تايوان في ميزان الحسابات الأميركية الصينية 
عربي
منذ ساعة
مشاركة
إذا كانت الولايات المتحدة تعتمد منذ عقود سياسة "الغموض الاستراتيجي" لجهة عدم الإفصاح عن سياسة واشنطن الحقيقية تجاه تايوان إذا ما تعرضت لغزو صيني، فإن تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأخيرة بشأن الجزيرة، وتحديداً ما يتعلق باحتمال التحدث مع رئيس تايوان ويليام لاي تشينغ تي من جهة، وما كُشِف في الساعات الماضية عن تعليق مبيعات الأسلحة للجزيرة بذريعة "حرب إيران"، من شأنه أن يضفي مزيداً من الغموض على السياسة الأميركية تجاه تايوان. وتخضع المواقف الأميركية بشأن الجزيرة للتدقيق في الآونة الأخيرة، لمحاولة معرفة ما إذا كانت القمة التي جمعت ترامب بالرئيس الصيني شي جين بينغ بين 13 مايو/ أيار الحالي و15 منه قد أسفرت عن أي تفاهمات غير معلنة. وقد أثيرت تكهنات خلال القمة بأن الهدف الرئيسي لشي جين بينغ كان إقناع ترامب بمعارضة استقلال تايوان صراحةً، إلى جانب وقف مبيعات الأسلحة إلى الجزيرة، فيما سمع الرئيس الأميركي خلال القمة تحذيراً واضحاً من نظيره الصيني من أن تايوان قد تتحول إلى "وضع خطير للغاية" إذا أُسيء التعامل معها. ولعقود طويلة، ظل موقف الولايات المتحدة ثابتاً، إذ لا تدعم واشنطن استقلال تايوان، لكنها لا تعارضه صراحةً أيضاً. وهذا يعكس بطبيعة الحال سياسة واشنطن الأوسع نطاقاً بشأن صيغة الصين الواحدة، إذ تعترف بجمهورية الصين الشعبية ممثلة وحيدة للصين، لكنها لا تُقرّ صراحةً بأن تايوان جزء من هذه الجمهورية. ولم يكد ترامب يغادر الصين حتى أدلى بتصريحات قال فيها إنه  سيكون منفتحاً على التحدث مع الشخص "الذي يدير" الجزيرة، أي رئيس تايوان ويليام لاي تشينغ تي، في خطوة غير مسبوقة بالنسبة لرئيس أميركي وخروج كبير عن الأعراف الدبلوماسية، إذ لم يتحدث رئيسا الولايات المتحدة وتايوان بشكل مباشر منذ عام 1979، عندما حولت واشنطن اعترافها الدبلوماسي من تايبيه إلى بكين. دا مينغ:عدم امتثال ترامب لرغبة شي الذي سعى إلى إقناعه بإعلان الولايات المتحدة معارضتها استقلال تايوان يعد انتصاراً دبلوماسياً للأخيرة ترامب والاتصال برئيس تايوان وقال ترامب للصحافيين في قاعدة أندروز المشتركة في ولاية ماريلاند، الأربعاء الماضي، رداً على سؤال عما إذا كان سيتصل بتايبيه قبل اتخاذ قرار بشأن ما إذا كان سيوافق على صفقة بيع أسلحة كبيرة إلى الجزيرة وافق عليها الكونغرس: "سأتحدث إليه، أتحدث مع الجميع. نحن نسيطر على هذا الوضع بشكل جيد للغاية"، وأضاف: "سنعمل على حل مشكلة تايوان".  رداً على تصريحات ترامب، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية غو جيا كون، في إفادة صحافية، أول من أمس الخميس: "إنّ معارضة الصين للتبادلات الرسمية بين الولايات المتحدة ومنطقة تايوان الصينية، ووجود الأسلحة الأميركية في تايوان، لا تزال ثابتة وواضحة وقوية". وحثت وزارة الخارجية الصينية الولايات المتحدة على "التنفيذ الجاد للتوافق المهم الذي توصل إليه رؤساء الدول"، في إشارة إلى رحلة ترامب إلى بكين الأسبوع الماضي لعقد قمة مع شي. كما دعت واشنطن إلى "التعامل مع قضية تايوان بحكمة حقيقية"، واتخاذ إجراءات ملموسة لدعم التطور المطرد للعلاقات الصينية الأميركية. يشار إلى أن بكين تعتبر تايوان جزءاً من الصين، ويمكن إعادة توحيدها بالقوة إذا لزم الأمر. ولا تعترف معظم الدول، بما فيها اليابان والولايات المتحدة، بتايوان دولةً مستقلةً، لكن واشنطن تعارض أي محاولة للاستيلاء على الجزيرة ذات الحكم الذاتي بالقوة، وتلتزم بتزويدها بالأسلحة. بموازاة ذلك، كشف القائم بأعمال وزير البحرية