إعادة تموضع الوجود العسكري الأميركي في أوروبا
عربي
منذ ساعة
مشاركة
أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب في تغريدة على منصته، تروث سوشال، مساء أول من أمس الخميس، أن الولايات المتحدة سترسل خمسة آلاف جندي إضافي إلى بولندا، معززاً انتشار القوات الأميركية في أوروبا، بعد أسابيع من التشكيك وإعلانه سحب قوات من ألمانيا، في مؤشر واضح على وجود رغبة أميركية بإعادة تموضع الوجود العسكري الأميركي في أوروبا أكثر من توجه لتقليص كبير للقوات الأميركية لاعتبارات عدة تفرض نفسها حتى على رغبات ترامب. وذكر ترامب أنه يقوم بهذا الإعلان بناءً على "الانتخاب الناجح لرئيس بولندا الحالي كارول نافروتسكي، الذي كنت فخوراً بدعمه، وعلاقتنا معه". ولم يقدم الرئيس الأميركي مزيداً من التفاصيل، مثل موعد إرسال الجنود الأميركيين إلى بولندا ومن أين. وسبق أن نفت بولندا الأسبوع الماضي تقارير تفيد بأنها ستتأثر بوقف نشر لواء قتالي يضم أكثر من أربعة آلاف جندي أميركي في أوروبا. وقال وزير الدفاع البولندي فلاديسلاف كوسينياك كاميش إن عدد الجنود الأميركيين في بولندا لن يتم تخفيضه، مضيفاً أن بولندا تواصل جهودها لزيادة وجود القوات الأميركية في أراضيها. توضيحات روبيو بشأن الوجود العسكري الأميركي وشرح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، أمس الجمعة، التحركات التي تقوم بها واشنطن تحديداً لجهة سحب بعض قواتها من أوروبا، قائلاً إنها لا تهدف إلى معاقبة الحلفاء بسبب موقفهم من الحرب على إيران. وأضاف روبيو للصحافيين قبيل انطلاق اجتماع وزراء خارجية دول حلف شمال الأطلسي في هلسنيغبورغ ـ السويد، أن "الولايات المتحدة تواصل الوفاء بالتزاماتها العالمية في ما يتعلق بنشر قواتها، وهذا يتطلب منّا باستمرار إعادة تقييم أماكن تمركز هذه القوات. هذا ليس إجراء عقابياً، بل هو أمر طبيعي وسيستمرّ". وجاء قرار ترامب بشأن بولندا بعد أقل من شهر على سحب خمسة آلاف جندي من ألمانيا، وإعلان وزارة الحرب الأميركية (بنتاغون) وقف عملية نشر أكثر من أربعة آلاف جندي من لواء قتالي في بولندا. ونقلت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية، في الثاني من مايو/أيار الحالي، عن مسؤول في "بنتاغون" قوله إن قرار سحب الجنود من ألمانيا أُبلغ خلال اجتماع ضم القيادة العسكرية الأميركية في أوروبا وأجزاء من الجيش الأميركي، رغم أن الجنود كان من المقرر نشرهم ضمن عملية تدوير اعتيادية تستمر تسعة أشهر. واشنطن لا تتعامل مع وارسو وبرلين بوصفهما ملفين منفصلين، بل بما هما جزء من مراجعة كاملة للتمركز العسكري الأميركي داخل أوروبا وكما سابقتها، أثارت الخطوة مفاجأة كبيرة داخل أوروبا وخارجها، وجرى عطفها على الانسحاب العسكري الأميركي الجزئي من ألمانيا، أكبر شريك عسكري للولايات المتحدة في أوروبا داخل حلف الأطلسي "ناتو"، وتوجد على أرضها خمس من أصل سبع حاميات للجيش الأميركي في أوروبا، بينما تقع الحاميتان الأخريان في بلجيكا وإيطاليا. ويُعد الوجود العسكري الأميركي في هذا البلد جزءاً أساسياً من دفاعات الحلف، فضلاً عن كونه حيوياً لبسط النفوذ الأميركي في أنحاء أخرى من العالم، خلال الفترة القصيرة المقبلة. ومهما تكن خلفية قرار ترامب بشأن ألمانيا وتوقيته، فإن المعنى المباشر له هو تقليص الالتزام العسكري والأمني الأميركي تجاه أوروبا. ويندرج في سياق تهديدات أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في