عربي
لم تترك نانسي فرانك سيناترا أباها الصهيوني في ماضيه، ولم تراهن على النسيان ولا رحمة الزمن. في الخامس عشر من الشهر الحالي، (ذكرى النكبة الثامنة والسبعون)، خرجت على منصة إكس لتكتب: "إن كنتم مهتمين فعلاً بعلاقة أبي بإسرائيل، فعليكم أن تبحثوا عن فرانك سيناترا وتيدي كوليك. هناك قصة ملهمة حقاً".
ثم فصّلت في تغريدة ثانية: "في مارس (آذار) 1948، ساعد فرانك سيناترا تيدي كوليك، ممثل الهاغاناه ولاحقاً رئيس بلدية القدس، في تهريب ما يقدّر بمليون دولار نقداً إلى رصيف في نيويورك، لدفع ثمن أسلحة موجّهة إلى دولة إسرائيل الوليدة. عمل سيناترا ساعياً لتجاوز مراقبة مكتب التحقيقات الفيدرالي، وضمن وصول المال إلى قبطان سفينة لعمليات سرية".
لندع الابنة، وهي هنا سرّ أبيها الصهيوني، ولنعاين هذا الإلهام الذي من الصعب جداً بعد إبادة غزة تداوله إلا بمنسوب عالٍ من الفجور، في سياق تحولات وعي ممتدة أفقياً وعمودياً، على مستوى الشعوب في الشوارع والملاعب ومواقع التواصل الاجتماعي، والأنظمة التي تعلن بوضوح موقفها من نظام الإبادة، وصولاً إلى محكمة الجنايات الدولية التي تطلب بالاسم رئيس وزراء دولة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، ووزير دفاعه السابق، يوآف غالانت.
تعود ابنة المغني لتصف دور الوالد في تمويل عصابة إرهابية نفّذت إبادة ضد الشعب الفلسطيني بأنها "قصة ملهمة". والهاغاناه التي تتحدث عنها نانسي سيناترا هي التي وثّق المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه في كتابه "التطهير العرقي لفلسطين" (2006) دورها المركزي في تنفيذ خطة دالت، التي أخرجت أكثر من 750 ألف فلسطيني من ديارهم عبر مجازر منهجية.
هذا ما موّله فرانك سيناترا بمليون دولار في تلك الليلة على رصيف نيويورك. في العام الموالي (1949) أسرت وحدة من هذا الجيش الوريث المباشر للهاغاناه فتاة بدوية فلسطينية في صحراء النقب، واغتصبتها جماعياً، وأعدمها قائد الفصيلة.
بن غوريون نفسه كتب في يومياته "فظاعة مروّعة"، ولم لا؟ سيناترا نفسه لو عرف بقصة الفتاة، لقال إن الاغتصاب والقتل سلوك شائن، وسيؤيد معاقبة الفاعلين بالخدمة المجتمعية ستة أشهر. ما هو مخيف، ليس حدوث الجريمة، بل تحول الفكرة والصورة والإرادة إلى مشروع عند الضحية.
حينذاك، سيقع معك ما وقع مع الروائية الفلسطينية عدنية شبلي، لما كتبت عن هذه الفتاة رواية "تفصيل ثانوي"، وحين رُشّحت لجائزة في معرض فرانكفورت للكتاب عام 2023، ألغي حفل تكريمها، إذعاناً لأصوات رأت في قصة فتاة مغتصبة ومقتولة معاداة للسامية.
فرانك سيناترا الذي تفاخر به ابنته، نجم غناء أميركي مشهور من أصل إيطالي ولد عام 1915 وتوفي يوم 14 مايو/ أيار 1998، اليوم الذي تفضّل نانسي استثماره، فهو اليوم ذاته الذي ولدت فيه الدولة العبرية، فتصبح بالتالي كينونة الوجود على المقاس الصهيوني: ميلاد وفاة ميلاد.
وفي ظل نجوميته، مثل نحو ستين فيلماً، لا يؤخذ على محمل الجد إلا القليل منها، وجميع ما حصل عليه من نجومية غنائية وسينمائية هي في فترة عقدين من منتصف الأربعينيات إلى منتصف الستينيات، أي الفترة التي كان يخدم فيها المشروع الصهيوني.
