ذكرى النكبة الـ 78: تهجير غزة بعد الإبادة
عربي
منذ ساعة
مشاركة
يعيش الفلسطيني توفيق أبو الشعر على وقع ظروف هي الأقسى منذ النكبة الفلسطينية عام 1948 نتيجة لحرب الإبادة التي شنها الاحتلال الإسرائيلي على مدار عامين، ارتكب خلالها مجازر جماعية وعمليات تهجير داخل قطاع غزة. وبالتزامن مع حلول ذكرى النكبة الـ78، يمني أبو الشعر نفسه أن يعيش الفلسطينيون واقعاً يتناسب مع أحلامهم وطموحاتهم في ظل الأوضاع المزرية التي وصلت إليها القضية الفلسطينية بفعل الاحتلال. وأفرزت حرب الإبادة التي شنها الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة سلسلة من المشاريع والخطط، التي تتمحور في جوهرها حول تهجير الفلسطينيين، إما كرهاً أو طوعاً، خارج أرضهم، حيث برزت خطة الجنرالات و"عربات جدعون" الأولى والثانية إلى جانب خطة الفقاعات الإنسانية بوصفها خططاً استهدفت الوجود الفلسطيني. ورغم فشل هذه الخطط في تهجير سكان القطاع إلا أن الظروف المعيشية المأساوية وواقع التحكم الإسرائيلي في مجريات الحياة يجعلان خطط التهجير حاضرة ومتجددة بين فترة وأخرى وبأشكال متعددة. النكبة لم تتوقف عند 1948 توفيق أبو الشعر: ما نعيشه اليوم هو من أقسى النكبات وأكبرها خاصة مع مرارة النزوح والتشريد وفقدان الأمان يقول أبو الشعر، لـ"العربي الجديد"، إن النكبة "لم تتوقف عند عام 1948، بل تلتها نكبات وحروب متواصلة على قطاع غزة"، مشيراً إلى الحروب التي شهدها القطاع في أعوام 2008 و2009 و2014 و2021، قبل أن يصل الفلسطينيون اليوم إلى ما وصفه بـ"النكبة الكبرى" المتمثلة في حرب الإبادة الجماعية الحالية. ويضيف: "ما نعيشه اليوم هو من أقسى النكبات وأكبرها، خاصة مع مرارة النزوح والتشريد وفقدان الأمان"، موضحاً أنه تعرض للنزوح نحو 17 مرة منذ بداية الحرب جراء عمليات الإخلاء المتكررة بفعل الإبادة. ويذكر أنه نزح من جباليا في شمال القطاع إلى مدينة غزة، ثم إلى غرب غزة وبعدها إلى الجنوب، ثم عاد إلى الشمال قبل أن ينزح منه مجدداً، مبيناً أن "هذا الحجم من النزوح والمعاناة غير مسبوق في تاريخ الشعب الفلسطيني، بل وفي التاريخ المعاصر". ويأمل أبو الشعر أن "تنتهي هذه النكبات والحروب، وأن يعيش الفلسطينيون بسلام واطمئنان بعد كل ما تعرضوا له من مآسٍ وتشريد، وأن يحصلوا على حقهم في بلدهم وأرضهم بعد كل هذه التضحيات". وبحسب بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني الصادرة عشية ذكرى النكبة الفلسطينية، فإن تعداد سكان غزة يبلغ 2.13 مليون نسمة فيما كان قبل الحرب الإسرائيلية على غزة يبلغ 2.2 مليون نسمة، ما يعكس حجم الفقد نتيجة الإبادة. ووفق البيانات ذاتها فقد تضرر أكثر من 198 ألف مبنى، منها أكثر من 102 ألف مبنى مدمر كلياً في قطاع غزة. وتقدر أعداد الوحدات السكنية التي تم تدميرها، بشكل كلي أو جزئي، بما لا يقل عن 330,000 وحدة سكنية، تشكل في مجموعها أكثر من 70% من الوحدات السكنية في قطاع غزة، إضافة إلى تدمير المدارس والجامعات والمستشفيات والمساجد والكنائس والمقرات الحكومية، وآلاف المباني من المنشآت الاقتصادية، وتدمير كافة مناحي البنى التحتية من شوارع وخطوط مياه وكهرباء، وخطوط الصرف الصحي، وتدمير الأراضي الزراعية، ليجعل من قطاع غزة مكاناً غير قابل للعيش. وأجبرت الحرب ما يقارب مليونَيْ فلسطيني على النزوح داخل قطاع غزة وسط ظروف معيشية صعبة، حيث يواجه السكان على الصعيد المائي في بعض مناطق غزة معاناة شديدة، إذ انخفض الوصول إلى المياه إلى ما بين 3 ــ 5 لترات للفرد يومياً طوال فترات العدوان، وهو مستوى أقل بكثير من الحد الأدنى الإنساني اللازم للبقاء على الحياة البالغ 15 