عربي
كان من المقرر أن يُنفَّذ إنزال نورماندي (D-Day) في الخامس من يونيو/حزيران 1944، إلا أن العملية، التي توصف بالإنزال الأكبر في التاريخ العسكري، أُرجئت إلى اليوم الموالي. ورغم الأهمية الكبيرة لهذا القرار، فإن قصته تراجعت في الذاكرة التاريخية أمام ضخامة الأحداث التي أحاطت بالعملية العسكرية الأشهر في الحرب العالمية الثانية. ويعيد فيلم "بريشر" (Pressure) إحياء هذه القصة، مسلطاً الضوء على الساعات الحاسمة التي سبقت اتخاذ قرار التأجيل والانطلاق نحو الإنزال.
قد يبدو يوم واحد فارقاً بسيطاً، لكنه كان تأجيلاً هائلاً في خطة غزو غير مسبوقة وجريئة شارك فيها نحو 160 ألف جندي من قوات الحلفاء على شواطئ نورماندي. وفي النهاية، جاء القرار بناءً على توصية من خبير الأرصاد الجوية الاسكتلندي جيمس ستاغ الذي اضطر إلى إبلاغ الجميع، بمن فيهم الجنرال دوايت أيزنهاور وقيادة الحلفاء، بما لم يرغبوا في سماعه: الطقس سيكون سيئاً إلى حد كارثي. والأسوأ من ذلك أنه لم يكن متأكداً تماماً من توقعاته.
وتستعيد أحداث فيلم "بريشر"، الذي يُعرض في دور السينما اعتباراً من 29 مايو/أيار تزامناً مع الذكرى الثانية والثمانين للعملية، الساعات الـ72 المشحونة بالتوتر التي سبقت الغزو. والفيلم مقتبس من المسرحية الشهيرة للكاتب ديفيد هيغ، ويسلط الضوء على فصل تاريخي أسهم في تغيير مسار الحرب العالمية الثانية.
جمع المخرج أنتوني ماراس مجموعة مميزة من الممثلين، واختار برندان فريزر لتجسيد شخصية أيزنهاور، وأندرو سكوت لأداء دور ستاغ. وأوضح فريزر: "لم أعتقد أنني الشخص المناسب لتجسيد أيزنهاور عندما أرسل لي أنتوني ماراس السيناريو. تحدثنا عبر زوم، فقال لي: عليك أن تؤدي هذا الدور. سألته: أنا؟ لماذا؟ فأجاب: لأنه يشبهك، إنه رجل عادي. استغربت ذلك، فقد كنت أتصور أيزنهاور شخصية صارمة وثابتة تشبه الصور المنقوشة على العملات".
وانغمس فريزر في التحضير للدور، فقرأ واستمع إلى كل ما استطاع الوصول إليه لفهم الرجل الذي سيتخذ القرار النهائي بشأن الغزو. واستمر بحثه حتى أثناء التصوير. وأشار ماراس ضاحكاً إلى أنه قبل تصوير خطاب أيزنهاور الشهير الموجه إلى "الجنود والبحارة وعناصر القوات الجوية"، وبعد تدريبات متكررة عليه، رفع رأسه ليجد فريزر يقرأ سيرة ذاتية جديدة عن أيزنهاور. وقال فريزر: "كان يهتم بقواته اهتماماً عميقاً. وكانت مسؤوليتي أن أكرم ذكراهم وأن أقدم الجانب الإنساني للقرارات التي قد تبدو أكاديمية، لكنها تقف خلف عملية ضخمة كهذه".
أما سكوت، فقد اتبع نهجاً مختلفاً تماماً. صحيح أنه قرأ كتاب ستاغ وسعى إلى فهم المصطلحات الخاصة بعلم الأرصاد الجوية، لكنه رأى أن الشخصية أهم من التفاصيل التاريخية. وأوضح: "ستاغ ليس مهتماً بأن يكون جذاباً أو محبوباً. وأعتقد أن هذا أمر يستحق الإعجاب، لأنه موجود فقط لأداء عمله. يعجبني أن المشاهد قد يراه في بداية الفيلم شخصاً غير لطيف إطلاقاً".
وأشار ماراس إلى أن سكوت ركز أساساً على الحياة الداخلية والانفعالية للشخصية، وهو أمر ضروري لدور يعاني صراعاً نفسياً كبيراً. وأضاف: "يملك أندرو قدرة لافتة. يمكن أن يكون جالساً فقط أو يعدّل ربطة عنقه أو حتى يقرأ دليل هاتف، ومع ذلك لا تستطيع أن تصرف نظرك عنه".
لم يكن الممثلون وحدهم تحت الضغط، فالمخرج نفسه كان يواجه تحدياً ضخماً في تقديم إنزال النورماندي على الشاشة، ولو لفترة قصيرة. ويوضح ماراس قائلاً: "ربما ينبغي أن تكون مجنوناً قليلاً لتخوض هذه المغامرة بعدما قدم ستيفن سبيلبرغ المشاهد ببراعة مذهلة". لكن على عكس فيلم "سيفينغ برايفت رايان" (Saving Private Ryan) الذي ركز على الجنود الذين اقتحموا الشاطئ، فإن "بريشر" يركز على الأشخاص الذين اتخذوا القرارات. إنها زاوية مختلفة تماماً.
ومع ذلك، رأى ماراس أن الفيلم يحتاج إلى إظهار جزء من العملية العسكرية لمقارنة ما يحدث على الأرض بالأجواء المتوترة داخل غرفة القيادة.
واستلهم المخرج فكرته من فيلم "ذاي شال نات غرو أولد" (They Shall Not Grow Old) للمخرج بيتر جاكسون، ومن وجود عشرات الساعات من اللقطات الأصلية المصورة بالأبيض والأسود على فيلم 35 ملم. ولهذا قرر استخدام لقطات أرشيفية ملوّنة للإنزال، معتبراً أن هذه الطريقة تمنح الحدث شعوراً بالحضور الآني بدلاً من أن يبدو مجرد صفحة من التاريخ.
في نهاية المطاف، لا يقتصر "بريشر" على كونه درساً تاريخياً أو دراما عن شخصيات مؤثرة ومخاطر هائلة، بل يقدم صورة عن القيادة عندما تتصادم الأنا الشخصية مع الحقائق والعلم.
وأكد ماراس أن هذه الفكرة هي السبب الرئيسي الذي دفعه إلى إنجاز الفيلم. ويشرح: "كيف تقدم أفضل ما لديك عند اتخاذ القرار؟ وكيف تتحلى بالتواضع للاعتراف بأنك لا تعرف كل شيء؟ وكيف تمتلك الحكمة لتحديد الأشخاص الذين ينبغي الوثوق بهم؟ لقد أظهر أيزنهاور في النهاية براعة كبيرة في ذلك". وأضاف: "ما يعجبني في شخصية ستاغ أنه شعر بواجب إخبار الآخرين بشيء لا يريدون سماعه إطلاقاً، لكنه كان أمراً يحتاجون إلى سماعه. العالم بحاجة إلى مزيد من الأشخاص من هذا النوع".
وبعد سنوات، سأل الرئيس الأميركي جون إف. كينيدي (John F. Kennedy) أيزنهاور، في طريقه إلى حفل تنصيبه، عن العامل الذي منح الحلفاء الأفضلية في يوم الإنزال. فأجابه أيزنهاور: "كان لدينا خبراء أرصاد جوية أفضل من الألمان".
واختتم ماراس قائلاً: "عندما تكون الحياة أو الموت رهن فهمك للحقائق، فإن ذلك يبدد كثيراً من الضجيج ويوصلك مباشرة إلى جوهر المسألة. إنها لحظة كان فيها مستقبل عالم الحلفاء على المحك، وقد استمعوا إلى شخص يعرف ما يتحدث عنه، وسارت الأمور على ما يرام".
(أسوشييتد برس، العربي الجديد)

أخبار ذات صلة.
قاليباف وعراقجي في الدوحة لبحث اتفاق نهائي مع واشنطن
العربي الجديد
44 دقيقة من الآن