عربي
مع اقتراب عيد الأضحى، تتحوّل جولة التسوق اليومية داخل أسواق الخضراوات المصرية إلى صدمة متكررة للمستهلكين، بعدما قفزت أسعار عدد من السلع الأساسية إلى مستويات غير مسبوقة، في وقت تتوسّع فيه صادرات الحاصلات الزراعية المصرية إلى الخارج مدفوعة بسياسات حكومية تركز على زيادة التدفقات الدولارية وتعزيز الصادرات الغذائية، بينما تتراجع قدرة قطاعات واسعة من المصريين على توفير أبسط احتياجات الغذاء، وسط فجوة متسعة بين الدخول والأسعار بوتيرة غير مسبوقة.
سجلت أسعار الطماطم، السلعة الأكثر حضوراً على المائدة المصرية، قفزات حادة خلال الأيام الأخيرة، بعدما تجاوز سعرها في بعض أسواق الجملة مستوى 45 جنيهاً للكيلو، لتصل إلى المستهلك النهائي بأسعار تراوحت بين 50 و80 جنيهاً وفق المناطق ومستويات الجودة (الدولار = نحو 53 جنيهاً). لم تتوقف موجة الغلاء عند الطماطم، إذ ارتفع سعر الفلفل بأنواعه، وخاصة الألوان، إلى نحو 75 جنيهاً للكيلو والبامية بين 100 و120 جنيهاً.
وأرجع تجار في سوق العبور الأزمة الحالية إلى نقص واضح في المعروض داخل السوق المحلية، نتيجة تراجع إنتاج بعض العروات الزراعية بسبب موجات الحرارة المرتفعة، بين فصلي الربيع والصيف، إلى جانب زيادة تكاليف النقل والعمالة والأسمدة والطاقة، فضلاً عن اتجاه كميات معتبرة من الخضر للتصدير إلى الأسواق الخليجية مع زيادة الطلب قبل موسم الحج والصيف.
وقال نقيب الفلاحين حسين عبد الرحمن أبوصدام إن "أزمة ارتفاع أسعار الطماطم الحالية تعكس خللاً واضحاً في إدارة التوازن بين التصدير واحتياجات السوق المحلي"، مؤكداً أن التوسع في تصدير المحصول خلال الفترة الأخيرة كان أحد الأسباب الرئيسية وراء القفزات السعرية. وأضاف أبوصدام أن مصر صدّرت نحو 19 ألف طن من الطماطم بأسعار تقترب من ضعف السعر المحلي، ما دفع جزءاً كبيراً من الإنتاج للتوجه إلى الأسواق الخارجية، خاصة الخليج، في وقت يعاني فيه السوق المحلي من نقص المعروض وتراجع إنتاج بعض العروات بسبب ارتفاع درجات الحرارة.
تأتي أزمة الخضراوات بينما تواصل الحكومة دفع الصادرات الزراعية باعتبارها أحد مصادر النقد الأجنبي، في حين يرى خبراء زراعة أن المشهد يعكس ضعفاً في التخطيط الزراعي وغياب التوازن بين التصدير والاستهلاك المحلي، وسط مخاوف المواطنين من استمرار موجة الغلاء لتشمل الخضر الأساسية واللحوم معاً مع اقتراب العيد.
ووفق التقرير الأسبوعي الصادر عن الهيئة القومية لسلامة الغذاء عن الفترة من 9 إلى 15 مايو/أيار 2026، بلغ إجمالي الصادرات الغذائية المصرية نحو 265 ألف طن عبر 5605 رسائل غذائية، شملت الخضر والفاكهة والحاصلات الزراعية المختلفة. وتصدرت السعودية قائمة الدول المستوردة، تلتها هولندا والسودان وسورية والإمارات. وأشار التقرير إلى إصدار 2729 إذن تصدير لحاصلات زراعية لمصلحة 1448 شركة مصدرة خلال أسبوع واحد فقط، في مؤشر على التوسع الكبير في حركة التصدير الزراعي، ما دفع كثيراً من الموردين إلى تفضيل البيع الخارجي وتفضيل الطلب الخليجي المرتفع تزامناً مع الأسابيع التي تسبق الحج، ما ساهم في تقليص الكميات المطروحة محلياً.
تناقض حكومي متزايد
تكشف الأزمة الحالية عن تناقض متزايد بين أهداف الدولة التصديرية وواقع السوق المحلية، في وقت حذّر فيه المركز المصري للدراسات الاقتصادية من هشاشة متصاعدة في منظومة الغذاء والزراعة بمصر؛ حيث اعتبر المركز أن استمرار السياسات الحالية سيزيد اعتماد مصر على الاستيراد ويعمق هشاشة الأمن الغذائي، مؤكداً أن القطاع الزراعي لم يعد قادراً على مواكبة النمو السكاني السريع. وأوضح أن الزراعة لا تزال تمثّل نحو 14% من الناتج المحلي الإجمالي وتوفر فرص عمل لنحو خُمس القوة العاملة، لكنها تواجه فجوة متزايدة بين الإنتاج والاستهلاك، خاصة في ظل توقعات وصول عدد السكان إلى 160 مليون نسمة بحلول عام 2050، وتعرض الموارد المائية والرقعة الزراعية لضغوط متصاعدة بفعل التغيرات المناخية والتوسع العمراني وارتفاع درجات الحرارة وملوحة التربة. وانتقد التقرير اعتماد الحكومة على التوسع في الاستيراد للحفاظ على استقرار السوق، معتبراً أن هذه المقاربة جعلت الاقتصاد المصري أكثر حساسية للصدمات الخارجية وتقلبات الأسعار العالمية وسلاسل الإمداد.
