عربي
في واقعة أثارت علامات استفهام عديدة حول أداء القضاء اللبناني وحدود حرية التعبير، صدر قرار قضائي بتوقيف الناشطة في مجال الدفاع عن الحياة البرية وحقوق الحيوانات في لبنان غنى نحفاوي، وذلك على خلفيّة رفضها حذف منشور على مواقع التواصل الاجتماعي تضمّن تسجيل فيديو يوثّق إساءة إلى كلب في بلدة العزونية بقضاء عاليه التابع لمحافظة جبل لبنان.
وفي التسجيل الذي أثار موجة استنكار واسعة، والذي نشرته الناشطة في 28 إبريل/ نيسان الماضي، تظهر سيارة وهي تسير على أحد الطرقات فيما تسحل وراءها كلباً رُبط بها بواسطة حبل، مع العلم أنّها أبرزت رقم السيارة لتكشف عن هويّة صاحبها. على أثر ذلك، سُجّلت استنكارات إزاء كشف نحفاوي هوية مرتكب هذا الانتهاك بدلاً من استنكار ما ارتكبه هو بحقّ الحيوان المسحول.
واستُدعيت الناشطة للتحقيق بعد شكوى، بحسب ما أعلنت في تدوينة أخرى نشرتها في 17 مايو/ أيار الجاري، موضحةً أنّها ستحضر إلى المركز الأمني المذكور في الاستدعاء "في الموعد المحدّد، لأوضح موقفي بكلّ احترام، لأنّ التسبّب في معاناة حيوان يخالف قانون الرفق به 47/2017 ولإيماني بأنّ استنكاره هو حقّ لكلّ إنسان".
وهذا ما حصل بعد يومَين، في 19 من مايو الجاري، وقد قرّر مدّعي عام جبل لبنان القاضي سامي صادر إطلاق سراح الناشطة في مجال الدفاع عن الحياة البرية وحقوق الحيوانات بسند إقامة، في خطوة أعادت الملفّ إلى مساره القضائي الطبيعي، في انتظار استكمال التحقيقات.
تلقيت اتصالاً الجمعة 15/5/2026 من مخفر بعبدا يعلمني بضرورة الحضور يوم الثلاثاء 19/5/2026 بسبب شكوى قدح وذم و"إثارة الشعور الديني" تقدم بها حضرة الشيخ سمير شرف الدين، على خلفية منشوري حول واقعة ربط كلب خلف سيارة وجرّه.
سأحضر إلى المخفر في الموعد المحدد لأوضح موقفي بكل احترام، لأن… https://t.co/htUHnr48pB
— Ghina (@GhinaNahfawi) May 17, 2026
وتفيد المعطيات المتوفّرة بأنّ الشكوى بحقّ غنى نحفاوي قُدّمت من الشيخ سمير شرف الدين، وذلك بسبب ما وصفه الأخير بـ"القدح والذم" وبـ"إثارة الشعور الديني"، على خلفية إعادة الناشطة نشر التسجيل والتعليق عليه. وقرّر قاضي التحقيق الأول في بيروت بلال حلاوي، اليوم الثلاثاء 19 أيار/مايو، توقيف نحفاوي، بعد رفضها الامتثال لطلب حذف المنشور، ما أدى إلى استدعائها أولاً إلى مخفر بعبدا بناءً على إشارة قضائية، قبل أن يُصار إلى توقيفها.
ويقول المحامي علي عباس لـ"العربي الجديد" إنّ التهمة الموجّهة إلى غنى نحفاوي، بدعوى جرائم قدح وذم وإثارة الشعور الديني، "تهدف إلى إسكات الأشخاص الذين يعبّرون عن آرائهم ويدافعون عن حقوق إنسانية"، مشيراً إلى أنّ الناشطة رفضت التوقيع على تعهّد، لذلك جرى توقيفها. ويصف عباس ذلك بأنّه "مخالفة للقانون ولمبدأ التوقيف الاحتياطي، ولا سيّما أنّ الجرم المنسوب إليها (نحفاوي) يُعاقَب عليه بسنة حبس واحدة كحدّ أقصى، ما لا يبرّر التوقيف الاحتياطي وفقاً للأصول". ويضيف المحامي أنّ ما جرى هو محاولة ضغط على الناشطة لإجبارها على حذف المنشور، مضيفاً أنّ ذلك "أسلوب يقترب من منطق الدولة البوليسية؛ إذ يُقال لها: سوف يُصار إلى توقيفك إذا لم تحذفي المنشور".
ويشرح عباس أنّ في إمكان الجهة المدعية، في الحدّ الأقصى، المطالبة بتعويضات عن ضرر ما، غير أنّ اللجوء إلى هذا النوع من الإجراءات الجزائية في قضايا تتّصل بحرية التعبير "يمسّ مباشرة بحرية الرأي"، خصوصاً عندما يكون الموضوع إنسانياً وقد أثار ردّات فعل واسعة النطاق. ويشدّد على أنّ من حقّ الناشطة الدفاع عن قضايا تتعلّق بتعنيف الحيوانات، ولا يجوز تحويلها إلى متّهمة لمجرّد ممارستها ذلك، قائلاً إنّ "من يدافع عن الحقوق لا ينبغي أن يُوضَع في موقع الاتهام بدلاً من الجاني الحقيقي".
ويلفت المحامي إلى أنّ الملف صار أمام القضاء المختص، وسوف تُعقَد جلسات بحضور المحامين، ويُتّخذ القرار النهائي بشأن توفّر الجرم من عدمه، مرجّحاً ألا يتكرّر التوقيف، وأن تكون العقوبات، في حال ثبوت أيّ مسؤولية على الناشطة، محصورة في إطار التعويضات المدنية عند الاقتضاء.
من جهتها، تقول الناشطة في الشأن الإنساني والمتخصّصة الصحية الاجتماعية رنا غنوي إنّ "من غير الممكن استدعاء كلّ من ينشر تدوينة للإضاءة على أمر أو فساد ما، أو توقيفه على هذا الأساس"، وتشير إلى أنّ هذه ليست المرّة الأولى التي تتعرّض فيها غنى نحفاوي للتوقيف، "بسبب تسليطها الضوء على قضايا فساد وانتهاكات".
تضيف غنوي أنّ "تجيير الأمور سياسياً أو مذهبياً أو دينياً يُستخدم في الغالب وسيلة لإسكات الأصوات الحقوقية والتي تحكي الحقيقة، ولتقليص مساحة عمل الناشطين، على الرغم من أنّ العمل الاجتماعي هو الذي يُحدث أثراً فعلياً في لبنان"، وتتابع: "للأسف، في لبنان، يُصار إلى إسقاط قضايا كثيرة حين تُسَيَّس أو تُمَذهَب"، مشدّدةً على أنّ "حقّ غنى لن يُسقَط وصوتها لن يُسكَت".
في السياق نفسه، عبّر نقيب الأطباء البيطريين في لبنان إيهاب شعبان عن استنكاره لتوقيف الناشطة غنى نحفاوي، مشدّداً على أنّ ما قامت به يندرج في إطار الدفاع عن حيوان تعرّض للتعنيف، وليس في إطار الإساءة أو القدح والذمّ. ورأى، في تصريحات إعلامية، أنّ "التعبير عن رفض مشاهد العنف ضدّ الحيوانات والمطالبة بمحاسبة المرتكبين لا يجب أن يُحوَّل إلى تهمة".
أضاف شعبان أنّ حماية الحيوانات من التعنيف ليست موقفاً شخصياً بل "واجب أخلاقي وقانوني"، مبيّناً أنّ ملاحقة الناشطين بدلاً من التحقيق في واقعة إساءة موثّقة "يطرح إشكاليات جدية حول الأولويات القضائية". وقال النقيب إنّ "مقياس رقيّ المجتمعات هو في مدى احترامها للحياة، بما فيها حياة الحيوان"، محذّراً من أنّ استخدام تهم القدح والذم أو إثارة الشعور الديني لإسكات الأصوات الناشطة في هذا المجال يمثّل "سابقة مقلقة".

أخبار ذات صلة.
برشم يتوج بذهبية الوثب العالي في بطولة آسيا
الشرق الأوسط
منذ 42 دقيقة