عربي
يستقبل الفلسطينيون عيد الأضحى المبارك وسط أزمات اقتصادية متنوّعة، حيث تراجعت السيولة النقدية في جيوب المواطنين نتيجة تذبذب الرواتب في القطاعين، الخاص والعام، فيما ارتفعت أسعار اللحوم والمواشي قبيل الذبح بنحو 20% مقارنة بالعام الماضي، الأمر الذي أدى إلى ضعف الإقبال على الأضاحي في هذا الموسم. ويوضح تاجر المواشي من مدينة دورا بالخليل، راغب الفقيات في حديث مع "العربي الجديد"، أن ما يجري من تصعيد استيطاني في مسافر يطّا والأغوار، انعكس على أعداد المواشي والمربّين، وذلك ينعكس على وفرة المواشي وأسعارها تدريجيًا في كلّ عام أكثر من السابق.
وتفاقمت الأزمة، بحسب الفقيات، مع انتشار مرض الحمى القلاعية منذ مطلع الشهر الماضي، في وقت لا تزال فيه الجهات المختصة عاجزة عن توفير اللقاحات أو الأمصال اللازمة للسيطرة على الوباء. ويشير الفقيات إلى أن المرض ظهر بصورة مفاجئة، بينما لم تتمكن وزارة الزراعة أو الجهات البيطرية حتى الآن من تأمين العلاج المناسب، ما تسبب بخسائر متزايدة لدى المربين، حالت دون قدرتهم على تسويق آلاف المواشي وبيعها، لكونها مصابة بالمرض، ولا سيّما أن القطيع المصاب يحتاج إلى أسابيع طويلة حتى يستعيد عافيته. وعلى مستوى الأسعار، يشير الفقيات إلى أن سوق المواشي يشهد قفزات كبيرة مقارنة بالعام الماضي، متأثراً كذلك بتذبذب سعر صرف الدينار الأردني مقابل الشيكل الإسرائيلي الذي انخفض من حوالى (5.2 شيكلات للدينار الواحد، إلى 4.2).
وبحسب الفقيات، فإن سعر كيلو الخروف زاد قرابة 10 شيكلات (أي نحو 2.4 دينار أردني)، ما وضع الأضاحي خارج قدرة شريحة واسعة من المواطنين، حيث تراجع الإقبال بنسبة تراوح بين 20%-30% مقارنة بالعام الماضي، بينما تصل نسبة التراجع إلى نحو 50% مقارنة بما قبل الحرب على غزة في أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
ولا يقتصر الارتفاع على لحوم الأغنام فقط، إذ يشير الفقيات إلى أن أسعار لحم العجل البلدي شهدت بدورها ارتفاعات حادة، بعدما وصل سعر الكيلو في الملاحم إلى نحو 75 شيكلًا (أكثر من 18 دينارًا أردنيًا)، مقارنة بأسعار راوحت العام الماضي بين 40 و50 شيكلًا (10 دنانير بسعر الصرف في ذلك الوقت)، فيما يعزو الفقيات ذلك إلى اعتماد السوق المحلي على الاستيراد الخارجي، في ظل الغياب التام للاكتفاء الذاتي. كذلك ارتفعت أسعار العجول المستوردة.
ويزيد على هذه الأسعار التكاليف التشغيلية التي يضيفها الجزّار، مثل أجور العمال، وإيجار المحل، وذلك تنتقل الزيادة كاملة إلى المستهلك الذي يتحمل العبء الأكبر من موجة الغلاء الحالية. ويقول رئيس نقابة أصحاب الملاحم في الضفة الغربية، عمر النبالي في حديث مع "العربي الجديد"، "إن الأزمة الحقيقية لا تتعلق بالأسعار وحدها، بل بندرة الأضاحي المتوفرة في السوق الفلسطيني".
ويشير النبالي إلى أن السوق يعاني نقصًا حادًا في أعداد المواشي المستوفية لشروط الأضحية (عمر 6 أشهر للضأن)، إذ إنّ غالبية الخراف لم تصل إلى هذا العمر. ويوضح النبالي أن الأسعار كي تكون في المستوى الطبيعي مقارنة بالدول المجاورة، يجب توفّر 100 ألف رأس ماشية تنطبق عليها شروط الأضحية، وهذا بعيد المنال.
ويؤكد أن أعداد الأمهات من الأغنام لا تتجاوز مئة ألف رأس، بينما تتطلب تغطية احتياجات السوق وجود نحو مليون رأس، معتبراً أن هذا العجز الكبير انعكس مباشرةً على المنتج الوطني وأدى إلى تراجع الثروة الحيوانية عاماً بعد آخر. ويقدّر النبالي عدد الخراف المطابقة للشروط الشرعية في الضفة الغربية بنحو عشرة آلاف رأس فقط، مقارنة بحاجة فعلية تصل إلى مئة ألف رأس.
ويتوقع أن يصل عدد الأضاحي لهذا العيد إلى قرابة 10 آلاف أضحية، مقارنة بـ30 ألف أضحية ذُبحت العام الماضي. ويشير النبالي إلى أنّ ارتفاع أسعار الأعلاف، وتكاليف نقلها بين المحافظات، وشحّ مساحات الرعي، ونقص المياه في فصل الصيف، جعلت تربية الأغنام تتحوّل من مصدر رزق إلى عبء اقتصادي، تتحمل مسؤوليته الجهات الرسمية في الوزارات الفلسطينية، التي تقف عاجزة عن توفير حلول تخفف الأعباء عن المربين، أو تحافظ على استقرار أسعار اللحوم بما يتناسب مع دخل المواطنين.
استغلال الإعفاءات الجمركية
وفي سياق طرحه للحلول، يدعو النبالي إلى استغلال الإعفاءات الجمركية المنصوص عليها ضمن الاتفاقيات مع إسرائيل لاستيراد خمسين ألف رأس من الإناث المخصصة للتكاثر، بدلاً من استيراد مواشٍ للذبح المباشر. ويوضح أن الهدف يجب أن يكون تنمية الثروة الحيوانية المحلية وإعادة بناء القطاع الزراعي، بما يسهم مستقبلاً في إعادة أسعار اللحوم إلى مستويات مقبولة.
ويرى النبالي أن السوق الفلسطينية شهدت خلال السنوات الماضية ما يصفه بـ"المخطط الممنهج" للقضاء على الخروف البلدي، موضحاً أن الاعتماد المتزايد على اللحوم المستوردة وغياب الرقابة على الأسعار سرّعا من تراجع المنتج المحلي، وارتفاع أسعاره. ويحذر من أنه إذا استمرت الأوضاع الحالية على حالها، فقد تختفي سلالات الخراف البلدية بالكامل بحلول عام 2030. ولا تقتصر تداعيات الأزمة على المواطنين فقط، بل تمتد أيضاً إلى أصحاب الملاحم الذين يواجهون، بحسب نبالي، خسائر متراكمة نتيجة ضعف الحركة الشرائية.
ويوضح أن الجزار يحتاج إلى بيع ما لا يقل عن عشرة خراف أسبوعيًا لتغطية مصاريف التشغيل، إلا أن كثيراً من الملاحم بالكاد تبيع خروفين أسبوعيًا. ويصف حالة السوق الحالية بأنها من الأضعف منذ سنوات، في ظل الضغوط الاقتصادية والنفسية التي يعيشها المواطنون. ويشير النبالي إلى وجود تفاوت بين المحافظات، إذ تتصدر الخليل ونابلس حركة شراء الأضاحي، بينما تنخفض في باقي المحافظات تدريجيًا.
