عربي
شهدت العاصمة الإسبانية مدريد، اليوم السبت، واحدة من أكبر التظاهرات المناهضة لحكومة رئيس الوزراء بيدرو سانشيز خلال الأشهر الأخيرة، إذ شارك عشرات الآلاف في "مسيرة الكرامة"؛ التي دعت إليها جمعية "المجتمع المدني الإسباني"، بدعم واضح من أحزاب اليمين واليمين المتطرف، وفي مقدمتها "الحزب الشعبي" وحزب "فوكس"، للمطالبة بإجراء انتخابات عامة مبكرة وسط اتهام الحكومة بـ"الفساد" و"خيانة البلاد".
وامتلأت شوارع وسط مدريد بالأعلام الإسبانية واللافتات المنددة بالحكومة الاشتراكية، فيما قدّرت مندوبية الحكومة عدد المشاركين بنحو 40 ألف متظاهر، بينما تحدث منظمو الاحتجاجات عن أعداد أكبر. وانطلقت المسيرة من ساحة كولون، قبل أن تتجه عبر شوارع رئيسية، وصولاً إلى قوس مونكلوا قرب مقر رئاسة الحكومة الإسبانية. ورفع المشاركون شعارات من قبيل "حلّ المافيا الاشتراكية" و"الفساد له ثمن.. انتخابات الآن"، فيما ردد بعض المتظاهرين هتافات مباشرة ضد رئيس الوزراء بيدرو سانشيز، بينها دعوات إلى استقالته ومغادرة السلطة، كما سُجلت شعارات عدائية ضد المسلمين والمهاجرين خلال المسيرة، وفق ما نقلته وسائل إعلام محلية.
وجاءت التظاهرة في سياق سياسي شديد التوتر، بعد قرار قاضي المحكمة الوطنية الإسبانية خوسيه لويس كالاما، الثلاثاء الماضي، فتح تحقيق بحق رئيس الوزراء الاشتراكي السابق خوسيه لويس رودريغيث ثاباتيرو على خلفية اتهامات مرتبطة بالاتجار بالنفوذ وقضايا تتعلق بشركة الطيران الفنزويلية "بلس ألترا". وعلى الرغم من أن الدعوة إلى التظاهر كانت مقررة قبل إعلان القرار القضائي، فإن القضية فرضت نفسها بقوة على شعارات المحتجين وخطابات قادة المعارضة. وشارك في التظاهرة عدد من أبرز وجوه اليمين الإسباني، يتقدمهم زعيم حزب "فوكس" سانتياغو أباسكال، والمتحدثة باسم "الحزب الشعبي" في مجلس الشيوخ أليسيا غارسيا، إضافة إلى زعيم حركة "انتهى الحفل" ألفيسي بيريث، والرئيسة السابقة لإقليم مدريد إسبيرانثا أغيري، إضافة إلى العديد غيرهم. كما أثار حضور رجل الأعمال فيكتور دي ألداما، المتهم في قضية "كولدو" المتعلقة بشبهات فساد وصفقات عمومية، اهتمام المشاركين، إذ التف عدد من المتظاهرين حوله لالتقاط الصور، فيما استقبله البعض بهتافات مؤيدة، على الرغم من كونه متهماً في القضية التي تشكل أحد أبرز ملفات الفساد المتداولة في إسبانيا حالياً.
توترات أمنية
وشهدت المسيرة بعض التوترات الأمنية عندما حاولت مجموعة صغيرة من المحتجين التوجه نحو قصر "لا مونكلوا"، مقر إقامة رئيس الحكومة، عبر الطريق السريع المؤدي إلى المنطقة، قبل أن تمنعهم الشرطة الإسبانية. ووقعت احتكاكات محدودة بين عناصر الأمن وبعض المشاركين الذين رددوا هتافات تطالب بالتوجه إلى مقر الحكومة، بينما دعا آخرون إلى التوجه نحو منزل ثاباتيرو. وأعلنت السلطات الإسبانية توقيف ثلاثة أشخاص خلال الاحتجاجات، فيما أُصيب سبعة من عناصر الشرطة بجروح متفاوتة، من دون تسجيل حوادث خطيرة أخرى. وانتهت التظاهرة قرابة الساعة الواحدة ظهراً.
وفي كلمة مقتضبة أمام وسائل الإعلام، أعلن زعيم "فوكس" سانتياغو أباسكال أن حزبه طلب من القضاء فرض الحبس الاحتياطي على ثاباتيرو، مؤكداً انضمام الحزب إلى الادعاء الخاص في القضية، ومطالباً باستدعاء عدد من الوزراء للإدلاء بشهاداتهم أمام المحكمة. وقال أباسكال إن "قرائن البراءة باتت كثيرة إلى درجة لم يعد أحد يصدّقها"، ملمحاً إلى احتمال تورط سانشيز نفسه في القضية، قبل أن يتجنب الخوض مباشرة في الجدل المتعلق بمذكرة حجب الثقة ضد الحكومة. ويتصاعد في الأسابيع الأخيرة الضغط الذي يمارسه حزب "فوكس" على زعيم "الحزب الشعبي" ألبرتو نونييث فيخو لتقديم مذكرة حجب ثقة ضد حكومة سانشيز داخل البرلمان، غير أن قيادة الحزب المحافظ لا تزال ترفض هذه الخطوة، معتبرة أنها لن تنجح في ظل عدم توافر الأغلبية المطلوبة لإسقاط الحكومة.
وأكدت المتحدثة باسم الحزب الشعبي في مجلس الشيوخ أليسيا غارسيا، خلال مشاركتها في التظاهرة، أن حزبها "لن يمنح سانشيز انتصاراً سياسياً عبر مذكرة فاشلة"، مشيرة إلى أن الحزب يواصل تصعيده البرلماني والقضائي ضد الحكومة بالتوازي مع تطورات التحقيقات الجارية. وأضافت غارسيا أن الحزب الشعبي يعتزم استدعاء شخصيات مقربة من ثاباتيرو إلى مجلس الشيوخ، من بينهم سكرتيرته غيرتروديس ألكاثار، التي وصفها القاضي بأنها "عنصر عملياتي أساسي" في الشبكة المشتبه بها، فضلاً عن شخصيات أخرى مرتبطة بالقضية. كما ألمحت إلى احتمال المطالبة بمثول ابنتيْ رئيس الوزراء السابق أمام البرلمان.
وتعكس هذه الاحتجاجات حجم الاستقطاب السياسي المتصاعد في إسبانيا، في ظل المواجهة الحادة بين الحكومة الائتلافية اليسارية بقيادة سانشيز والمعارضة المحافظة واليمينية المتطرفة، التي تسعى إلى استثمار ملفات الفساد والاتهامات القضائية لإضعاف الحكومة والدفع نحو انتخابات مبكرة. ويأتي ذلك بينما تواجه حكومة سانشيز مرحلة سياسية حساسة، مع استمرار الضغوط البرلمانية والقضائية والإعلامية، وتزايد حدة الخطاب السياسي في البلاد، وسط مخاوف من انتقال التوتر السياسي إلى الشارع بصورة أوسع خلال المرحلة المقبلة.
