عربي
يشهد محيط مركز بيروت الدولي للمعارض والترفيه منذ أيام، والذي يقع على الواجهة البحرية للعاصمة اللبنانية، تحركات لافتة أثارت علامات استفهام حول طبيعة "التنظيم" الجديد لخيام النازحين ومستقبل هذه المنطقة.
في محيط مركز بيروت الدولي للمعارض والترفيه (بيال)، على الواجهة البحرية للعاصمة اللبنانية بيروت، بدأت ترتفع خيام كبيرة الحجم وسط إجراءات ميدانية مُكثّفة يشرف عليها فوج حرس مدينة بيروت، التابع للبلدية، وقوى الأمن الداخلي. وبدأت تظهر في الموقع بنى خدماتية ومقومات معيشية متكاملة تشمل إنشاء مراحيض ثابتة وشبكات مائية وكهربائية. وتتحدث مصادر عن خطة لتوسيع الموقع عبر نصب مزيد من الخيام وتجهيز المساحة لاستقبال أعداد إضافية من العائلات النازحة.
وتفيد معلومات حصلت عليها "العربي الجديد" من مصدر مسؤول في بلدية بيروت، بأن "قرار منح الأرض لإقامة الخيام لم يكن وليد المصادفة، بل جاء بناءً على طلب مباشر وتوجيهات من رئيس الوزراء نواف سلام بالتنسيق مع وزارة الداخلية والبلديات ومحافظ بيروت القاضي مروان عبود. ويوضح المصدر أن "الأزمة بدأت لأن مخيم النازحين الذي تشكّل عشوائياً مع بداية الحرب قائم على أرض خاصة تملكها الشركة اللبنانية لتطوير وإعادة إعمار وسط بيروت (سوليدير) التي زادت ضغوطها في الفترة الأخيرة لإخلاء عقاراتها مع اقتراب موعد فصل الصيف الذي يشهد عادة إقبالاً من المغتربين والسائحين رغم الحرب. وأبلغت الشركة السلطات بأنها تريد أن تتفادى أي مواجهة مباشرة، أو تحميلها مسؤولية تشريد العائلات على الأرصفة، فقررت السلطة التنفيذية نقلهم إلى خيام جديدة تنصب على أرض مجاورة تملكها بلدية بيروت.
وتلحظ الخطة المرسومة للأرض الجديدة استيعاب نحو 200 خيمة ذات حجم كبير تخصص كل منها لتضم بين 6 إلى 8 أشخاص، أي عائلة كبيرة أو عائلتين. ورغم محاولة بلدية العاصمة اللبنانية إضفاء مظهر تنظيم العملية عبر "فوج الحرس"، أثارت البنى التحتية والمنشآت الثابتة المرافقة للمشروع اعتراضات واسعة من الأهالي والمستثمرين تركزت حول المخاوف الجدية من تحوّل المخيم المستحدث في قلب الواجهة البحرية إلى أمر واقع جديد، مع الأخذ في الاعتبار أن هذه المنطقة تحديداً تُصنّف بأنها من أرقى مناطق لبنان، وتعتبر مُتنفساً سياحياً واقتصادياً بامتياز للعاصمة.
في الموازاة يعيش النازحون في منطقة "البيال" واقعاً إنسانياً معقداً للغاية، فهم يقرّون بقساوة الظروف الحياتية التي يمرون بها، إذ سُجل تراجع ملحوظ في تدفق المساعدات الإنسانية في ظل غياب المبادرات الإغاثية الشاملة.
ورغم ذلك، يُبدي النازحون المقيمون في المخيم تمسكاً شديداً بالبقاء في الواجهة البحرية، إذ رفض غالبيتهم العروض الرسمية التي قُدمت لهم للانتقال إلى مراكز إيواء جماعية خصصتها الحكومة اللبنانية، سواء داخل العاصمة مثل المدينة الرياضية، أو في مناطق أبعد مثل مدينة طرابلس ومحافظة عكار شمال البلاد.
يقول أبو حسين الرقة (51 سنة)، وهو نازح من ضاحية بيروت الجنوبية متحدر من بلدة الشهابية لـ"العربي الجديد": "نعيش حالياً تحت شمس حارقة وقبلها تحت المطر والبرد، وفي ظروف قاسية. لكننا نرفض مغادرة هذا المكان في اتجاه المدينة الرياضية. خرجت من الضاحية هرباً من القصف، وليس لأعودَ وأسكن على أطرافها، بسبب تداخل منطقة المدينة الرياضية مع منطقة الغبيري في الضاحية. يعني الانتقال إلى هذا المركز أنني أعرّض نفسي وعائلتي لخطر. رغم غياب الخدمات، أشعر بأمان نسبي في البيال في ظل الحديث عن إمكانية عودة الحرب أو تنفيذ إسرائيل عملية اغتيال مفاجئة في الضاحية. قبل يومين طلبت الأجهزة الأمنية تعبئة استمارات وتسجيل أسماء العائلات الموجودة هنا، وتفريغ كل الخيام للانتقال إلى أخرى يجرى تركيبها على بعد أمتار بحجة أن هناك اعتراضات على توزع خيام النازحين عشوائياً في هذه المنطقة، وأن المنظر العام لم يعد ملائماً. واعترضت عائلات على الانتقال إلى الخيام الجديدة، وحاولت الاستفسار عن الأمر، خصوصاً أن الخيام التي تجهّز حالياً ملاصقة بعضها ببعض في شكل كبير. وفي حال حدوث أي حريق قد يمتد بشكل سريع إلى باقي الخيام، كما أنها لم تجهّز بعد بأي مراحيض أو بالطاقة الشمسية، ويحاول النازحون توحيد موقفهم، ولا يزال النقاش قائماً بينهم رغم أن بعض الأهالي وافقوا على الانتقال إلى هذه الخيام لأنها أكبر".
ويتحدث عماد فخرالدين (45 سنة) الذي يتحدر من بعلبك، وهو أب لأربعة أطفال، نزح من منطقة حارة حريك في الضاحية الجنوبية، عن بُعد آخر للرفض ويقول: "يعرضون علينا الانتقال إلى طرابلس أو عكار، لكننا لن نخرج من العاصمة بيروت. أزور منزلي يومياً، وهو متضرر في شكل كبير وبعض جدرانه قد تقع فجأة، لذا لم نستطع العودة إلى منزلنا. نريد البقاء هنا كي نكون قرب بيوتنا. نراقب الوضع يومياً، وبما أننا نعيش في هدنة ولو كانت هشّة، نستطيع خلال دقائق أن نصل إلى الضاحية للاطمئنان على منازلنا وأرزاقنا، وما تبقى من حياتنا. وبمجرد وقف النار في شكل كامل سنعود. الابتعاد عن بيروت يعني بالنسبة إلينا تغريباً ثانياً وتثبيتاً للجوء والتشريد".
بدوره، يتحدّث علي قانصو (28 سنة) لـ"العربي الجديد" عن "أزمة الخصوصية والكرامة داخل مراكز الإيواء الرسمية"، ويقول: "المدينة الرياضية وغيرها من مراكز الإيواء مكتظة بمئات العائلات التي تُجبر على تقاسم الغرف والقاعات المشتركة في ظل انعدام الخصوصية للنساء والأطفال والتنافس على حمام واحد. رغم أن واقع خيام البيال مأساوي نملك حريتنا ومساحة مستقلة كعائلة، والآن مع تركيب البلدية مراحيض وبنى تحتية يضمن البقاء لنا حدّاً أدنى من الكرامة مقارنة بالمراكز المذكورة التي تتحوّل سريعاً إلى سجون جماعية. أبلغتنا الأجهزة الأمنية أنه يجب أن نفرغ كل الخيام، لكننا نعترض على الانتقال في ظل عدم تأمين أدنى مقومات الحياة هناك، إذ لم يوفر أي مرحاض ولم تمدد أي أنابيب للمياه، وجرى تجهيز 76 خيمة تقريباً، وتبلغنا أنهم سيركبون نحو 110 خيام أخرى، وهذا العدد قليل جداً في هذه المنطقة التي يوجد فيها أكثر من 3000 نازح".
ويقابل تمسك النازحين بخيامهم امتعاضُ صامت وأحياناً معلن من فئات بيروتية ترى أن مشهد الخيام يشوّه منطقة "سوليدير" وواجهة العاصمة البحرية، وتخوفاً من ترسيخ بؤرة فقر جديدة قد يصعب تفكيكها مستقبلاً بعد انتهاء الحرب، تماماً كما حصل في مخيمات وأحياء عشوائية نشأت خلال الحرب الأهلية ولم تُحل معضلاتها حتى اليوم. ورفض سياسيون تحويل أي منطقة في بيروت إلى "أمر واقع جديد" يُفرض على أهلها تحت أي اسم.
في المحصلة، يجد النازح اللبناني نفسه عالقاً وسط معادلة صعبة، بين خوف حقيقي من العودة إلى مناطق الخطر المباشر أو الانتقال إلى مراكز إيواء قريبة من مناطق الخطر مثل المدينة الرياضية، وبين الرغبة الملحة في البقاء قرب البيوت والأرزاق في الضاحية الجنوبية لبيروت.

أخبار ذات صلة.
ساندرا هولر: لا أرفض أي فيلم أراه جيداً
الشرق الأوسط
منذ 3 دقائق