عربي
لم يعد التدوير في غزة مفهوماً بيئياً مرتبطاً بالحفاظ على الطبيعة أو تقليل النفايات، بل أصبح جزءاً من اقتصاد الضرورة الذي فرضته الحرب والحصار وانقطاع الإمدادات. فوسط الدمار الواسع وشح المواد الخام وإغلاق المعابر، وجد الغزيون أنفسهم أمام خيار وحيد يتمثل في إعادة استخدام كل ما يمكن إنقاذه من الركام للبقاء على قيد الحياة.
ومع تعثر عمليات إعادة الإعمار وغياب المواد الأساسية من الأسواق، تحولت الأنقاض إلى مخزون اقتصادي بديل؛ فالأخشاب المكسرة، والحديد المستخرج من المباني المهدمة، وبراميل البلاستيك التالفة، كلها باتت تدخل في دورة إنتاج جديدة تلبي احتياجات السكان اليومية، وتقلّل الاعتماد على سوق يعاني من اختلالات حادة وارتفاع غير مسبوق في الأسعار.
ويرى مختصون أن ما يجري اليوم في غزة يمثل شكلاً اضطرارياً من "الاقتصاد الدائري"، حيث تُعاد الاستفادة من مخلفات الحرب والنفايات في إنتاج أدوات للحياة اليومية، في محاولة لتعويض غياب المواد الخام وشلل القطاعات الإنتاجية.
ترميم من أجل البقاء
في أحد أحياء مدينة غزة المدمرة جزئياً، يقف الفلسطيني هيثم عبد القادر أمام منزله الذي فقد جدرانه خلال الحرب، محاولاً إعادة ترميم ما يمكن ترميمه باستخدام بعض أنواع الأخشاب والنايلون لتكون بديلاً مؤقتاً عن الجدران المهدمة. ويقول عبد القادر لـ"العربي الجديد" إن الانتظار الطويل لفتح المعابر أو بدء إعادة الإعمار دفعه إلى البحث عن حلول بديلة تحفظ الحد الأدنى من الحياة لعائلته.
ويضيف: "اضطررنا لاستخدام الأخشاب والنايلون حتى نستطيع العيش داخل المنزل بدل البقاء في ظروف أصعب، فلا توجد مواد بناء وكل شيء أصبح نادراً أو مرتفع الثمن، لذلك حاولنا الاستفادة من أي شيء متوفر".
ولم تتوقف محاولات عبد القادر عند ترميم منزله فقط، بل صنع أيضاً كراسي خشبية وطاولة بسيطة لوضع حاجيات المطبخ عليها، مستفيداً من الأخشاب المتوفرة.
وتُظهر تقديرات أممية حجم الكارثة المادية التي خلفتها الحرب، إذ تشير بيانات صادرة عن الأمم المتحدة إلى أن كمية الركام والأنقاض الناتجة عن الدمار في قطاع غزة تقدر بنحو 68 مليون طن، وهو رقم يعكس حجم التدمير الواسع للبنية التحتية والمنازل والمنشآت الاقتصادية.
حدادة الركام
وفي شمال غزة، عاد الحداد عماد الغرباوي إلى العمل رغم تدمير ورشته خلال الحرب، حيث بدأ بإعادة تدوير الحديد المستخرج من تحت الأنقاض لصناعة احتياجات أساسية للسكان، مثل الطاولات الحديدية والخزانات والأبواب. ويؤكد الغرباوي لـ"العربي الجديد" أن الطلب على هذه المنتجات ارتفع مع صعوبة دخول المواد الخام وارتفاع أسعارها بشكل كبير.
ويقول إن أكبر التحديات التي تواجهه تتمثل في كلفة الكهرباء، موضحاً أن سعر "كيلو الكهرباء" عبر المولدات وصل إلى نحو 28 شيكلاً، بعدما كان قبل الحرب أقل من 3.5 شيكلات فقط، ما أدى إلى ارتفاع تكاليف عمليات التدوير والتصنيع، كما يشكو من صعوبة توفير أسياخ اللحام والأدوات الأساسية اللازمة للعمل، بسبب استمرار القيود على دخول البضائع.
ورغم تلك الصعوبات، يصر الغرباوي على مواصلة العمل، قائلاً: "عودتي للعمل جاءت من حاجة الناس الملحة للترميم، وفي الوقت نفسه لأستطيع توفير قوت أطفالي في ظل الغلاء الكبير؛ فالناس اليوم يبحثون عن أي بديل أقل كلفة، ونحن نحاول استغلال الحديد الموجود تحت الركام لإنتاج أشياء تخدمهم".