الأميركي هونغ كاو، ليل الخميس ـ الجمعة، أن مبيعات الأسلحة لتايوان "عُلِّقت" لضمان حصول الجيش الأميركي على ذخائر كافية لعملياته في إيران. ورداً على سؤال في جلسة في الكونغرس حول صفقة شراء الأسلحة المتعثرة التي تبلغ قيمتها 14 مليار دولار من قبل تايوان، قال هونغ كاو إنها عُلّقت "للتأكد من أن لدينا الذخائر التي نحتاج إليها لعملية الغضب الملحمي (ضد إيران) والتي لدينا منها الكثير". وأضاف: "لكننا نريد التأكد فقط من أن لدينا كل شيء، ثم ستُستأنف مبيعات الأسلحة عندما ترى الإدارة ذلك ضرورياً". لكن المتحدثة باسم الرئاسة التايوانية كارين كوو قالت، أمس الجمعة، إنه لا توجد "أي معلومات تشير إلى أن الولايات المتحدة تعتزم إجراء تعديلات على صفقة الأسلحة هذه". ولم يلتزم ترامب بإتمام عملية البيع، ما أثار مخاوف بشأن موقفه من تايوان. وقبل زيارته الرسمية الأخيرة للصين، قال ترامب إنه سيتحدث مع الرئيس شي جين بينغ بشأن صفقة الأسلحة، ما يمثل خروجاً عن إصرار واشنطن السابق على أنها لن تستشير بكين في هذا الشأن. وبعد ذلك، قال إنه لم يقدم أي التزامات لشي بشأن تايوان، وأنه سيتخذ قراراً بشأن مبيعات الأسلحة في غضون فترة زمنية قصيرة. كان لافتاً بعد قمة بكين الأخيرة أنه في البيان الصادر عن البيت الأبيض بشأن اجتماعات ترامب وشي، لم يرد أي ذكر لسياسة تايوان، ما أثار شكوكاً حول أي تغييرات محتملة، مع تداول تصريحات لترامب حذر فيها تايوان من إعلان الاستقلال. ولكن سرعان ما أكد الرئيس الأميركي خلال مقابلة مع قناة فوكس نيوز أنه لا شيء تغير في ما يتعلق بسياسة الولايات المتحدة تجاه تايوان. كما رد مكتب الرئاسة التايوانية الأسبوع الماضي بالقول إن السياسة والموقف الأميركي الثابتين تجاه تايوان لم يتغيرا. ليو وانغ: وصف ترامب تايوان بالمشكلة فضلاً عن ربطه صفقات الأسلحة بقطاع أشباه الموصلات في تايوان أميركا تعارض استقلال تايوان وبرأي دا مينغ، الباحث في مركز يون لين (تايوان) للأبحاث والدراسات، الذي تحدث لـ"العربي الجديد"، فإن عدم امتثال ترامب لرغبة شي الذي سعى إلى إقناعه بتبني الصيغة التي تفضلها بكين، وهي أن الولايات المتحدة تعارض استقلال تايوان، يعد انتصاراً دبلوماسياً لتايبيه في القمة الأميركية الصينية. وأضاف أن موقف واشنطن ظل ثابتاً ومتسقاً مع السياسية الأميركية تجاه تايوان قبل القمة وبعدها، وهو الاعتراف بموقف بكين من دون تأييده، وعدم دعم استقلال الجزيرة دون معارضته، وهناك فرق كبير بين عدم الدعم والمعارضة، وهو فرق تدرك بكين أبعاده جيداً، لذلك سعت خلال القمة إلى استخدام هذا الملف ورقة مساومة في العلاقات الأميركية الصينية، لكنها لم تنجح في انتزاع هذا التنازل من الولايات المتحدة. ولفت في هذا السياق إلى أن العادة جرت بأن يقول الرؤساء الأميركيون إنهم لا يؤيدون استقلال تايوان، من دون استخدام عبارات صريحة تُفيد بأنهم يعارضون الاستقلال. في المقابل، رأى الباحث في المعهد الصيني للدراسات الآسيوية ليو وانغ، في حديث مع "العربي الجديد"، أن انعكاسات الاجتماعات الودية بين ترامب وشي في بكين، والتي أكد فيها الأخير على موقف بلاده الحازم من مسألة تايوان، برزت في تصريحات الرئيس الأميركي مباشرة بعد القمة، والتي حذر فيها الجزيرة من الاستقلال، ووصف تايوان بالمشكلة، فضلاً عن أنه ربط صفقات الأسلحة بقطاع أشباه الموصلات في تايوان، مع توجيه اتهامات للجزيرة بسرقة صناعة الرقائق الإلكترونية من الولايات المتحدة، وهذا بحد ذاته يشير، حسب ليو، إلى أن تايوان كانت الخاسر الأكبر في القمة الصينية الأميركية.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية