مصر التي في خاطر الغلابة... "عيش وفول"
عربي
منذ ساعة
مشاركة
في ظل تراجع القدرة الشرائية للمواطنين وتفاقم موجات الغلاء للسلع والخدمات الأساسية، قررت الحكومة المصرية زيادة أجور العاملين بالدولة اعتباراً من أول يوليو/ تموز المقبل، بتكلفة إجمالية 100 مليار جنيه، هذه الزيادة الجديدة ترفع الحد الأدنى للدخل للعاملين بالدولة إلى 8 آلاف جنيه أي نحو 150 دولاراً. والسؤال هنا: هل هذه الزيادة سيستفيد بها المواطن "الغلبان" أو محدود الدخل في ظل جحيم الأسعار الذي أصاب كل شيء. وفي إطار التضخّم المتسارع الذي يلتهم الأخضر واليابس، يجد المواطن المصري نفسه في مواجهة يومية شرسة مع الفقر؛ إذ لم يعد الفقر هنا مجرد أرقام في التقارير الاقتصادية، بل تحوّل إلى عبء نفسي واجتماعي يضغط على أدق تفاصيل الحياة اليومية. إن تراجع القدرة الشرائية وتفاقم موجات غلاء السلع والخدمات الأساسية جعل الأسرة المصرية ذات الدخل المحدود تعيد ترتيب أولوياتها بشكل قاسٍ، إذ بات تأمين لقمة العيش والرعاية الصحية الأساسية حلماً يستنزف الطاقات، ويجبر الكثيرين على التخلي عن أساسيات كانت بالأمس القريب بديهيات لا غنى عنها. ووفقاً للبيانات الحكومية، بلغ معدل الفقر في مصر نحو 30% من السكان قبل جائحة كورونا، غير أن تقارير دولية تؤكد أن نسبة الفقر قد تصل إلى 60%. وأمام هذا الواقع المأزوم، تأتي خطوة الحكومة برفع الحد الأدنى للأجور كنوع من محاولات امتصاص الغضب، لكن السؤال المرير يظل قائماً حول مدى استفادة "المواطن الغلبان" منها. فالواقع يؤكد أن هذه الزيادات غالباً ما يبتلعها السوق فور إقرارها، نتيجة غياب الرقابة الصارمة على الأسواق، فضلاً عن أن ملايين العاملين في القطاع غير الرسمي وعمال المياومة يظلون خارج مظلة هذه الحماية تماماً؛ ما يعني أن الفجوة تتسع، وأن مثل هذه المسكنات المالية لم تعد كافية لانتشال محدودي الدخل من مصيدة الفقر التي أحكمت إغلاقها فوق رؤوسهم. وإذا خرجنا من لغة الأرقام والمعادلات الاقتصادية، فإن واقعة "العيش والفول" تكشف لنا كيف يتعامل بعض المسؤولين في الحكومة مع المواطن الغلبان. فخلال جولة تفقدية، لاحظ وكيل وزارة التعليم، محمود الفولي، وجود رغيفي العيش وكيس الفول داخل درج الطالبة رقية، وطلب منها إخراجهما أمام زميلاتها. ووجه المسؤول بعض التعليقات الساخرة، ما تسبب في شعور الطالبة بإحراج شديد أمام زميلاتها. ومثل عشرات ملايين المصريين الغلابة، تنتمي هذه الطالبة إلى أسرة بسيطة تعيش ظروفاً معيشية صعبة، وتحصل يومياً على مبلغ محدود بالكاد يكفي احتياجاتها، فوفّر لها أهلها الغلابة وجبة بسيطة تسدّ بها جوع معدتها الصغيرة. واقعة "العيش والفول" تكشف لنا كيف يتعامل بعض المسؤولين في الحكومة مع المواطن الغلبان. فخلال جولة تفقدية، لاحظ وكيل وزارة التعليم، محمود الفولي، وجود رغيفي العيش وكيس الفول داخل درج الطالبة رقية، وطلب منها إخراجهما أمام زميلاتها هذا الموقف وغيره يختزل حقيقة أن التضخم لم يعد مجرد مؤشرات ومصطلحات اقتصادية جافة، بل تحول إلى وجع يومي يضغط على كرامة المواطن، ويجبر العائلات على خوض "سياسة تقشف قاسية" تمسّ أساسيات الحياة كالطعام والشراب، فلم يعد لدى هذه الأسر أي فائض وأصبح حصولها على ثلاث وجبات يومياً رفاهية، بل إن بعض المصريين باتوا يشترون السلع بالغرام، ولم يعد أمام الملايين إلا الحصول على المساعدات الحكومية أو مساندة مالية من أقاربهم بالداخل أو بالخارج لكي يحصلوا على الأساسيات من طعام وملبس وتعليم وعلاج. ومن هنا يبدو أن الأرقام الرسمية في وادٍ والشعب المصري المطحون في وادٍ آخر. نعم حب الوطن غريزة فطرية.. فـ"مصر التي في خاطري وفي فمي.. أحبها من كل روحي ودمي"، ولكن لا يعني ذلك أن هذا الحب شيك على بياض، بل يجب أن يجد الإنسان في وطنه الحد الأدنى من الحياة الكريمة، فمصر التي في خاطر الغلابة غير مصر التي في خاطر الفاسدين وأصحاب الثروات الحرام، فالصنف الأول كل ما يريده سكن وملبس وطعام وكرامة، أما الصنف الثاني فكل هدفه هو سرقة أكبر جزء من الكعكة، ولو على حساب الوطن والغلابة.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية