عربي
ترفع منظمة الصحة العالمية في اليوم العالمي للامتناع عن التدخين الذي يُصادف غداً في 31 مايو/أيار شعار "كشف زيف المغريات... مكافحة إدمان التبغ والنيكوتين"، ما يعكس تزايد القلق العالمي من أساليب التسويق الحديثة التي تستهدف فئات عمرية صغيرة، خصوصاً عبر منتجات جديدة، مثل السجائر الإلكترونية والتبغ المسخن، التي تُقدم أحياناً بطريقة مضلّلة باعتبارها أقل تأثيراً وضرراً. ويظل الهدف الأسمى الوصول إلى عالم أكثر صحة وعافية تقل فيه معدلات التدخين وتتعزز أنماط الحياة الصحية، ما ينعكس إيجاباً على جودة الحياة والتنمية المستدامة في كل المجتمعات.
وتشير بيانات متخصصة إلى أن الاستراتيجيات التسويقية التي تعتمد إبراز عناصر الجاذبية مثل النكهات والألوان والتصميم العصري والترويج عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تهدف إلى استقطاب المراهقين والشباب، ما يؤدي في كثير من الحالات إلى بداية مبكرة للإدمان على النيكوتين، علماً أن منظمة الصحة العالمية تُفيد بأن التبغ يقتل أكثر من 7 ملايين شخص سنوياً نتيجة أمراض يمكن الوقاية منها، من بينها أمراض القلب والشرايين، وسرطان الرئة، والأمراض التنفسية المزمنة، وتؤكد أن تأثير التبغ لا يقتصر على المدخنين، بل يمتد إلى غير المدخنين عبر التعرض للتدخين السلبي، ما يضاعف المخاطر الصحية على أفراد المجتمع.
وفيما لا يزال التبغ يمثل أحد أبرز التحديات الصحية في العالم، فهو يفرض أيضاً عبئاً اقتصادياً كبيراً على الدول، من خلال تكاليف الرعاية الصحية المرتبطة بعلاج الأمراض الناتجة عنه، وخسائر الإنتاج بسبب المرض والوفاة المبكرة، ما يجعل مكافحته أولوية ضمن سياسات الصحة العامة والتنمية المستدامة.
ويرى متخصصون في مكافحة التدخين أن وسائل الدعم الفعّالة للمساعدة في الإقلاع تشمل الاستشارات الفردية، وخطوط المساعدة، وعلاجات الأدوية البديلة للنيكوتين، والتطبيقات الرقمية التي تساعد في تتبع التقدم وتحفيز الاستمرارية بعد التوقف، كما تلعب البيئة المحيطة دوراً محورياً في الالتزام بالإقلاع، إذ يعزز دعم الأسرة والأصدقاء فرص النجاح القائمة.
وفي موازاة الجهود الفردية التي تساعد في الإقلاع عن التدخين، تبرز أهمية التدخلات الحكومية للحدّ من انتشار التبغ، من خلال حزمة سياسات وتوجيهات ورفع مستوى الوعي المجتمعي، والتي تعتبر حجر الزاوية في الجهود المشتركة لمكافحة التدخين، كما تساهم الحملات الإعلامية للتوعية في تصحيح المفاهيم الخاطئة وكشف أساليب التضليل التي تمارسها بعض الشركات.
ويقول أنس عادل قلفة، المتخصص في قسم المعافاة بمؤسسة الرعاية الصحية الأولية: "تستند جهود دولة قطر الرائدة في مكافحة التبغ إلى منظومة متكاملة تجمع بين التشريع والوقاية والتوعية، وتوفير خدمات الإقلاع عن التدخين، كما وضعت الدولة ضوابط واضحة لتنظيم بيع وتداول منتجات التبغ شملت حظر الإعلان والترويج والرعاية لمنتجات التبغ، ومنع بيعها لمن هم دون 18 سنة، وقرب المدارس والمؤسسات التعليمية والتدريبية، وأيضاً لحظر التدخين في الأماكن العامة المغلقة وفرض عقوبات على المخالفين"، ويضيف: مقارنة بتجارب دول المنطقة، يمكن النظر إلى جهود قطر باعتبارها متقدمة ومتكاملة لأنها لا تعتمد على التوعية فحسب، بل تجمع بين السياسات المنظمة والرقابة وحماية الفئات الأصغر سناً، وتوفير خدمات علاج مباشرة للراغبين في الإقلاع".