لتراً للفرد يومياً وفق المعايير الإنسانية الدولية. وعلى صعيد المساحة الجغرافية كانت مساحة القطاع قبل الإبادة تبلغ 365 كيلومترا مربعا، فيما لا تزيد المساحة الجغرافية الحالية التي يوجد عليها السكان عن 36% بعدما وسع الاحتلال الإسرائيلي مؤخراً الخط الأصفر، وتجاوزت السيطرة الفعلية على الأرض 64%. وأفاد مكتب الإعلام الحكومي "العربي الجديد" بأن عدد المسافرين الفعليين عبر معبر رفح البري ذهاباً وإياباً بلغ منذ أن تم الإعلان عن فتحه في فبراير/شباط الماضي، 5108 مسافرين من أصل 15200 مسافر كان من المفترض سفرهم، أي بنسبة التزام بلغت 33.6%. وهم يتوزعون على الشكل التالي: إجمالي عدد المسافرين 2717 بنسبة 53%، والعائدين 2391 بنسبة 47%، فيما بلغ إجمالي عدد المُرجعين 88 مسافراً. كما أفادت الهيئة العامة للمعابر والحدود "العربي الجديد" بأنه عندما فتح المعبر بتاريخ 1 نوفمبر /تشرين الثاني 2023، وأعيد إغلاقه في 6 مايو/أيار 2024، غادر تقريباً 130 ألف شخص، ما بين مرضى وجرحى وأجانب. قسوة النكبة تزداد مع حرب الإبادة أما همام أبو منير، فيرى أن أهالي قطاع غزة يعيشون "نكبة مستمرة" منذ سنوات، تزداد قسوة مع حرب الإبادة الحالية، وما رافقها من نزوح وتشريد وفقدان للأمان والاستقرار بفعل العدوان الإسرائيلي. ويضيف أبو منير، لـ"العربي الجديد" أن الفلسطينيين في غزة عايشوا نكبة وأوضاع قد تفوق ما جرى عام 1948، بفعل الإبادة الإسرائيلية وحجم الجرائم التي ارتكبت على مدار عامين، مبيناً أن الحرب من الناحية العملية لم تنته. ويوضح أنه تعرض للنزوح أكثر من 15 مرة منذ بداية الحرب، قائلاً: "أنا شخصياً نزحت نحو 15 مرة، وهذا بحد ذاته نكبة متواصلة، لكن رغم كل ذلك ما زلنا متمسكين بأرضنا ونريد العودة إلى مناطقنا". ويشير إلى أنه من سكان حي الشجاعية شرقي مدينة غزة، لكنه لا يستطيع العودة إلى منزله بسبب سيطرة الاحتلال على المنطقة، مضيفاً: "هذه نكبة جديدة بالنسبة إلينا، أن تصبح ممنوعاً من العودة إلى المكان الذي تربيت وعشت فيه". سياسات للتهجير من جانبه، يقول عضو المكتب السياسي في حركة حماس عبد الجبار سعيد، إن الحركة ما زالت تحذر من سياسات الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة، والتي تهدف إلى دفع الشعب الفلسطيني نحو التهجير، عبر التضييق على الناس ومحاولة دفعهم للجوء للاحتلال والعصابات التي يدعمها في بعض المناطق التي يحتلها داخل القطاع. ويضيف سعيد، في حديثه لـ"العربي الجديد"، أن "هذه السياسة هي ذاتها التي ينتهجها الاحتلال في الضفة الغربية، ولكن بشكل أكثر توحشاً، خصوصاً عبر التوسع الاستيطاني والاعتداء على المواطنين والضغط عليهم لدفعهم إلى ترك قراهم ومدنهم، بل والهجرة خارج فلسطين". عبد الجبار سعيد: الاحتلال فشل حتى الآن في كسر إرادة الفلسطينيين أو فرض مخطط التهجير رغم حرب الإبادة ويؤكد أن الاحتلال "فشل حتى الآن في كسر إرادة الفلسطينيين أو فرض مخطط التهجير، رغم حرب الإبادة والتجويع والحصار والدمار الواسع في قطاع غزة"، مشدداً على أن "صمود الشعب الفلسطيني وثباته على أرضه هو العامل الأساسي في إفشال هذه المخططات". ويشدد على أن الفلسطينيين في مختلف مناطق وجودهم لا بديل لهم إلا الصمود ومواجهة المخططات الإسرائيلية، أو محاولات دفعهم للتهجير، مشيراً إلى أهمية رفض أي محاولات للتهجير، سواء إلى سيناء أو خارج فلسطين. أما الناطق باسم حركة فتح منذر الحايك فيقول، لـ"العربي الجديد"، إن ذكرى النكبة تأتي في ظل "ظروف معقدة وخطيرة على المستويين الوطني والسياسي"، مشيراً إلى أن قطاع غزة "يعيش واقعاً ميدانياً صعباً في ظل سيطرة الاحتلال الإسرائيلي على مساحات واسعة من القطاع". ويوضح الحايك أن الاحتلال "ماضٍ في تنفيذ مشاريعه على الأرض، وخاصة في المناطق الشرقية من قطاع غزة، ضمن ما يُعرف بخطة عربات جدعون"، مضيفاً أن "ما يحدث في مناطق الشجاعية والتفاح وغيرها يظهر حجم الدمار الهائل، إلى جانب إقامة خندق طويل يمتد لعشرات الكيلومترات بين حدود الرابع من يونيو/حزيران 1967 وشارع صلاح الدين، مع إنشاء سواتر وتحصينات عسكرية في مناطق المنطار وجبل الريس وجبل الكاشف". ويضيف أن "الاحتلال يواصل السيطرة على مناطق بيت حانون ورفح، في إطار مخطط واضح تسعى إسرائيل من خلاله إلى فرض واقع جديد تعتبر فيه هذه المناطق حدوداً لدولة الاحتلال، وهو ما يكشف أن الهدف النهائي لهذه السياسات هو تهجير الشعب الفلسطيني". ويؤكد الحايك أن "سياسة التهجير ليست جديدة، بل قائمة منذ سنوات، لكنها تتصاعد اليوم، عبر الحصار وإغلاق المعابر والتحكم بالمياه والمساعدات الإنسانية إلى جانب القصف المستمر وخلق حالة دائمة من انعدام الأمن والاستقرار"، مشيراً إلى أن نحو مليون ونصف المليون فلسطيني يعيشون في الخيام بالمناطق الغربية من قطاع غزة، وسط غياب أي أفق حقيقي للإعمار أو العودة إلى مناطقهم. وفيما يتعلق بالوضع الفلسطيني الداخلي، يدعو الحايك إلى الوحدة الوطنية ووحدة الفصائل تحت إطار منظمة التحرير الفلسطينية، معتبراً أن "البحث عن أدوار سياسية منفصلة في قطاع غزة بعيداً عن المرجعية السياسية المتمثلة بالسلطة الوطنية الفلسطينية يمثل خطراً حقيقياً ويخدم مخطط الانفصال بين الضفة الغربية وقطاع غزة". فشل إسرائيلي مصطفى البرغوثي: العنصر الرئيسي الذي سيفشل المخطط الإسرائيلي ويمنع حدوث نكبة ثانية هو صمود الشعب الفلسطيني في الوقت ذاته، يرى الأمين العام لحركة المبادرة الوطنية مصطفى البرغوثي أن الاحتلال فشل في مخططاته الرامية للتهجير، بالرغم من حرب الإبادة التي قام بها وعمليات التطهير العرقي منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 وحتى الآن في قطاع غزة إلى جانب فشله في الضفة. ويقول البرغوثي، لـ"العربي الجديد"، إن "العنصر الرئيسي الذي سيفشل المخطط الإسرائيلي ويمنع حدوث نكبة ثانية هو صمود الشعب الفلسطيني وبقاؤه على أرض وطنه، إلى جانب تجنيد كل الطاقات الفلسطينية في الداخل والخارج، وتسخير كل الإمكانات لدعم صمود الناس وبقائهم في فلسطين". ويضيف أن "الحركة الصهيونية تدرك أنها ستفشل ما لم تنفذ مشروع التهجير، فيما يفهم الشعب الفلسطيني أن تهجيره من أرضه يعني عملياً نهاية القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني، ولذلك فإن المعركة الأساسية اليوم تدور حول بقاء الفلسطينيين على أرضهم وصمودهم". ويوضح البرغوثي أن ذلك "يتطلب تغييراً جذرياً في السياسات، خصوصاً بعدما أصبح واضحاً أن إسرائيل أنهت اتفاق أوسلو ومزقته وألقته في سلة المهملات، ولم يعد هناك أي مبرر للخلاف الداخلي الفلسطيني، بل يجب أن يتوحد الجميع على برنامج ورؤية وطنية مقاومة للمخطط الصهيوني والإسرائيلي". ويشير إلى أن "أولى خطوات التوحيد هي تنفيذ الاتفاقات الوطنية، ثم العمل بشكل موحد لتوفير كل الموارد الممكنة لدعم صمود الناس وبقائهم"، محذراً من أن الوضع الفلسطيني "يمر بحالة خطيرة للغاية، في ظل تدهور شديد في الأحوال المعيشية". ويعتبر البرغوثي أن الشعب الفلسطيني "يعيش أخطر مرحلة منذ نكبة عام 1948"، قائلاً: "الصراع اليوم هو صراع بقاء، والشعب الفلسطيني يتعرض لخطر وجودي غير مسبوق، ولذلك لا يجوز لأي طرف أن يتراخى في وضع كل طاقاته في اتجاه التصدي لهذا التحدي الخطير".

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية