في المدينة تعاني من ضعف واضح، خاصة شبكات تصريف المياه، وهو ما ساهم في تفاقم الأضرار التي خلفتها موجة الأمطار والسيول الأخيرة.
وأوضح الدسوقي لـ "العربي الجديد" أن عائلات اضطرت إلى مغادرة منازلها والانتقال إلى مناطق أكثر أماناً، خصوصاً في حي العمباني ومنطقة نهالة، مؤكداً أن البلدية لا تملك الموارد المالية الكافية لتنفيذ تدخلات واسعة أو معالجة جميع الأضرار بصورة سريعة. وأضاف أن السلطات المحلية طالبت الجهات المختصة بالتدخل العاجل لتنظيف مجاري الأودية وتوسعتها، وتنفيذ أعمال وقائية تهدف إلى الحد من مخاطر الفيضانات مستقبلاً، ومنع وصول المياه إلى المناطق السكنية التي أصبحت أكثر عرضة للخطر مع تكرار الظواهر المناخية المتطرفة.
وجاءت السيول عقب موجة أمطار غزيرة شهدتها مناطق واسعة من جنوب غرب ليبيا خلال الأيام الماضية، حيث تدفقت كميات كبيرة من المياه عبر الأودية الموسمية التي تعبر المنطقة الصحراوية، متسببة في غمر أجزاء من الأحياء السكنية والطرق والبنية الخدمية. ومدينتا غات وتهالة من أكثر المناطق عرضة للسيول المفاجئة بسبب موقعهما الجغرافي بالقرب من مجاري الأودية القادمة من المرتفعات والجبال المحيطة، فيما تتكرر هذه الظاهرة خلال مواسم الأمطار الاستثنائية التي تشهدها الصحراء الليبية بين الحين والآخر.
وأعادت السيول الحالية إلى الأذهان الفيضانات التي شهدتها المنطقة في أعوام سابقة، عندما تسببت الأمطار الغزيرة في عزل بعض التجمعات السكانية وإلحاق أضرار بالمنازل والطرق وشبكات الكهرباء والاتصالات. كما تأتي بعد أقل من ثلاث سنوات على كارثة الفيضانات التي ضربت شرق ليبيا في سبتمبر/أيلول 2023، والتي سلطت الضوء على الحاجة الملحة لتطوير البنية التحتية الخاصة بإدارة مخاطر السيول في البلاد.
ورأى المختص في الأحوال الجوية والمناخ يوسف بن عثمان أن التغيرات المناخية أسهمت في زيادة وتيرة الظواهر الجوية الحادة في منطقة شمال أفريقيا، حيث أصبحت الأمطار الغزيرة أكثر كثافة خلال فترات زمنية قصيرة، ما يرفع احتمالات حدوث السيول في المناطق الصحراوية التي تفتقر في الغالب إلى شبكات تصريف متطورة.
وقال لـ "العربي الجديد" إن الأزمة الحالية تبرز التحديات التي تواجه البلديات الليبية، ولا سيما في المناطق النائية جنوب البلاد، حيث تعاني السلطات المحلية منذ سنوات من محدودية الميزانيات وضعف الإنفاق على مشاريع البنية التحتية، ما يجعل المدن أكثر هشاشة أمام الكوارث الطبيعية.
وأكد المحلل الاقتصادي أبو بكر الهادي لـ "العربي الجديد" أن الخسائر لا تقتصر على الأضرار المباشرة التي لحقت بالمنازل والممتلكات، بل تمتد إلى النشاط الاقتصادي المحلي، إذ تسببت السيول في إعاقة حركة النقل وتعطيل بعض الخدمات، فضلاً عن الأعباء المالية التي ستتحملها السلطات والأسر المتضررة خلال مرحلة إعادة التأهيل.
وأوضح أن الكلفة الحقيقية للسيول لا تقاس فقط بحجم الأضرار المباشرة، بل أيضاً بما تفرضه من نفقات إضافية على الموازنات العامة والبلديات محدودة الموارد، فضلاً عن الخسائر غير المباشرة المرتبطة بتعطل الخدمات وتراجع النشاط الاقتصادي المحلي. وفي بلدية تهالة المجاورة، تصاعدت المخاوف الصحية بعد انحسار مياه السيول، ويخشى السكان من انتشار العقارب والحشرات السامة مع جفاف المياه وارتفاع درجات الحرارة، وهو ما قد يضيف تحديات صحية جديدة إلى جانب الخسائر المادية التي تكبدتها الأسر خلال الأيام الماضية.
وقال مدير مكتب الإعلام ببلدية تهالة محمد علي مختار لـ "العربي الجديد" إن نحو 250 أسرة نزحت من مناطقها بسبب السيول، مشيراً إلى أن السلطات المحلية ما زالت تواجه صعوبات في حصر الأضرار بشكل دقيق نتيجة انقطاع بعض الطرق وصعوبة الوصول إلى عدد من المناطق المتضررة. وأضاف أن فرق العمل تواصل التنسيق مع الجهات الحكومية والفرق الميدانية لجمع البيانات وتقدير حجم الخسائر الفعلية، وسط توقعات بارتفاع كلفة الأضرار مع استمرار عمليات التقييم.
