عربي
في كتيب بعنوان "لماذا الحرب؟"، تعيد دار "ليرن" الباريسية نشرَ الحوار الذي جمع اثنين من كبار مفكري العصر الحديث اللذين فتحا آفاقاً معرفية جديدة في القرن العشرين: الفيزيائي ألبرت أينشتاين ومؤسس علم التحليل النفسي سيغموند فرويد.
العودة إلى هذا الحوار اليوم، في مرحلة زمنية تتكاثر فيها النزاعات المسلّحة والحروب، لا تعني الالتفات إلى وثيقة تاريخية فحسب، بل إلى نص مؤسس يجمع بين صوتين بارزين وشكلين متكاملين من التفكير، صوت العالِم المنشغِل بالتنظيم العقلاني للكون، وصوت المحلّل النفسي المنصت إلى القوى المعتمة التي تعمل في أعماق الأفراد والمجتمعات. فالحرب، هنا، ليست مجرّد مسألة استراتيجية أو جيوسياسية، بل هي تعبير عن توتر أعمق بين الحضارة وقوى العنف الكامنة في الانفعالات الجماعية، بل في الإنسانية نفسها. وهذا ما يساعد على فهم أسباب هشاشة السلام والميل البدائي المتواصل إلى العنف.
النصّ الذي يطالعنا في الكتاب وُلد من مبادرة فريدة. ففي سنة 1932، قام "المعهد الدولي للتعاون الفكري"، وهو هيئة تابعة لعصبة الأمم والسلف التاريخي لمنظمة اليونسكو، بتنظيم سلسلة من المراسلات بين كبار المفكرين والكتّاب حول القضايا الجوهرية للحضارة، والتفكير في وسائل تجنّب نزاعات جديدة بين الأمم.
ينطلق الحوار من سؤال طرحه أينشتاين على فرويد، وكانت جراح الحرب الكبرى لا تزال حية في أوروبا: "هل يوجد سبيل لتحرير البشرية من تهديد الحرب؟". يمهّد أينشتاين لسؤاله بالقول إنّ البحث في هذه المسألة ضرورة وجودية، وإن التقدّم التقني جعل من هذه المسألة قضيةً حيوية بالنسبة إلى الإنسانية المتحضرة، ومع ذلك فإنّ "الجهود الحثيثة التي بُذلت من أجل حلّ هذه المشكلة قد أخفقت حتى الآن إخفاقاً مروعاً".
نص مؤسس يجمع بين صوتين بارزين وشكلين متكاملين من التفكير
يلاحظ أينشتاين أن وراء هذا الفشل قوى نفسية هائلة، فشهية السلطة التي تُظهرها الطبقة الحاكمة في الدولة تقف عائقاً أمام أيّ تقييد لحقوقها السيادية. وهذه "النزعة السياسية إلى القوة" تجد في كثير من الأحيان ما يغذيها في مطامح فئة أخرى تسعى إلى مصالح اقتصادية ذات طابع مادّي صرف. في هذا السياق، يشير أينشتاين إلى تلك الجماعة الموجودة داخل كل شعب، وهي قليلة العدد لكنها حازمة، لا تعبأ كثيراً بالمعاناة الإنسانية ولا بالعوامل الاجتماعية، وتتكوّن من أفراد لا يرون في الحرب، وفي صناعة الأسلحة والاتجار بها، سوى فرصة لتحقيق مكاسب خاصة وتوسيع دائرة نفوذهم الشخصي.
ويتساءل أينشتاين: كيف تستطيع تلك الأقلية أن تُخضع لشهواتها جماهير الشعب الواسعة، في حين أن هذه الجماهير لا تجني من الحرب سوى الموت والمعاناة والفقر؟ ليخلص إلى القول إنّ الأقلية الحاكمة تمتلك في يدها المدرسة والصحافة، وغالباً أيضاً المؤسسات الدينية. ومن خلال هذه الوسائل تسيطر على مشاعر الجماهير وتوجّهها، فتحوّلها إلى مطية عمياء في خدمتها.
سيغموند فرويد ينقل الحوار إلى مستوى آخر. الحرب، بالنسبة إليه، لا يمكن فهمها انطلاقاً من المؤسسات أو العلاقات بين الدول وحدها، بل تضرب جذورها في البنية النفسية للإنسان ذاته، ولذلك فإنّ العدوانية ملازمة للشرط الإنساني. جاء هذا التحليل في لحظة تاريخية بالغة الهشاشة. كانت أوروبا تقف آنذاك بالفعل على حافة انهيار استشعر الرجلان خطورته. عام 1933، وصل أدولف هتلر إلى السلطة في ألمانيا، وبعد سنوات قليلة انزلقت القارة من جديد نحو حرب عالمية تجاوز عنفها أهوال الحرب العالمية الأولى.
ما ذكره فرويد في ردّه على أينشتاين سبق أن توسّع به في كتابه "قلق في الحضارة" الذي صدر في فيينا عام 1930، ويتمحور حول فكرة واحدة مركزية: الحضارة التي بناها الإنسان لحمايته وتنظيم حياته هي نفسها مصدر تعاسته وقلقه العميق. وهذا يعني أنّ الإنسان يحمل في داخله غرائز أساسية، أبرزها الرغبة والعدوان. غريزة الحياة وغريزة الموت.
الحضارة، بحسب فرويد، تحاول ترويض العدوان وتحويله إلى طاقات اجتماعية وأخلاقية وثقافية، لكنها لا تستطيع القضاء عليه نهائياً. ولذلك يبقى كامناً تحت السطح، ثمّ ينفجر في الحروب أو الكراهيات الجماعية أو أنظمة القمع. ومن أعمق ما يطرحه فرويد في هذا المجال أنّ الصراع بين الفرد والحضارة ليس مشكلة عابرة يمكن حلّها بصورة قاطعة، بل هو تناقض بنيوي ملازم للوجود الإنساني نفسه، وهذا ما يفسّر قوله إن الحرب ليست حادثاً طارئاً في التاريخ، وإنما احتمال دائم يسكن الإنسان. غير أنّ هذا الاحتمال لا يتجلّى طوال الوقت بالصورة نفسها، إذ يتفاقم أو ينحسر تبعاً للبنى السياسية والثقافية والاقتصادية التي تنظّم حياة المجتمعات. التقدّم العلمي والتقني إذاً لا يعني حتماً تقدماً أخلاقياً أو روحياً، ولا يقود بالضرورة إلى السعادة، وقد تتحوّل أدوات الحضارة ذاتها إلى أدوات خراب شامل.
تناقض مؤلم بين عبقرية الإنسان وقدرته المتكرّرة على التدمير
يلتقي هذا التصور مع كثير من التأملات الفلسفية اللاحقة حول هشاشة المشروع الإنساني، وحول التناقض المؤلم بين عبقرية الإنسان وقدرته المتكرّرة على التدمير. وهناك من التفت إلى دور الجماهير وانقيادها الأعمى، وما يمكن تسميته بـ"ثقافة القطيع" التي تحيلنا إلى مقولة "العبودية المختارة" التي توسّع بها في القرن السادس عشر الكاتب والمفكر الفرنسي إتيان دو لابويسي. وهنا يلتقي لابويسي مع ما سيقوله فرويد بعد قرون حول البنية النفسية للجماعة والانقياد والبحث عن السلطة الأبوية أو القائد المتسلّط.
ولم يكن هذا السؤال المتعلق بالاستبداد والطاعة حكراً على الفكر الأوروبي، بل ظهر أيضاً داخل الفكر الإصلاحي العربي في لحظة تاريخية حرجة من أواخر القرن التاسع عشر، ويطالعنا، بشكل خاص، في كتاب "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد" لعبد الرحمن الكواكبي الذي لم يكتفِ بإدانة المستبد بوصفه فرداً ظالماً، بل حاول تحليل البنية النفسية والاجتماعية التي تجعل الاستبداد ممكناً ومستمراً. وكان الكواكبي مدركاً أن الطغيان لا يعيش بالقوة وحدها، بل أيضاً بالخوف، والجهل، واعتياد الناس على الطاعة، وتحويل الدين أو الأخلاق أو العادات إلى أدوات خضوع. ولهذا قال إن الأمة التي تستسلم للاستبداد تُسهم، بصورة ما، في إعادة إنتاجه، وإنّ الاستبداد لا يفسد السياسة فقط، بل يفسدُ الروحَ الإنسانية نفسها.
