عربي
لم تعد تداعيات الحرب في قطاع غزة تقتصر على الخسائر البشرية والدمار المادي، بل امتدت لتطاول البنية الاجتماعية والاقتصادية بشكل عميق، حيث أعادت تشكيل الأسرة ووظائفها الأساسية ضمن سياق من الانهيار الشامل.
وأدت الحرب إلى تفكيك مصادر الدخل وتعطيل الأنشطة الإنتاجية، ما جعل الأسرة الغزية تعيش حالة من إعادة التكيف القسري مع واقع اقتصادي غير مسبوق في هشاشته.
في هذا السياق، برز اقتصاد الحرب بوصفه عاملاً مركزياً في تعميق الفقر الاجتماعي، إذ لم يكتفِ بإضعاف السوق بل أعاد تشكيله بصورة أفرغته من قدرته على الإنتاج والتشغيل.
ونتيجة لذلك، لم تعد الأسرة وحدة اقتصادية قادرة على الاكتفاء أو الاستقرار بل تحولت إلى كيان يسعى للبقاء في ظل موارد محدودة وغير مستقرة.
هذا التحول لم يكن سطحياً بل مسّ عمق العلاقات داخل الأسرة والمجتمع، حيث تزايدت الأعباء وتراجعت القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية، ما أدى إلى نشوء أنماط جديدة من الفقر المركب الذي لا يقتصر على نقص الدخل بل يمتد ليشمل ضعف الاستقرار الاجتماعي وتآكل شبكات الدعم التقليدية.
الأسرة تحت الضغط
بدورها، تقول الفلسطينية سميرة ديب: "قبل الحرب، كنت أعمل محاسبة في شركة خاصة وأتقاضى راتباً جيداً يكفيني وأسرتي، كنا نعيش حياة بسيطة لكنها مستقرة، كان بإمكاني التخطيط للمستقبل، وتوفير احتياجات أطفالي من دون قلق دائم".
وتضيف ديب لـ"العربي الجديد": "أثناء الحرب وبعدها تغيّر كل شيء، فقدت عملي مع توقف الشركة ولم أعد أجد أي فرصة جديدة، أصبحت أعتمد بشكل كامل على المساعدات، وهي غير منتظمة ولا تكفي. أشعر بأنني فقدت السيطرة على حياتي ولم أعد قادرة على تأمين أبسط متطلبات أسرتي".
وتلفت إلى أن الأمر لا يتعلق فقط بالمال بل بالحياة كلها، العلاقات داخل الأسرة أصبحت أكثر توتراً والضغط النفسي لا يفارقنا، في وقت نسكن الخيام، ولم نعد نفكر في المستقبل بل فقط كيف نمرر اليوم، هذا التحول جعلنا نشعر بأننا عالقون في دائرة لا يمكن الخروج منها".
أما الأكاديمي شادي أحمد فيقول: "عملت لسنوات طويلة في المجال الأكاديمي داخل إحدى الجامعات الفلسطينية، وكان لدي دخل مستقر ومكانة اجتماعية واضحة، لكن بعد الحرب فقدت هذا الاستقرار بالكامل واضطررت للعمل على بسطة لبيع الخضراوات في سوق مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، لتأمين الحد الأدنى من الدخل".
ويضيف أحمد لـ"العربي الجديد": "هذا التغير لم يكن اقتصادياً فقط بل اجتماعي أيضاً، الانتقال من العمل الأكاديمي إلى العمل في السوق كان صعباً جداً، ليس من حيث الجهد فقط بل من حيث الشعور بفقدان المكانة، أصبحت أواجه صعوبة في تلبية احتياجات أسرتي في ظل الغلاء الكبير".
ويشدد على أن أكثر ما يؤلم هو العجز، ليس فقط عن تحسين الوضع بل عن الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار "تغيرت نظرتي للحياة وأصبحت الأولويات محصورة في البقاء، هذا الواقع يعكس حجم الانهيار الذي طاول كل جوانب الحياة".
انهيار شبه كامل
في سياق متصل، ذكرت ورقة أصدرها المركز الفلسطيني للدراسات السياسية أن التحولات التي شهدها قطاع غزة لا يمكن فهمها كمتغيرات اجتماعية معزولة بل هي نتيجة مباشرة لانهيار اقتصادي شامل فرضته الحرب.
وأوضحت الورقة أن هذا الانهيار أدى إلى إعادة تشكيل بنية الأسرة ووظائفها الأساسية ضمن بيئة تفتقر لمقومات الإنتاج، نتيجة تفكك السوق وتعطل مصادر الدخل. كما أشارت إلى أن الاقتصاد دخل مرحلة انهيار شبه كامل، مع ارتفاع البطالة وتراجع المشاركة في سوق العمل، ما أدى إلى تقلص فرص الدخل بشكل حاد وتحول الأزمة إلى غياب شبه كامل لمصادر العمل.
من جهته، يقول المختص في الشأن الاقتصادي محمد الدريملي: "ما نشهده اليوم في قطاع غزة هو نموذج حاد لانهيار اقتصادي شامل، حيث وصلت معدلات البطالة إلى قرابة 80% فيما تجاوزت معدلات الفقر 90% وأصبحت أكثر من 95% من الأسر تعتمد على المساعدات الإنسانية بشكل رئيسي".
ويضيف لـ"العربي الجديد": "هذا الواقع يعكس بطالة بنيوية عميقة، حيث تتزايد الأعباء الاقتصادية على الأسر في وقت تختفي فيه فرص العمل، لم يعد الاقتصاد قادراً على استيعاب القوى العاملة، ما أدى إلى توسع ما يمكن تسميته باقتصاد البقاء القائم على أنشطة غير مستقرة ودخل متذبذب".
وتتمثل المشكلة وفق الدريملي في أن هذا النمط لا يخلق نمواً ولا يتيح الخروج من الفقر بل يعيد إنتاجه، ومع تدمير الأصول الإنتاجية وغياب التمويل أصبح الفقر بيئة دائمة وليس حالة مؤقتة، ما ينذر بتحول الأزمة إلى نمط مستمر يعمق الهشاشة عبر الأجيال.
وتعكس الأدلة أن ما يشهده قطاع غزة ليس مجرد أزمة اقتصادية عابرة بل تحول بنيوي عميق أعاد تشكيل الأسرة داخل سياق من الانهيار الشامل، في وقت أدى اقتصاد الحرب إلى تعميق الفقر الاجتماعي عبر تفكيك مصادر الدخل وتآكل السوق وفرض أنماط معيشية قائمة على البقاء.
وبحسب محللي اقتصاد، مع استمرار هذا الواقع من دون تدخلات حقيقية لإعادة بناء الاقتصاد وخلق فرص عمل مستدامة، فإن الفقر مرشح لأن يتحول إلى حالة دائمة تعيد إنتاج نفسها عبر الأجيال وتضع المجتمع أمام تحديات طويلة الأمد تتجاوز القدرة على التكيف المؤقت نحو ضرورة التغيير البنيوي الشامل.
ووفقاً لأحدث المؤشرات الصادرة عن الهيئات الأممية، فإن الفقر في قطاع غزة لم يعد مجرد عجز مالي عن تلبية الاحتياجات الأساسية، بل تحول إلى "فقر مركّب ومتعدد الأبعاد" يلتهم مقومات البقاء كافة، إذ تشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) ولجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (إسكوا) إلى أن معدلات الفقر في القطاع قفزت لتشمل قرابة 100% من السكان، بالتزامن مع انكماش مرعب في الناتج المحلي الإجمالي تجاوز الـ 80% رسمياً. وحسب تقارير أممية سابقة، فإن هذا الانهيار الاقتصادي الكامل أفرز أنماطاً مستحدثة من الفقر؛ حيث جُرِّدت العائلات تماماً من أصولها المادية، وتلاشت قدرتها الشرائية مع انعدام السيولة النقدية الشديد، ليصبح الحصول على مياه شرب نظيفة، أو رغيف خبز، أو خيمة تقي قسوة النزوح، ترفاً بعيد المنال. وتؤكد التقارير الأممية أن الحرمان الحاد لم يقتصر على الغذاء والدواء، بل امتد ليعصف بالأمان الإنساني والكرامة، محولاً غزة إلى بيئة طاردة للحياة يحتاج تعافيها الاقتصادي وعودتها إلى مستويات ما قبل الحرب عقوداً من الزمن جراء الدمار الشامل الذي طاول البنية التحتية ومصادر الرزق.

أخبار ذات صلة.
الفرقاء السودانيون للاجتماع في أديس أبابا
الشرق الأوسط
منذ 16 دقيقة
موسكو تُلوّح بـ«نمط جديد» في الحرب
الشرق الأوسط
منذ 33 دقيقة