مسرحية "مواطن اقتصادي".. جسد معروض للبيع في مزاد سياسي
عربي
منذ ساعة
مشاركة
يتحول المواطن إلى موضوع صفقة تتم إدارتها بمنطق انتخابي، ويعاد تعريفه تبعاً لشروط الطاعة والإنتاج في حين تتناوب عليه شخصيات تمثل أنماطاً مختلفة من السلطة، في مسرحية "مواطن اقتصادي" للمخرج المغربي محمود الشاهدي، التي قدّمت على خشبة مسرح رياض السلطان بمدينة طنجة في منتصف الشهر الجاري. النص الذي كتبه أحمد السبياع وقدّمته فرقة محترف الفدان للمسرح في تطوان، يعيد التفكير في علاقة المواطنين بمحيطهم الاجتماعي والسياسي عبر أدوات جمالية مركبة، وتدور الحكاية في إطارٍ رمزي حيث يُعرض المواطن داخل سوق افتراضية باعتباره كياناً قابلاً للمزايدة والتقاسم بين قوى سياسية متنافسة. ومع تقدم المشاهد، تتسع الدائرة لتشمل شخصيات أخرى تعكس وجوهاً متعددة للاستغلال الاجتماعي، من امرأة بسيطة تواجه ضغط العيش اليومي، إلى فنانة يتم استثمار صورتها داخل الحملات السياسية، في سياق يكشف تشابك السياسة بالإعلام وبالممارسة اليومية للحياة. ينفتح العرض على بناءٍ درامي يفكّك المشهد الواقعي إلى وحداتٍ متتابعة، تتخذ شكل لوحاتٍ تتغير فيها الأزمنة والفضاءات والشخصيات، في حركة تجعل المتفرج أمام بنية حية تتشكل باستمرار. داخل هذا التشكل، يتحول "المواطن" إلى مركزٍ دلالي تتقاطع حوله أصوات متعددة، زيظهر جسداً معروضاً داخل سوقٍ رمزي، تتنافس حوله رؤى سياسية مختلفة، تتبادل المواقع وتعيد إنتاج آليات السيطرة بوسائط متنوعة. يستثمر العرض اشتغالاً واعياً على السينوغرافيا، حيث تتوزع العناصر داخل الخشبة وفق منطقٍ وظيفي يفتح المجال أمام تعدد القراءة، وتتحول الأجساد إلى علاماتٍ وتكتسب الأشياء حضوراً دلالياً يتجاوز وظيفتها المادية، فيما تساهم الأزياء التي صممتها أسماء هموش في ترسيخ هوية الشخصيات داخل فضاءٍ يتبدل باستمرار. وتندمج الإضاءة في صياغة مناخات نفسية متغيرة تعكس توتر العالم الداخلي للشخصيات. بناءٍ درامي يفكّك المشهد الواقعي إلى وحداتٍ متتابعة يستند العمل إلى اشتغال جماعي واضح، حيث يبني الممثلون حالات شعورية وحركيةٍ تتجاوز حدود التمثيل التقليدي لتصوغ حضوراً يعتمد الجسد والصوت والإيقاع. ويحضر في خلفية هذا البناء تصورٌ نقدي للعالم الاجتماعي، إذ يتبدى المواطن داخل شبكة من التفاعلات التي تعيد إنتاج علاقته بالسلطة والمعرفة والإعلام. تتسع مساحة الاشتغال لتشمل مساءلة تمثلات الانتهازية السياسية، إلى جانب إبراز حضور الوسائط الرمزية في تشكيل الوعي الجمعي، مع إدراج الفن ضمن دائرة التفاعل مع الواقع بدل الوقوف خارجه. في هذا الأفق، يستدعي العرض مرجعيات المسرح التجريبي في مقاربته للفضاء والزمن والشخصية، مع توظيف عناصر اللعب والتداخل البصري والحركة الحرة للعلامات. يتحول المسرح إلى مختبر مفتوح على احتمالات متعددة تتجاور عندها الكوميديا السوداء مع التهكم الاجتماعي، ويأخذ الخطاب النقدي شكلاً بصرياً يعتمد التكثيف والإيحاء. في حديث لـ"العربي الجديد"، يقول محمود الشاهدي إنها "تجربة مسرحية تنحاز إلى سؤال الإنسان داخل زمن تتحرك فيه القيم وفق منطق متحول، وتفتح المجال أمام قراءة تتجاوز حدود الحكاية إلى تأمل بنية الواقع نفسه، في صياغة تسعى لأن تجعل الخشبة مساحة تفكير حي تتقاطع فيها الجماليات مع أسئلة المجتمع".

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية