التجارة الإلكترونية تغيّر وجه الأسواق التركية
عربي
منذ ساعة
مشاركة
لا يمكن إرجاع هذا النمو السريع والهائل في التجارة الإلكترونية في تركيا إلى تبدل النمط الاستهلاكي بعد جائحة كورونا فقط، رغم أن العزلة والتسوق عن بُعد بعد وباء عام 2020 شكّلا عاملاً مهماً في هذه القفزة. فبحسب متخصصين، استفادت الشركات والمنصات من تراجع التسوق التقليدي خلال الجائحة لتوسيع البنية التحتية التكنولوجية والمالية، وتطوير وسائل الدفع والتوصيل، ما جعل الشراء الإلكتروني أكثر سهولة وأقل تكلفة من التسوق الواقعي، خاصة مع ارتفاع أسعار النقل والتنقّل داخل المدن التركية. ورغم صعوبة ضبط الحجم الحقيقي للتجارة الإلكترونية بسبب اعتماد المتاجر، والصغيرة منها أيضاً، برامج بسيطة للبيع والتوصيل وتقاضي بعض المدفوعات نقداً، فإن الأرقام الرسمية تكشف قفزة ضخمة في حجم القطاع. فقد ارتفعت قيمة التجارة الإلكترونية في تركيا بنحو 12 ضعفاً بين عامي 2021 و2025، لتصل إلى 10.603 تريليونات ليرة تركية (نحو 233 مليار دولار)، وفق "تقرير توقعات التجارة الإلكترونية في تركيا 2025" الصادر عن وزارة التجارة التركية. وتكشف البيانات الرسمية عن زيادة الإقبال على التسوّق عبر الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر بعد جائحة كوفيد-19، بالتزامن مع توسّع منصات التجارة الإلكترونية التي تتنافس على تنويع السلع وخفض الأسعار. نمو متسارع وارتفع حجم التجارة الإلكترونية من 381 مليار ليرة (نحو 8.3 مليارات دولار) في عام 2021 إلى نحو 800 مليار ليرة (17.5 مليار دولار) في 2022، ثم إلى 1.855 تريليون ليرة (40.7 مليار دولار) في عام 2023، قبل أن يقفز إلى 3 تريليونات ليرة (65.9 مليار دولار) في 2024، وصولاً إلى 4.567 تريليونات ليرة (100.4 مليار دولار) خلال عام 2025، فيما بلغ إجمالي حجم التجارة الإلكترونية خلال السنوات الخمس 10.603 تريليونات ليرة (233 مليار دولار)، منها 5.757 تريليونات ليرة (126.5 مليار دولار) في تجارة التجزئة الإلكترونية. كما شهد عدد المعاملات الإلكترونية نمواً متسارعاً خلال الفترة نفسها، إذ ارتفع من 3.34 مليارات معاملة في عام 2021 إلى 4.79 مليارات في 2022، ثم إلى 5.87 مليارات في 2023، قبل أن يتباطأ معدل الزيادة نسبياً ليسجل 5.91 مليارات معاملة في 2024 و5.94 مليارات في 2025، ليصل إجمالي عدد المعاملات خلال خمس سنوات إلى 25.85 مليار معاملة. وبالنظر إلى قيمة هذه المعاملات بالدولار، ارتفع حجم التجارة الإلكترونية من 43.07 مليار دولار في عام 2021 إلى 115.43 مليار دولار في 2025، فيما بلغ إجمالي حجم المعاملات خلال هذه الفترة 373.6 مليار دولار. وتلخص التركية ميراي (44 عاماً) أسباب هذا التحول بسهولة، مشيرة إلى أن شدة المنافسة وكثرة العروض جعلتا الأسعار أقل من المتاجر التقليدية، التي تضيف تكاليف الإيجارات والخدمات والعمالة إلى سعر السلعة. وتقول لـ"العربي الجديد" إن المنافسة ولّدت خدمات إضافية مثل التركيب المجاني للأثاث والكفالات الممتدة وخدمة التبديل والإرجاع السهلة، بحيث تمكن إعادة السلعة واسترجاع الأموال دون جدال مع المتجر. لكنها ترى في المقابل أن التسوّق الإلكتروني يحرم المستهلك من متعة التسوق التقليدي والخروج إلى الأسواق والمراكز التجارية، كما أن رؤية السلعة ولمسها قبل الشراء يزيدان الثقة بجودتها ومواصفاتها. وتقول عائشة، العاملة في سلسلة متاجر "فيليه"، إن التجارة الإلكترونية بدّلت العادات الاستهلاكية للأتراك، إذ تراجع الإقبال على المتاجر التقليدية خلال السنوات الأخيرة، ما دفع سلاسل شهيرة مثل "بيم" و"شوك" و"101" إلى إطلاق عروض شبه يومية لجذب الزبائن إلى المتاجر. ويؤكد إيركان، صاحب متجر للمواد الغذائية في منطقة بيليك دوزو بإسطنبول، أن المتاجر الصغيرة أيضاً بدأت تعتمد البيع الإلكتروني "بطرق بسيطة" عبر مجموعات "واتساب" أو تطبيقات محدودة، موضحاً لـ"العربي الجديد" أن خدمات التوصيل المجاني ساعدت في زيادة المبيعات. أما الشركات والمتاجر الكبرى، فدخلت المنافسة عبر التعاون مع منصات مثل "ترينديول" وشركات التوصيل السريع، بحسب إيركان، الذي يرى أن العمولات المدفوعة لهذه المنصات تبقى أقل من خسائر تكدّس البضائع أو انتهاء صلاحيتها أو خروجها من الموضة. استثمارات محلية ودولية يرى الباحث الأكاديمي التركي معروف المعالم أن القوانين التي وضعتها وزارة التجارة التركية شكلت أحد أبرز أسباب نمو القطاع، وخاصة نظام ETBİS الذي ينظم التجارة الإلكترونية، ويحمي حقوق المستهلك والتاجر، ويعزز الثقة، ويحد من الاحتيال. ويضيف المعالم، من جامعة مدنيات، لـ"العربي الجديد"، أن الطبيعة الشابة للمجتمع التركي ساهمت بقوة في انتشار التسوق الرقمي، إلى جانب تطور البنية التحتية للدفع الإلكتروني، واعتياد الأتراك على استخدام البطاقات البنكية والائتمانية، خاصة مع تسهيلات الشراء بالتقسيط التي توفرها المصارف التركية. كما ساهم تطور الخدمات اللوجستية وشركات التوصيل السريع، مثل "هيبسي جت" و"ترينديول إكسبرس" و"كولاي غلسين"، في تسريع نمو التجارة الإلكترونية، إلى جانب وفرة الإنتاج المحلي وارتفاع معدلات التضخم، ما دفع المستهلكين للبحث عن الأسعار الأرخص، وإجراء المقارنات عبر الإنترنت. ويشير المعالم إلى أن التجارة الإلكترونية لم تعد مقتصرة على السلع الاستهلاكية، بل امتدت إلى الأثاث والسيارات والعقارات، مع ظهور منصات متخصصة في هذه القطاعات، ما خفّض دور الوسطاء والسماسرة التقليديين. كما جذبت السوق التركية استثمارات محلية ودولية ضخمة، سواء عبر دعم المنصات التركية الكبرى، مثل استثمار مجموعة علي بابا في منصة ترينديول، أو من خلال تطوير الخدمات باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، حتى تحولت بعض المنصات التركية إلى منصات إقليمية تستهدف أسواق الخليج والشرق الأوسط. وأدركت تركيا أهمية العوائد المالية الضخمة لهذا القطاع، خاصة في ما يتعلق بالمشتريات القادمة من الخارج، ما دفعها إلى تشديد القيود الجمركية ورفع الضرائب على بعض السلع، خصوصاً الأجهزة الإلكترونية والهواتف المحمولة. وفي فبراير/شباط الماضي، ألغت الحكومة التركية حد الإعفاء الجمركي المبسط البالغ 30 يورو للتسوق الشخصي عبر الإنترنت، وفرضت رسوماً جمركية على جميع الشحنات، ومنخفضة القيمة منها. كما نص المرسوم الجديد على فرض رسوم بنسبة 30% على المنتجات القادمة من الاتحاد الأوروبي، و60% على السلع القادمة من الصين والولايات المتحدة وبريطانيا، إضافة إلى ضريبة استهلاك خاصة بنسبة 20% على بعض السلع الفاخرة والإلكترونية. ويرى مراقبون أن التجارة الإلكترونية أصبحت ضرورة فرضها التطور التكنولوجي وأنماط الحياة الحديثة، لما توفره من مزايا للمستهلكين والشركات والدولة، سواء عبر دعم الإنتاج المحلي، أو منح الشركات الصغيرة والمتوسطة فرصة الوصول المباشر إلى المستهلكين داخل تركيا وخارجها. لكن في المقابل، ساهمت هيمنة المنصات الكبرى في فرض شروط قاسية على الموردين والتجار، كما ضغطت التجارة الإلكترونية على المتاجر التقليدية، وغيرت طبيعة المنافسة في الأسواق، ما أثار مخاوف متزايدة من تهديد الوظائف التقليدية، وتراجع دور الأسواق التقليدية مستقبلاً.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية