عربي
وصل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى العاصمة الصينية بكين، أمس الثلاثاء، بعد أربعة أيام من اختتام نظيره الأميركي دونالد ترامب زيارة هناك وسط توقعات أن يحضر بعض مباحثات شي وترامب على طاولة الرئيسين الروسي والصيني شي جين بينغ اللذين يلتقيان اليوم الأربعاء، خصوصاً مع بحث بوتين عن تطمينات بأن نتائج شي وترامب لم تفض إلى أي نتائج قد تنعكس سلباً على المصالح الروسية سواء السياسية أو الاقتصادية، لا سيما أن اعتماد موسكو اقتصادياً بات يتركز على بكين التي أصبحت المشتري الرئيس للنفط الروسي الخاضع للعقوبات.
بموازاة ذلك، ساد صمت مطبق في بكين وموسكو إزاء التسريبات التي نشرتها صحيفة فايننشال تايمز، أمس الثلاثاء، بشأن مباحثات ترامب وشي، وقول الأخير إن "الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد ينتهي به الأمر إلى الندم على غزوه أوكرانيا"، فيما لخص أحد المطلعين على لقاءات شي مع الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، أهمية ما جرى، بالقول إنه رغم أن الزعيمين أجريا محادثات "صريحة ومباشرة" حول روسيا وأوكرانيا، فإن شي لم يقدّم سابقاً تقييماً شخصياً لبوتين أو للحرب، على عكس ما يبدو أنه حدث هذه المرة مع ترامب.
فلاديمير بوتين وحرب أوكرانيا
ومنذ الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022، حاولت بكين الظهور بموقف المحايد في الحرب الأوكرانية، داعية إلى الحوار مع الامتناع عن إدانة الغزو الروسي عام 2022. كما نفت بكين مزاعم الغرب بأنها تزود موسكو بالدعم العسكري، وانتقدت بدلاً من ذلك عمليات تسليم الأسلحة الأميركية والأوروبية إلى أوكرانيا باعتبارها تطيل أمد الصراع.
واستبق بوتين الزيارة بالإشادة بالعلاقات مع الصين، مشيراً إلى أن العلاقات بين البلدين وصلت إلى مستوى غير مسبوق. وأضاف بوتين أنه "قبل 25 عاماً، وقعت روسيا والصين معاهدة حسن الجوار والصداقة والتعاون، والتي أرست أساساً متيناً لتشكيل تفاعل استراتيجي وشراكة شاملة". وأوضح أن "التحالف الاستراتيجي الروسي الصيني الوثيق يلعب دوراً لتأمين الاستقرار على الساحة العالمية". وأشار إلى أن "التبادل التجاري بين روسيا والصين يشهد نمواً متصاعداً". وذكر فلاديمير بوتين أنه "لا تزال التجارة الروسية الصينية تنمو، وقد تجاوزت منذ فترة طويلة حاجز 230 مليار دولار".
من جهته، ذكر المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، قوه جياكون في إفادة صحافية أمس الثلاثاء أن "رئيسي الدولتين سيتبادلان وجهات النظر حول التعاون الثنائي في مختلف المجالات، بالإضافة إلى القضايا الدولية والإقليمية ذات الاهتمام المشترك". وقال: "نحن على ثقة بأنه في ظل التوجيه الاستراتيجي للرئيس الصيني شي جين بينغ والرئيس الروسي فلاديمير بوتين ستترسخ الصداقة المتوارثة عبر الأجيال بين الصين وروسيا، في قلوب أبناء الشعبين".
جيانغ لي عن زيارة بوتين بعد أيام من زيارة ترامب: الأمر لا يعدو كونه مصادفة
ولفتت وكالة شينخوا الصينية إلى أن الزيارة تأتي في العام الذي يصادف الذكرى الـ30 لتأسيس شراكة التنسيق الاستراتيجية الصينية-الروسية، والذكرى الـ25 لتوقيع معاهدة حسن الجوار والتعاون الودي بين الصين وروسيا، مشددة على أن هذه المحطات "تظهر نضج ومرونة علاقة قوامها الاحترام المتبادل للمصالح الجوهرية والشواغل الرئيسية، والتعاون القائم على المنفعة المتبادلة، مع سعي كلا الطرفين إلى مسارات تنموية تتلاءم مع ظروفهما الوطنية". واعتبرت في تعليقها أنه "من المتوقع على نطاق واسع أن ترفع الزيارة العلاقات الثنائية إلى مستويات أعلى، وأن تضخ زخماً إيجابياً واستقراراً تشتد الحاجة إليه في عالم مضطرب".
وتجعل زيارة فلاديمير بوتين الصين أول دولة تستضيف قادة الدول الأربع الأخرى الأعضاء الدائمة في مجلس الأمن الدولي خلال فترة زمنية قصيرة. وكان رئيس الوزراء الفرنسي إيمانويل ماكرون قد زار بكين في ديسمبر/كانون الأول الماضي، تبعه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في يناير/كانون الثاني الماضي، قبل زيارة ترامب وبوتين. في تعليقها على ذلك، قالت وسائل إعلام صينية، إن القمتين المتتاليتين (شي وترامب - شي وبوتين) تشكلان المرة الأولى التي تستضيف فيها الصين قيادتي البيت الأبيض والكرملين في نفس الشهر خارج إطار متعدد الأطراف، مما يسلط الضوء على جهود بكين لإدارة العلاقات مع كلا البلدين ووضع نفسها قوة محورية وسط نظام عالمي متزايد التصدع.
وتوقع أستاذ العلاقات الدولية في مركز ونشوان للدراسات الاستراتيجية جيانغ لي، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن تكون الحرب الروسية في أوكرانيا حاضرة على جدول أعمال الحوار بين الزعيمين اليوم. وقال إن هذه العام يصادف الذكرى الـ30 للشراكة الاستراتيجية بين الصين وروسيا والذكرى الـ25 لمعاهدة حسن الجوار والتعاون الودي. وبالتالي تأتي الزيارة لتأكيد متانة العلاقات، واستكشاف فرص تنفيذ التعاون على مستوى استراتيجي أعلى من أجل التكيّف مع التعامل التواصل الثنائي في ظل الاضطرابات الدولية والتغيرات الجيوسياسية الراهنة.
وحول توقيت الزيارة لكونها تأتي مباشرة عقب قمة ترامب وشي، قال جيانغ، إن الأمر لا يعدو كونه مصادفة في توقيت القمتين، لأن زيارة فلاديمير بوتين كانت مجدولة وتم التنسيق لها مسبقاً، وهي تأتي جزءاً من التبادلات الروتينية بين البلدين، في حين أن زيارة ترامب كانت مقررة في مارس/آذار الماضي، وتم إرجاؤها مرتين بسبب الحرب الدائرة في منطقة الشرق الأوسط. لكن جيانغ أشار إلى نقاط مهمة، تصب في مصلحة الصين؛ منها إبراز نفوذ بكين الدبلوماسي، وقدرتها على التواصل مع القوى الكبرى في العالم والحفاظ على الاتصال بالجهات الفاعلة في أوقات متزامنة، وظروف تعصف بها الأزمات الدولية والإقليمية. ولفت إلى أن بكين لا تعتبر استقرار العلاقات مع واشنطن وتعميق التعاون الاستراتيجي مع موسكو خيارين متناقضين. بل جزءاً من دورها في الحفاظ على الاستقرار العام في علاقات القوى العظمى.
وفي حديثه للصحافيين على متن طائرة الرئاسة "إير فورس وان" بعد اجتماعه مع شي جين بينغ، أكد ترامب أن روسيا كانت جزءاً من جدول الأعمال وقال إنه اقترح اتفاقية للحد من التسلح النووي. وأضاف ترامب: "لقد طرحت فكرة اتفاق نووي ثلاثي محتمل بين الولايات المتحدة وروسيا والصين. وقد تلقيت رداً إيجابياً للغاية. هذه هي البداية". ووصف الترسانة النووية لموسكو بأنها مصدر قلق مشترك لواشنطن وبكين. كما أكد ترامب أن الحرب الروسية في أوكرانيا كانت جزءاً من المناقشات في بكين، وربطها بالاستقرار النووي والأمن العالمي الأوسع، فيما امتنع البيت الأبيض عن التعليق على معلومات "فايننشال تايمز" بشأن حديث شي عن بوتين أمام ترامب.
ورغم أن زيارة بوتين قد لا تحظى بالمظاهر الاحتفالية نفسها التي رافقت زيارة ترامب، فإن "العلاقة بين شي وبوتين لا تحتاج إلى مثل هذه المظاهر الاستعراضية"، بحسب باتريشيا كيم من معهد "بروكينغز" في واشنطن. ولفتت في حديث إلى "فرانس برس" إلى أن الجانبين ينظران إلى علاقاتهما على أنها "أقوى وأكثر استقرارا" مقارنة بالعلاقات الصينية الأميركية. ورجّحت كيم أن "يُطلع شي بوتين على تفاصيل قمّته مع ترامب". وقالت إن غياب نتائج واضحة من لقاء الرئيسين الصيني والأميركي من شأنه أن "يطمئن موسكو إلى أن شي لم يتوصّل إلى تفاهم مع ترامب قد يضرّ بالمصالح الروسية.
ياو بين: اكتسبت التجارة مع الصين أهمية متزايدة بالنسبة لروسيا منذ فرْض عقوبات غربية عليها
من جهته، قال أستاذ العلاقات الدولية في جامعة جنوب الصين، ياو بين، في حديث مع "العربي الجديد" إن التجارة مع الصين اكتسب أهمية متزايدة بالنسبة لروسيا منذ فرْض عقوبات غربية شاملة على موسكو عقب غزو أوكرانيا في فبراير/شباط 2022. وفي الوقت نفسه، ساعدت إمدادات النفط والغاز الطبيعي الروسية ثاني أكبر اقتصاد في العالم، على التخفيف من آثار انقطاعات الطاقة الناجمة عن الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، وهو نقطة اختناق للتدفقات العالمية، خلال الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران. وأشار إلى أنه في إبريل/نيسان الماضي، ارتفعت واردات الصين من روسيا بنسبة تقارب 40% على أساس سنوي لتصل إلى 13 مليار دولار، بينما ارتفعت الصادرات بنسبة 25% لتصل إلى 10 مليارات دولار.
خط أنابيب سيبيريا
وبحسب وكالة "فرانس برس"، فإن من بين الملفات المطروحة على طاولة النقاش في لقاب بوتين وشي، مشروع خط أنابيب الغاز الطبيعي "باور أوف سيبيريا 2" (قوة سيبيريا 2) الذي سيربط روسيا بالصين عبر منغوليا، كبديل بري للنفط المستورد بحرا من الشرق الأوسط، وهو مشروع تحرص موسكو على تسريعه. وفي ظلّ اعتماد روسيا على صادراتها للصين لدعم اقتصادها ومجهودها الحربي، قال لايل موريس من منظمة "آسيا سوسايتي" لـ"فرانس برس" إن "بوتين لا يريد خسارة هذا الدعم". وأضاف أن بوتين "سيكون حريصا على معرفة طبيعة الخطوات التالية للصين في الشرق الأوسط"، بعدما "أشار ترامب بوضوح إلى أنه يأمل في أن تلعب بكين دوراً قيادياً".
وفي ما يتعلّق بالحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، قد تختلف أولويات الصين وروسيا، إذ "تعتمد بكين على حرية الملاحة في الممرات البحرية العالمية لدعم أنشطتها الاقتصادية، وتفضّل إنهاء التوتر في مضيق هرمز في أقرب وقت ممكن"، بحسب جيمس تشار من جامعة نانيانغ التكنولوجية في سنغافورة. في المقابل، ترى موسكو الوضع من منظور مختلف، كونها "استفادت اقتصاديا من القتال في إيران نتيجة تخفيف القيود على إمدادات الطاقة الروسية".