ولايته الأولى (2017 ـ 2021) دعا فيها الأوروبيين إلى تحمّل عبء الدفاع عن القارة بشكل أكبر، خصوصا بعد سنوات من توسع الوجود العسكري الأميركي منذ بدء حرب أوكرانيا في 24 فبراير/شباط 2022. ورغم أن "بنتاغون" نفسه تحدث عن العودة تدريجياً إلى مستويات الانتشار التي كانت قائمة قبل 2022، لأنه يريد تخفيف الكلفة العسكرية والمالية، لكن لم يكن من المتوقع أن تصل واشنطن بهذه السرعة إلى قناعة بأنها لم تعد ترى ضرورة لبقاء الحجم نفسه من القوات الأميركية الثقيلة في أوروبا الشرقية، لا سيما أنها دشنت في بولندا قاعدة "ريدزيكوفو"، رسمياً في مارس/آذار 2023. وتعمل القاعدة منذ بداية الحرب الروسية على أوكرانيا، وتستضيف قرابة ألفين من جنود مشاة البحرية "مارينز"، الذين تنحصر مهمتهم في تسيير نظام "آيجس" الدفاعي الصاروخي المتطور ضد هجمات الصواريخ الباليستية. وهو نظام صُمّم للتحكم في الأسلحة كـ"نظام أسلحة شامل، من الاكتشاف إلى القتل". يتتبع نظام الكمبيوتر والرادار الأسلحة ويوجهها لتدمير أهداف العدو. وتنحصر مهمة القاعدة التي بدأ بناؤها عام 2016 في ضمان دفاع بولندا والدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي عن نفسها، وهي تقع في شمال بولندا، على بعد أقل من 200 كيلومتر من كالينينغراد، الجيب الروسي على بحر البلطيق. وقد قررت الولايات المتحدة إنشاء هذه القاعدة في شرق أوروبا، ضمن حسابات أطلسية هدفها الرئيسي تشكيل حاجز ردع أطلسي لروسيا. وجرى الربط، قبل قرار ترامب بنشر خمسة آلاف جندي أميركي في بولندا، بين وقف نشر أربعة آلاف جندي في بولندا، وسحب خمسة آلاف آخرين من ألمانيا، باعتبار أن واشنطن لا تتعامل مع وارسو وبرلين بوصفهما ملفين منفصلين، بل بما هما جزء من مراجعة كاملة للتمركز العسكري الأميركي داخل أوروبا. ومن جهة أخرى، حصل الأمر في سياق الحرب على إيران التي غيرت العديد من قواعد الاشتباك، وهزت بعض التفاهمات بين الولايات المتحدة وشركائها الأوروبيين ضمن حلف الأطلسي. وقد أدى ذلك إلى خلافات، تلتها انتقادات علنية من أميركا لكل من ألمانيا وبريطانيا وإسبانيا التي رفضت السماح لأميركا باستخدام قواعدها العسكرية لضرب إيران، ولم تنخرط في الجهود التي اقترحتها واشنطن لبسط السيطرة على مضيق هرمز. وبات واضحاً أن خفض الوجود العسكري الأميركي في أوروبا يأتي ضمن توجه أميركي استراتيجي لتقليص القوات الأميركية البرية الثقيلة في القارة، وإعادة توزيع الموارد نحو مناطق أخرى، خصوصا المحيطين الهندي والهادئ لمواجهة الصين، ويجدر التنويه هنا إلى أن خطة ترامب في عام 2020 كانت تقضي بإعادة نشر قوات أخرى في دول مثل بولندا وإيطاليا. إلا أنها واجهت معارضة من الحزبين في الكونغرس، وعقبات لوجستية هائلة. وقد جمّد الرئيس السابق جو بايدن الخطة المقترحة في فبراير 2021، ثم ألغاها رسمياً لاحقاً. يرى خبراء أوروبيون وأميركيون أن الولايات المتحدة استفادت بشكل كبير من وجودها المتقدم في قواعد أوروبا، خصوصاً قاعدة رامشتاين في ألمانيا، والتي بدونها ستكون العديد من العمليات العسكرية الأميركية أصعب بكثير. وبالتالي إن الوجود العسكري الأميركي في أوروبا ليس في اتجاه واحد، وهو في جانبه الثاني أداة من أدوات النفوذ العسكري الأميركي العالمي، وعلى هذا قام الاتفاق: الولايات المتحدة تساعد في الدفاع عن أوروبا، وأوروبا توفر البنية التحتية للعمليات العسكرية الأميركية العالمية. ومن وجهة نظر تقنية، يمكن للجيش الأميركي نقل قواته في أوروبا، حيث ينتشر حالياً حوالي 13 ألف جندي في إيطاليا، وعشرة آلاف في بريطانيا، وأربعة آلاف في إسبانيا. لكن بموجب قانون تفويض الدفاع الوطني الأميركي لعام 2026، لا يمكن السماح بانخفاض عديد القوات الأميركية في أوروبا بشكل دائم عن 75 ألف جندي. ما يقلق الأوروبيين ليس عملية سحب قوات أو وقف برامج تعاون، بل الرسالة التي يريد الرئيس الأميركي توجيهها إلى أوروبا إلى ذلك، فإن ما يقلق الأوروبيين ليس عملية سحب قوات أو وقف برامج تعاون، بل الرسالة التي يريد الرئيس الأميركي توجيهها إلى أوروبا، وأي تقليص مفاجئ يعطي انطباعاً بأن واشنطن قد تصبح أقل انخراطا في أمن أوروبا مستقبلاً. لذلك، فوجئ بعض قادة "ناتو" بالقرار، خصوصاً أن جزءاً من القوات الأميركية كان قد بدأ التحرك بالفعل نحو بولندا. الانعكاسات المباشرة على بولندا ودول البلطيق (ليتوانيا، لاتفيا، إستونيا) ليست عسكرية وأمنية بالدرجة الأولى، بل سياسية ونفسية، تترتب على رفع مظلة الدفاع والردع الأميركية بوجه روسيا. ستصبح هذه الدول مكشوفة، وليس سراً أن موسكو تراقب هذه التطورات بفرح كبير، وهي تشاهد علامات واضحة على تراجع الالتزام الأميركي بأمن أوروبا، وظهور مؤشرات على انقسامات داخل "ناتو"، في وقت تؤكد فيه كل المؤشرات أن أوروبا ليست جاهزة لملء فراغ الدور الأميركي، ورغم أنها زادت من إنفاقها الدفاعي، وعملت على إعادة تأهيل جيوشها، فهي ما تزال تعتمد على الولايات المتحدة في ملفات مثل الاستخبارات، والدفاع الجوي، والنقل الاستراتيجي، والذخائر بعيدة المدى، والقيادة العملياتية، وحتى الجيوش الكبيرة، وذات الكفاءة العالية والتسليح الجيد، كما هو الحال في فرنسا وألمانيا وبريطانيا، ليست قادرة على سد النقص الجاهزية والذخائر لخوض حرب استنزاف طويلة كالتي تجري في أوكرانيا. ولذلك أي انسحاب واسع سيخلق فجوة كبيرة من الصعب ردمها خلال وقت قصير. روسيا ليست خطراً فورياً في المقابل، يرى خبراء آخرون عدم وجوب المبالغة بفكرة أن روسيا أصبحت قادرة فوراً على تهديد أوروبا عسكرياً مباشرة، ذلك أن الحرب على أوكرانيا استنزفت الجيش الروسي. وبات يعاني من نقص في أسلحة المدرعات، والأفراد خصوصاً الضباط، وهذا ما يفسر عمليات التطويع المستمرة التي تقوم بها روسيا لمقاتلين أجانب، لزجهم في جبهات القتال وبات لديها جيش من المرتزقة الأفارقة والعرب والآسيويين ولا سيما الكوريين الشماليين. وعلى ذلك يعتبر خبراء أوروبيون أن الخطر الروسي على دول "ناتو" متوسط وطويل المدى أكثر من كونه تهديداً فورياً، وليس في وسع روسيا أن تقوم بعملية غزو شامل لأي دولة في البلطيق وأوروبا الشرقية. وأكثر ما يثير مخاوف أوروبا من روسيا في الوقت الراهن يتمثل في الحروب الهجينة، والهجمات السيبرانية، وتعد عمليات الاختراق الجوي لدول البلطيق، نوعاً من اختبار تماسك الأطلسي في مناطق رمادية. ومهما يكن من أمر، فإنّ روسيا سترى في الانسحابات الأميركية من أوروبا مؤشراً على تراجع الوجود العسكري الأميركي في أوروبا، خصوصاً على مستوى الالتزام طويل الأمد، ذلك أن من بين رهانات روسيا الأساسية تفكك الجبهة الغربية، وستعمل على استثمار الخطوة داخلياً، رغم أن القوات الأميركية المنسحبة من ألمانيا، لا تقاتل داخل أوكرانيا كي يتعدل ميزان القوى في الحرب الأوكرانية. لكن ذلك لا يعني أن أوكرانيا لن تشعر بأنها بدأت تفقد مظلة الحماية الأميركية.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية