عربي
بالتحديد، من الذي يصنع الثقافة، الدولة أم المثقفون؟ للوهلة الأولى يبدو السؤال قابلاً للحسم، في انحياز الجواب للمثقفين لا للدولة، لكنه في العمق يكشف عن علاقة معقدة، أقرب إلى التوتر الدائم منها إلى الشراكة المستقرة، وأقرب إلى العلاقة التناحرية، فكأن المثقف خُلق للمشاكسة، والدولة إلى التنمر. يكشف إدراك العلاقة بين المثقف والدولة، نوعاً ما عن طبيعتها، على سبيل المثال في سورية، كدولة تحاول ترميم ذاتها وتاريخها، بعدما خرجا عن السياق المفترض ما يزيد عن نصف قرن.
تمتلك الدولة عادة أدوات هائلة لصناعة الثقافة: التعليم، الإعلام، التمويل، المؤسسات الرسمية. عبر هذه الأدوات، تستطيع السلطة أن تروّج رواية معينة عن الهوية أو التاريخ، وأن تحدد ما يُحتفى به وما يُهمَّش، وأن تصنع مناخاً عاماً يبدو طبيعياً بينما هو موجَّه. في هذا المعنى، الدولة لا تصنع الثقافة فقط، بل تصنع شروط إنتاجها وتداولها، لكنها في الوقت نفسه تميل إلى تحويل الثقافة إلى أداة: أداة تشرعن وجود السلطة، وبناء هوية وطنية متماسكة أو مغلقة.
في المقابل، يعمل المثقفون في مساحة أكثر هشاشة ولكن أكثر حيوية. فهم لا يملكون مؤسسات بالمعنى الصلب، لكنهم يملكون القدرة على النقد، وعلى زعزعة سرديات لا تفتح أفقاً للمستقبل خارج ما هو مُقرر سلفاً. الثقافة التي يصنعها المثقف ليست بالضرورة الأكثر انتشاراً، لكنها غالباً الأكثر تأثيراً على المدى الطويل، لأنها تعيد طرح الأسئلة بدل تقديم الأجوبة الجاهزة. لماذا؟ لأن الأجوبة تتغير من زمن لزمن، وحسب الظروف.
هذا التوازي بينهما، ليس بهذا الصفاء ولا الوضوح، كما ليس بحدة. فالمثقف قد يتحول إلى موظف لدى الدولة، يبرر خطابها ويعيد إنتاجه بلغة أكثر معقولية وربما خداعاً، فالدولة كما في سورية زمن الاستبداد، احتضنت مثقفين نقديين ومنحتهم هامشاً من الحرية، إما لإظهار التعددية أو لامتصاص التوتر. ومهما تداخلت الأدوار، فالثقافة تُصنع في منطقة رمادية، حيث لا استقلال كامل ولا هيمنة مطلقة.
لا تُختزل الثقافة في الدولة ولا في المثقفين وحدهم
الأهم أن الثقافة، في نهاية المطاف، لا تُختزل في الدولة ولا في المثقفين وحدهم. هناك المجتمع، بتجربته اليومية، بلغته، وعاداته، وبذاكرته. ما تنتجه الدولة قد يفشل إن لم يجد صدى اجتماعياً، وما يكتبه المثقف قد يظل معزولاً إن لم يتقاطع مع حساسية الناس وأسئلتهم. الثقافة الحية تنشأ حين يحدث هذا التفاعل: حين تتحول الأفكار إلى خبرة معيشة، وحين تُعاد صياغة مواقف السلطة والمثقف من خلال الواقع.
لذلك، ربما الأدق أن نقول: الدولة تنظّم الثقافة وتوجهها، والمثقفون ينتجونها وينقدونها، والمجتمع يمنحها حياتها الفعلية. وأي اختلال في هذا التوازن؛ سواء احتكار الدولة، أو عزلة المثقف، أو إقصاء المجتمع، ينعكس على الثقافة ومفعولها إن كان في فضاء حيوي أو فضاء ميت.
في الواقع، حين ينعزل المثقف يتحوّل نقده إلى عداء للمجتمع، ويفقد موقعه الوسيط. طالما النقد أصلاً، محاولة للفهم قبل الإدانة؛ أما حين يتحول إلى ازدراء، فإنه يقطع الجسر مع الناس، ويحوّله إلى صوت يتكلم عنهم. عندها لا يعود المجتمع يرى في المثقف ضميره، بل خصماً أو غريباً، فتتآكل الثقة، ويُترك المجال لخطابات أبسط وأكثر مباشرة، حتى لو كانت أقل عمقاً.
* روائي سوري

أخبار ذات صلة.
الأخضر السعودي يدشن تدريباته في أوستن
الشرق الأوسط
منذ 15 دقيقة
انخفاض أسعار المنازل في المملكة المتحدة
العربي الجديد
منذ 34 دقيقة