يمن مونيتور/ إفتخار عبده
في وقت يعاني فيه القطاع الصحي في اليمن من شلل شبه تام جراء سنوات الحرب العجاف، شهدت العاصمة السعودية الرياض انعقاد الاجتماع الثالث لمجموعة التنسيق الدولية للصحة في اليمن، بتنظيم مشترك بين البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، ووزارة الخارجية والتنمية البريطانية، ووزارة الصحة اليمنية.
ضم هذا الاجتماع، الذي أقيم في منتصف شهر مايو الجاري، أكثر من 20 ممثلًا عن وكالات الأمم المتحدة والجهات المانحة، في تحركٍ دبلوماسي رفيع يسعى لتوحيد أولويات التدخلات الطبية، ومواءمة البرامج الإنسانية والتنموية تحت مظلة الاستراتيجية الوطنية الجديدة للصحة (2026 ـ 2030).
أرقام صادمة وفجوة تمويلية
وفي قلب النقاشات، برزت الأرقام الصادمة لتؤكد عمق الأزمة؛ حيث كشف وزير الصحة الدكتور قاسم بحيبح أن أكثر من 18 مليون يمني ما يزالون بحاجة ماسة للخدمات الصحية الأساسية، في ظل فجوة تمويلية حادة للقطاع بلغت 66% مقارنة بتمويلات العام الماضي.
ودعا الوزير المجتمع الدولي لدعم الإصلاحات الحكومية الأخيرة، بما في ذلك تفعيل “صندوق الصحة” لمعالجة العجز التمويلي، وضمان توجيه الدعم نحو سد الفجوات التشغيلية الحرجة في المناطق الأكثر هشاشة.
تعهدات دولية ومشاريع واعدة
وخلال الاجتماع، أعلن المشرف العام على البرنامج السعودي، السفير محمد آل جابر، عن بدء تشغيل مدينة الملك سلمان الطبية بالمهرة هذا العام، إلى جانب مشاريع مستمرة كمستشفى حضرموت الجامعي ومستشفيات ريفية في تعز والضالع.
من جانبها جددت سفيرة المملكة المتحدة “عبده شريف” التزام بلادها بدعم الشعب اليمني، معلنةً عن تخصيص تمويل بريطاني جديد بقيمة 25 مليون جنيه إسترليني لتعزيز الرعاية الصحية الأولية، لا سيما للأمهات والأطفال.
وفي السياق ذاته، قالت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) في بيان لها: “إن نصف سكان اليمن محرومون من الحصول على الخدمات الصحية الأساسية، وإن النظام الصحي لا يزال يواجه ضغوطًا هائلة”.
أزمة الكوادر وغياب المرتبات
وتعليقًا على هذا الوضع، قال تيسير السامعي، المسؤول الإعلامي لمكتب الصحة بتعز، لـ “يمن مونيتور”: “إن أبرز الجوانب التي يعاني منها القطاع الصحي في اليمن هي ضعف الإمكانيات، ونقص الموازنات التشغيلية للمرافق، وقلة الكوادر الطبية الناتجة عن ضعف المرتبات؛ فالكثير من الكوادر، وإن توفرت، لا تستطيع الحصول على رواتب كافية”.
وأوضح السامعي أن “القطاع الصحي يعاني من أزمات كبيرة تُعد نتاجاً للوضع العام الذي يعيشه البلد جراء سنوات الحرب، بالإضافة إلى واقع الحكومة التي لم تستطع النهوض بهذا الجانب نتيجة تراكم الأزمات في شتى المجالات”.
بصيص أمل في الدعم السعودي
ورغم ذلك، يرى السامعي في الاجتماع الثلاثي الذي احتضنته الرياض نوعًا من الأمل، قائلاً: “أعتقد أن الأشقاء في المملكة العربية السعودية هم أكثر الناس دعمًا للقطاع الصحي، سواء عبر البرنامج السعودي أو من خلال مركز الملك سلمان للإغاثة، وهناك مشاريع صحية عملاقة تتبناها المملكة”.
وأشار إلى أن من أهم هذه المشاريع التي تقدم خدمات جليلة لليمنيين هو “مستشفى الأمير محمد بن سلمان” في عدن، إلى جانب العديد من البرامج التي تؤكد وقوف المملكة للتخفيف من معاناة الشعب اليمني.
ولفت السامعي إلى أن “صندوق الصحة” الذي أُنشئ بقرار من رئيس مجلس القيادة الرئاسي، يمتلك دورًا كبيرًا في المرحلة الحالية، مؤكدًا أن مطالبة الوزير بدعم هذا الصندوق وتوفير آلية مناسبة ومستدامة هي خطوة رائعة وإيجابية لتطوير القطاع.
معضلة الهيكل الإداري والشفافية
من زاوية أخرى، يرى الصيدلاني عيدروس صادق أن الاجتماع الدولي يمثل فرصة مهمة جاءت في لحظة حرجة يعيش فيها القطاع واحدة من أسوأ مراحله.
وأضاف صادق لـ “يمن مونيتور”: “معاناة المريض تمتد من البحث عن سرير في مستشفى مزدحم، إلى طول الانتظار، وارتفاع التكلفة، وضعف الاستجابة، وتراجع جودة الخدمة، وليس فقط نقص الأدوية أو ارتفاع أسعارها”.
وأشار إلى أنه في الوقت الذي يفترض فيه أن يكون العلاج حقًا متاحًا، يكابد المريض واقعًا قاسيًا يدفع فيه أعلى التكاليف مقارنة بظروفه المعيشية، دون الحصول على رعاية تليق بحجم أعبائه.
وأوضح صادق أن جوهر الأزمة لم يعد يكمن في نقص الدعم فقط، بل في قدرة المنظومة على تحويل هذا الدعم إلى خدمة حقيقية تصل للمواطن؛ مؤكداً أن أي تمويل خارجي سيظل محدود الأثر إذا استمرت الإشكالات الداخلية المتمثلة في: تعدد مراكز القرار؛ وغياب الإدارة الصحية الموحدة، ضعف الشفافية والرقابة والمحاسبة، وتداخل المصالح التي تضعف النظام”.
وشدد صادق على أن الأمل في تحسين القطاع الصحي لا يزال معلقًا بين الداخل والخارج؛ وعليه فإن اجتماع الرياض ليس حلًا بحد ذاته بل هو اختبار حقيقي؛ فإما أن تتحول هذه الفرصة إلى إصلاح فعلي يمس جذور الأزمة، أو تظل مجرد دعم مؤقت ومحدود.
واختتم تصريحه بالقول: “أملنا كمواطنين ومتخصصين أن تُترجم هذه الجهود إلى واقع ملموس، يجد فيه المريض رعاية كريمة؛ طبيبًا كـملاك رحمة، وصيدليًا كـحكيم دواء، ومستشفى يكون بحق دارًا للشفاء، لا محطة انتظار للألم والمعاناة”.
The post ترياق خارجي لجسد منهك…هل تشفي الجهود الدولية آلام القطاع الصحي في اليمن؟ ( تقرير خاص) appeared first on يمن مونيتور.