أنتج عام 1945 فيلماً قصيراً من عشر دقائق عنوانه "البيت الذي أعيش فيه" (The House I Live In) ضد معاداة السامية، يتصدى فيها بالكلمة الطيبة والإقناع لجمهور أولاد يريدون ضرب ولد يهودي، ونال عنه جائزة أوسكار فخرية. لكن هذه المناقبية التي تفيد بأن البيت الأميركي للجميع، لا فضل فيه لمهاجر على مهاجر، هي ذاتها التي جمعت التبرعات الأميركية ليحتل غرباء أرض فلسطين.
هناك تجمع صهيوني اسمه Action for Palestine، غنى فيه فرانك سيناترا أمام عشرين ألفاً عام 1947، وثمة رابطة لو أعلنت عن نفسها اليوم لاعتقل أصحابها، اسمها "الرابطة الأميركية من أجل فلسطين حرة" (American League for a Free Palestine).
هؤلاء الأصدقاء اليهود مواطنون في فيلم قصير، ومظلومون ناجون من المحرقة، فلنسمح لهم بإنتاج محرقة خاصة لهم في فلسطين. "الرابطة الأميركية من أجل فلسطين حرة صهيونية" تمثّل الذراع الأميركية لمنظمة الإرغون الإرهابية. تأسست عام 1944 وحُلّت في ديسمبر/ كانون الأولى 1948 بعد أن حققت هدفها، أي قيام الدولة اليهودية.
لقد كان الصهاينة يريدون "تحرير فلسطين"، مثلما انطلقت حركات المقاومة الفلسطينية من أجل "تحرير فلسطين". "فلسطين حرة" حين يقولها الصهيوني عام 1944 تعني تأسيس دولة متحضرة غربية محفوفة بوعد الرب، و"فلسطين حرة" حين يقولها الفلسطيني عام 2025 تعني الإرهاب وأربع عشرة سنة سجناً في بريطانيا. هذه المفارقة من فسادها، حتى إن صلاح جاهين ربما كان سيترفّع عن وضعها في رباعية تنتهي بـ"عجبي".
تقول نانسي إن أباها "كان يمقت ترامب"، محتجة ومعتبرة استخدام الرئيس أغنية لوالدها في منصته تدنيساً، بينما تمويل عصابة ارتكبت تطهيراً عرقياً "قصة ملهمة". هذا يؤكد أن خصوم ترامب حين يكونون صهاينة لا يقلّون رعونة وغيبية وفقراً أخلاقياً عنه، وهو في أوج طربه الصهيوني. الليبرالية الأميركية التي تسمح لك بأن تكره ترامب وتحبّ التطهير العرقي في آن ليست ناقصة، هي ليبرالية تعمل تماماً كما صُمّمت.
خادم سيناترا الشخصي جورج جاكوبز، وهو أميركي (أفريقي الأصل) رافقه خمس عشرة سنة قال في مذكراته التي أصدرها 2003، إن سيناترا بدأ خلال زيارته لإسرائيل عام 1962 يسمّي نفسه "ملك اليهود". الملك اليهودي سيناترا يتبجّح وهو إيطالي كاثوليكي. أما كيرك دوغلاس اليهودي الروسي (إيسور هيرشيليفيتش دانيلوفيتش)، فكان يعمل في الميدان بصمت. كان نقطة استقطاب صهيونية تجعل المشروع الاستعماري مسألة مقدّسة في الفن والكتاب ومسألة نقابية في الشارع.
اشترك فرانك سيناترا مع كيرك دوغلاس في فيلم "في ظل العمالقة" (Cast a Giant Shadow) عام 1966. سيناترا يلعب دور طيار أميركي يطارد هذه الكتلة من طائرة استطلاع خفيفة، يلقي عليها زجاجات مياه غازية، أو صودا، أو أي عبوات تحدث صوتاً يشبه صفير القنابل، وتنفجر، لمزيد من أسطرة العصابات الصهيونية، وتبيان كم كان فارق التسليح فادحاً بينهم وبين العرب "الهمج".
وحين تطالع وجوه الفلسطينيين، فلا ملامح تشي بأي أثر طيب أو شرير. يعني: لو تمنيتَ للفلسطينيين أن يكونوا قتلة أشراراً فلن تعثر على مرادك في هذا الفيلم، بل هم كتلة بشرية من دون ملامح ولا قصة يقصونها على أحد. إنهم فقط يصيحون ويبربرون بكلام غير مفهوم.
أمام هذه الصورة من خارج التاريخ، البدائية للشعب الفلسطيني والعربي عموماً، كانت في هذا الفيلم وغيره من الأعمال الفنية، فلسطين التي ينبغي تحريرها ممن؟ من الفلسطينيين، لماذا؟ لأن الفلسطينيين ليسوا أصحاب فلسطين، وبالتالي عليهم أن يخرجوا من فلسطين التي لا علاقة لهم بها من قريب أو بعيد، وأن يحل محلهم ناس آخرون، من هم؟ يهود أعضاء ومناصرون في "الرابطة الأميركية من أجل فلسطين حرة".
إن ممثلاً عظيماً مثل مارلون براندو، الذي حُورب وشُنّت عليه حملة شرسة لمجرد حديثه في منتصف التسعينيات عن سيطرة اليهود على هوليوود، ورصده وجود تنميط سلبي لكل مكونات المجتمع من سود وصينيين وإيطاليين.. ما عدا اليهود. هذا الرجل كان في عمر 22 عاماً حين مثّل عام 1946 في مسرحية "ميلاد راية" (A Flag is Born) لجمع المال للجمعية إياها، الذراع الأميركية للإرغون بغية مساعدة تهريب يهود أوروبا إلى فلسطين.
براندو في دور ديفيد، هجم بالبندقية لتحرير فلسطين من الفلسطينيين، وإقامة وطن لليهود، ثم حين انتقد العنصر اليهودي في هوليوود، حُشر في أضيق الزوايا حتى قال حاخامان في مؤتمر صحافي عام 1996 إنه بكى ثلاث ساعات بين يدي حاخام ليصفح عنه. ماذا يريد أي شخص في العالم أكثر من هذه المدة الطويلة المبالغ فيها من البكاء؟ وقد وصلت الأنباء إلى كل أنحاء الأرض تفيد بأن الحاخام بالفعل ربت كتفه وصفح عنه.
لماذا تبدو تغريدة الابنة عن أبيها فاقعة، وقد جرّت عليها هجوماً واسعاً، لم يتعرض له أبوها وهو يوصل المال، ويلقي الزجاجات الغازية المستهترة؟ ما كان يمرّ في هوليوود على مدى ثمانين عاماً نوعاً من الافتتان الحضاري بإسرائيل، أصبح بعد إبادة غزة يحتاج بالتحديد ولا شيء سواه إلى انكشاف الدولة الوظيفية كلياً.
في دولة يقف فيها رئيس الوزراء السابق، نفتالي بينيت، أمام مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأميركية الكبرى في فبراير/ شباط 2026، ويقول: "لن يحبّونا. الطموح بأن العالم سيحب إسرائيل لن يتحقق. ما نحتاجه هو أن يخافنا أعداؤنا، ويحترمنا أصدقاؤنا، ويحتاجنا الجميع".
لم يكونوا مضطرين على زمن سيناترا إلى قول هذا الكلام. الحب كان يأتي وحده ويجر مع الدولارات والأوسمة. وتل أبيب كانت طوال هذه العقود مثل كائن خرافي لا يشبه شيئاً في الطبيعة، مكوّن من بقرة وزرافة. الزرافة تجلب طعامها من فوق الأسيجة، وفوق القانون الدولي وكل الحواجز التي تقيّد الدول الأخرى.
اللوبي وهوليوود والدعم الأميركي غير المشروط وعقدة الذنب الأوروبي، كلها طعام تأتي به الزرافة من مكان لا يصل إليه أحد غيرها. والبقرة تُحلب هنا، على الأرض، في فلسطين. هذه الاستعارة وردت في كتاب "التغلغل بلا سلاح" للسوفييتي فلاديمير بيغون (ترجمة زياد هديب، 1992 وقد صدر بعنوان تجاري "صهاينة في الكرملين").
غزة كشفت أن هذا الكائن الخرافي ليس خالداً، بل أبعد من ذلك فإن نانسي سيناترا تتبجّح بتهريب الأسلحة في ذكرى النكبة وتتلقى الضربات من كل حدب وصوب. بينما بينيت يطلب الخوف لا الحب، والفنون التي تفبرك الأسطورة وتغطي على الجريمة لم يكن من حقها سوى أن تحجز مقعداً بين المأساة والملهاة... مقعد اسمه "المخزاة".

أخبار ذات صلة.
مشاركة سورية في مناورات عسكرية تركية
العربي الجديد
منذ 11 دقيقة