ويذكر أن "مؤسسة الرعاية الصحية الأولية تجسّد من خلال خدمات المعافاة وعيادات الإقلاع عن التدخين واجهة وطنية رائدة قريبة من المجتمع توفر رعاية وقائية وعلاجية عملية، تشمل الاستشارة الطبية والعلاج الدوائي والمتابعة بإشراف أطباء مدربين ومعتمدين، ما يدعم الفرد في رحلة الإقلاع، ويساهم في بناء مجتمع أكثر صحة".
وفي ما يتعلق بالبروتوكولات المعتمدة لمساعدة الأفراد على الإقلاع عن التدخين واستخدام منتجات التبغ والنيكوتين، يشير قلفة إلى أن "البروتوكولات ترتكز إلى مبدأ أن تعاطي النيكوتين حالة طبية قابلة للعلاج، وليس مجرد عادة سيئة، لذا لا تبدأ خطة العلاج بالدواء فحسب، ولا تنتهي بنصيحة عامة للتوقف عن التدخين، بل تُبنى على تدخل متكامل يجمع بعد التقييم، المشورة السلوكية، والعلاج الدوائي عند الحاجة مع ضرورة المتابعة المنتظمة. وعلى مستوى العالم تؤكد منظمة الصحة أن المشورة والعلاج الدوائي يمكن أن يضاعفا فرص نجاح الإقلاع عن التدخين، ودور العاملين الصحيين مهم في تحويل الرغبة في التوقف إلى خطة قابلة للتطبيق. وعموماً لا يزال التبغ عبئاً صحياً عالمياً كبيراً، إذ تشير منظمة الصحة العالمية إلى وجود نحو 1.3 مليار مستخدم للتبغ حول العالم، ما يتسبب في وفاة أكثر من 7 ملايين شخص سنوياً، من بينهم نحو 1.6 مليون بين غير المدخنين بسبب التعرض للتدخين غير المباشر".
ويشدد قلفة، على أن "الأرقام وتوجهات منظمة الصحة العالمية تشير إلى أن طبيعة الإقلاع تعتبر مساراً علاجياً مستمراً، وليس محاولة واحدة، فالشخص قد لا ينجح من المحاولة الأولى، خصوصاً إذا كان يستخدم أكثر من منتج أو يعيش في بيئة يكثر فيها التعرض للتبغ والنيكوتين". ويلفت إلى ضرورة اتباع خطة عملية قائمة على استخدام العلاج بالطريقة الصحيحة للمساعدة في الإقلاع، وهي شرب الماء بكثرة، والحركة اليومية، وتنظيم النوم، وتقليل التعرض للمحفزات، وتجنّب الجوع والإرهاق، وممارسة خطوات قصيرة مثل التنفس العميق أو تأجيل قرار الاستخدام عشر دقائق حتى تنخفض موجة الرغبة.
وفي ما يتعلق بدور التكنولوجيا مثل التطبيقات الذكية في دعم برامج الإقلاع، يقول قلفة: "يجب التعامل مع التكنولوجيا كأداة مساندة لا كعلاج مستقل، فالتطبيق الجيد يرتبط بمحتوى صحي موثوق، ويحترم خصوصية المستخدم، ويعزز خطة العلاج التي يضعها الطبيب. رحلة الإقلاع عن التدخين تبدأ من زيارة العيادة التي تقيّم نمط استخدام التبغ، وتُفهم المحفزات والأعراض المتوقعة، وتضع خطة عملية تناسب المراجع عبر كيفية استخدام العلاج، وكيفية التعامل مع الرغبة المفاجئة، وبعض المراجعين يحتاجون إلى دعم أطول لتثبيت السلوك ومنع الانتكاس".
(قنا)
