تقرير أعده لـ”يمن ديلي نيوز” عدنان الشهاب: عُرف يوم الـ 8 من ذي الحج، على مدى قرون، وهو أول يوم في مناسك الحج، بيوم “التروية” حيث كان الحجيج يستعدون بجمع أكبر كمية من الماء ليكفيهم اثناء أداء مناسكهم الحج.
وكانت مشكلة المياه الهم الأكبر لدى الحجيج، فقد كان يضرب به المثل لمن يعاني من العطش، فيقال “عطش الحجاج” أو “ظمأ الحجاج”.
في العام 186 هـ، حج خليفة المسلمين هارون الرشيد (الخليفة الخامس في الدولة العباسية)، وبرفقته زوجته زبيدة بنت عمه حفيدة مؤسس الدولة العباسية أبي جعفر المنصور.
تألمت زبيدة، وهي ترى معاناة الحجاج والمشقة التي يلاقونها في الحصول على الماء.تذكر بعض المصادر أنه بلغ قيمة القربة الماء بدينار، (4 جم من الذهب تقريبا) وهو مبلغ كبير جداً وخاصة على الفقراء من المسلمين.
تلك المشاهد جعل زبيدة تفكر في حل لهذه المشكلة وإنشاء مشروع يخدم مكة والمشاعر المقدسة وخاصة اثناء موسم الحج، وبدأت باستشارة الخبراء والمهندسين في بغداد في المشروع.
تمثل فكرة المشروع في انشاء مجرى (قناة) تبدأ من أول نقطة أسفل جبل كرا بأعلى وادي النعمان (شرق مكة)، حيث تُجمع المياه من مساقط الأمطار والعيون، وتصل القناة إلى عرفات وتُدار حول جبل الرحمة، مع فروع لتغذية البرك والحنفيات الحجرية، ثم تتجه إلى منطقة “المظلمة”، ثم تمر بـ مزدلفة وصولاً إلى جبل خلف منى لتصب في بئر ضخمة مرصوفة بالحجارة تُسمى “بئر زبيدة”وفي مكة يمتد المجرى مروراً بـ العزيزية، ثم الششة، ثم المعابدة، وينتهي المسار في منطقة محبس الجن، حيث تصب القناة في بئر عظيمة أخرى تحمل نفس الاسم “بئر زبيدة”.
طول المشروع
تذكر المصادر أن طول القنوات تصل ما بين 30 إلى 40 كيلومتراً، ومعظمها يمتد تحت الأرض بعمق يصل أحياناً إلى 40 متراً، وتتخللها 132 خرزة (غرفة تفتيش) للصيانة. كما شمل المسار بناء قناطر ضخمة لتجاوز الأودية، مثل قنطرة وادي الخاصرة.
ميزانية المشروع ومدته
وفق المصادر فإن العمل في المشروع استغرق ما بين 8 إلى 10 سنوات تقريباً حتى اكتمل، وظل هذا المعلم الهندسي شامخاً يخدم الحجيج وسكان مكة لأكثر من 1200 عام.
كما تذكر المصادر أن المشروع كلف نحو 1 مليون و700 ألف مثقال من الذهب أي نحو 6 الاف كيلوغرام من الذهب.
ومع طول فترة تنفيذ المشروع والتكلفة المالية الضخمة، تردد بعض المهندسين في مواصلة العمل، فردت عليه زبيدة بمقولتها الشهيرة “اعمل ولو كلفتك ضربة الفأس ديناراً”.
مصادر المياه
اعتمد المشروع على ثلاثة مصادر للمياه، هي ينبوع من أسفل جبل كرا (بأرض الطائف) في أعلى وادي النعمان، وهو المصدر الرئيس، حيث بدأ العمل بشراء البساتين وإنشاء السدود والبرك لتجميع المياه قبل مد القنوات.
والمصدر الثاني هما عين حنين وعين عرفة، وهما مصدران أساسيان أجرت السيدة زبيدة مياههما لتغذية المشروع في عام 194 هـ.
والمصدر الثالث هي مياه الأمطار والسيول وصُممت القناة بحيث تتصل بمساقط المطر، وأُنشئت أقنية فرعية في مواضع تجمع السيول لتعمل كروافد تزيد من حجم المياه المجرورة، وهي 7 عيون تركزت في ممرات السيول وتجمع مياه الأمطار.
فقد بُني سد في أحد مسارات القناة لحجز السيول والتحكم في تدفقها، كما صُممت القناة لتتصل مباشرة بمساقط المطر في أعالي الجبال.
طريقة عمل المشروع
تمر القناة عبر وادي الخاصرة (حيث توجد قنطرة ضخمة لمرور الماء)، وتخترق الأودية والجبال عبر قنوات مائية وخرزات (غرف تفتيش) يصل عددها إلى 132 خرزة بعضها ظاهر وبعضها مدفون، تُستخدم للوصول إلى القناة وتنظيفها وصيانتها.
تم حفر القنوات مباشرة في الجبال واختراق الأودية عبر مسارات طويلة، وقد صُمم جلُّ المشروع ليكون تحت الأرض، بينما ظهرت القنوات فوق السطح فقط عند الحاجة.تصل القناة إلى أرض عرفات وتدار حول جبل الرحمة، حيث خُصصت فروع لتغذية البرك والحنفيات الحجرية هناك.
وتمتد القناة من عرفات إلى منطقة تسمى “المظلمة”، ثم تصل إلى مزدلفة، ثم تمر القناة بجبل خلف مِنى لتصب في بئر ضخمة مرصوفة بالحجارة تُعرف بـ “بئر زبيدة”.
وتستمر القنوات باتجاه مكة مروراً بمنطقة العزيزية، ثم الششة، وصولاً إلى المعابدة، وتنتهي القناة في منطقة محبس الجن، حيث تصب في بئر عظيمة أخرى تحمل اسم “بئر زبيدة” أيضاً.
تقنية تفتيت الصخور
تذكر المصادر أن المهندسين استخدموا طريقة هندسية تقليدية لمواجهة الصخور الصلبة (الصوان) التي واجهت ممر المشروع.
حيث يتم إيقاد الحطب الجزل فوق الصخر طوال فترة الليل لتسخينه وتفتيته، ثم إزالة الطبقة المحترقة وتكرار العملية حتى الوصول للعمق المطلوب، والذي وصل في بعض المناطق أحياناً إلى 50 ذراعاً.
وفي المناطق والأودية المنخفضة تم عمل العكس تماما، فقد بُنيت قناطر ضخمة (مثل قنطرة وادي الخاصرة) بارتفاعات لأمتار، ليجري الماء فوقها ويحافظ على مستوى انحداره وصولاً إلى مكة.
واستُخدمت هذه الأساليب لضمان تدفق المياه بانسيابية من المرتفعات في جبال الكر إلى المشاعر المقدسة، كما صُممت القنوات بحيث ينزل الماء إلى مواضع عميقة جداً تحت الأرض عبر درج كثيرة للتحكم في قوة الدفع.
كما صُممت فتحات لأقنية فرعية في مواضع تجمع السيول لتكون روافد إضافية تصب في القناة الرئيسية، مما يزيد من حجم المياه المنقولة.
اشتمل المشروع بشكل عام على برك وأحواض انتشرت في المشاعر المقدسة لتوفير المياه العذبة للحجاج وسكان مكة، مما أنهى معاناتهم السابقة في حمل القِرب من أماكن بعيدة.
قبل هذا المشروع، كان الحجاج الفقراء في عرفة يعانون بشدة ولا يطلبون شيئاً سوى الماء لندرته، ولكن بعد إنشاء العين، أصبح الماء متاحاً في مواضع عميقة تحت الأرض يتم الوصول إليها عبر درجات كثيرة.
مع التوسع العمراني الذي شهدته مكة المكرمة اندثر جزءا من معالم المشروع، لكن جزاء كبيرا وهاما بقي في جبل عرفة ومزدلفة ومنى، شاهدا على ضخامة المشروع الذي كان أكبر مشروع على وجه الكرة الأرضية حينها من حيث لتكلفة والمسافة، ولا يزال يحمل اسم “عين زبيدة” تكريما لهذه المرأة العظيمة.
ترميم المشروعحديثا عملت السلطات السعودية على ترميم المشروع حفاظاً على هذا الإرث الحضاري الذي ظل مدة أكثر من 1200 عام في خدمة ضيوف الرحمن، وشاهد على دور المرأة العربية في البناء والتشييد وخدمة الانسان.
• المصادر: مواقع إخبارية وبحثية
ظهرت المقالة “عين زبيدة” .. المشروع الذي أنهى عطش الحجاج 1200 عام وكلف 6 آلاف كيلو ذهب أولاً على يمن ديلي نيوز Yemen Daily News.