مجالات متعددة في غزة
لا تقتصر عمليات التدوير في غزة على الأخشاب والحديد فقط، بل امتدت إلى مجالات متعددة فرضتها ظروف الحرب والحصار. ففي ظل أزمة الوقود وانقطاع مصادر الطاقة، يلجأ بعض السكان إلى استخدام النفايات بطرق بدائية لإنتاج طاقة محدودة أو وقود بسيط يساعدهم على الطهي أو تشغيل بعض الاحتياجات الأساسية.
كما تُجمع نوافذ الألمنيوم المتضررة وتُصهر بوسائل محلية، ثم يُعاد سكبها لإنتاج قطع تستخدم بدلاً لقطع غيار السيارات أو لإصلاح المركبات بطرق بسيطة، في ظل شبه انعدام دخول القطع الأصلية إلى القطاع. كذلك يُعاد استخدام حديد البناء المستخرج من المباني المدمرة في صناعة هياكل للخيام أو دعامات للمساكن المؤقتة.
أما براميل البلاستيك التالفة، فأصبحت مادة خاماً مهمة في السوق المحلية، إذ تُقص وتُعاد معالجتها لتتحول إلى "برابيش" (خراطيم) مياه ومواسير تستخدم في نقل المياه داخل المناطق المتضررة، خاصة مع تدمير أجزاء واسعة من شبكات المياه والبنية التحتية خلال الحرب.
وفي محاولة لتطوير هذا الواقع نحو حلول أكثر استدامة، تمكن الريادي الفلسطيني صلاح بعلوشة من تصنيع ماكينة محلية تعمل على إعادة تدوير النفايات البلاستيكية وتحويلها إلى مواد قابلة لإعادة الاستخدام وصديقة للبيئة، رغم ضعف الإمكانيات وشح الموارد المتاحة داخل القطاع.
ويقول بعلوشة لـ"العربي الجديد" إن فكرة المشروع جاءت نتيجة تراكم النفايات البلاستيكية في الشوارع ومراكز الإيواء، إلى جانب الحاجة المتزايدة لمواد بديلة يمكن استخدامها محلياً. ويوضح أن الماكينة تعمل بنظام ضغط هيدروليكي باستخدام بطارية 12 فولت، ما يجعلها حلاً عملياً في ظل أزمة الكهرباء المستمرة.
تدوير قسري
من جهته، يقول المختص في الشأن الاقتصادي عمر صلوحة إن ما يجري في غزة حالياً لا يمكن اعتباره "نظام تدوير صناعي متكاملاً" بل هو محاولة يومية لتحويل بقايا الدمار إلى أدوات للحياة، وإبقاء الواقع الاقتصادي قائماً بأبسط الإمكانيات الممكنة.
ويوضح صلوحة لـ"العربي الجديد" أن ما يحدث يعد شكلاً مصغراً واضطرارياً من "الاقتصاد الدائري"، وهو نموذج اقتصادي تعتمد عليه دول عديدة حول العالم لإعادة استخدام الموارد وتقليل الهدر وتعزيز الاستدامة، إلا أن تطبيقه في غزة لا يأتي ضمن سياسات بيئية أو صناعية مخطط لها، بل استجابة مباشرة للحصار والحرب وشح المواد الخام.
ويشير إلى أن قطاع غزة كان ينتج قبل الحرب نحو 2000 طن يومياً من النفايات الصلبة، كانت البقايا العضوية تشكل نحو 60% منها، بينما لم تتجاوز نسبة المخلفات المعدنية 2.5%؛ إلا أن الحرب غيّرت طبيعة النفايات بشكل واضح مع تراجع البقايا العضوية وارتفاع نسبة المخلفات المعدنية الناتجة عن الدمار الواسع للمباني والمنشآت.
ويؤكد صلوحة أن المرحلة الحالية تتطلب بناء منظومة تدوير حقيقية في غزة تكون رافداً للصناعة والزراعة والطاقة وتساعد المواطنين على تلبية احتياجاتهم اليومية، ويرى أن الاستثمار في الاقتصاد الدائري قد يتحول مستقبلاً من "اقتصاد ضرورة" إلى قطاع إنتاجي قادر على خلق فرص عمل وتقليل الاعتماد على الاستيراد إذا توفرت الإمكانيات والدعم اللازم.

أخبار ذات صلة.
طرق المثقف
العربي الجديد
منذ 45 دقيقة