عربي
لا يبدو الطريق أمام الشراكة المطروحة بين سورية ودول الاتحاد الأوروبي ممهداً بشكل يتيح توسيع التعاون وتعزيزه على المستويات كافة. فالأولويات مختلفة لدى كل جانب. فدمشق تبحث عن دعم سياسي واقتصادي يساعدها في التعافي خلال المرحلة الانتقالية، فيما تُعَدّ الهواجس الأمنية وملف اللاجئين المحرك الأساسي للموقف الأوروبي تجاه سورية.
وفي خطوة تعكس تنامي الاهتمام الغربي بالملف السوري، أعلن الاتحاد الأوروبي الاثنين الماضي استئناف العلاقات التجارية مع سورية وعودة العمل باتفاقية تعاون عُلّقت في عام 2011. وجاء الإعلان عقب اجتماع عُقد في مقر الاتحاد الأوروبي في العاصمة البلجيكية بروكسل، مع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، بعد نحو عقد ونصف عقد من القطيعة السياسية، بين دول الاتحاد وسورية.
وقرر مجلس الاتحاد الأوروبي إعادة التطبيق الكامل لاتفاقية التعاون الموقعة مع سورية عام 1977، التي دخلت حيّز التنفيذ في عام 1978، وإنهاء التعليق الجزئي المفروض عليها منذ 2011، وتنفيذ حزمة مالية بقيمة 175 مليون يورو، إضافةً إلى حزمة ثانية بقيمة 180 مليون يورو نهاية العام الحالي، لدعم جهود إعادة الإعمار، وفتح الاستثمارات، وتشجيع البنوك الإنمائية الأوروبية والدولية على الانخراط في مشاريع التعافي. كذلك توصل وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، إلى اتفاق لرفع العقوبات المفروضة على وزيري الداخلية أنس خطاب والدفاع مرهف أبو قصرة، بحسب مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس. وعُدّت هذه الخطوات باتجاه الإدارة السورية الجديدة مؤشراً على بدء تطبيع العلاقات مع دمشق بشكل كامل، وتوسيع الحضور الأوروبي في سورية لدعم جهودها للتعافي الاقتصادي خلال المرحلة الانتقالية التي تمر بها. وكان الاتحاد الأوروبي قد علّق في عام 2011 الاتفاقية المذكورة، بسبب رفض النظام المخلوع التعاطي مع الحلول السياسية للأزمة في سورية، واختيار الحل العسكري لمواجهة الثورة التي خرجت ضده في ذلك العام، وانتهت في أواخر عام 2024 بسقوطه.
سورية تريد شراكة مع أوروبا
وقال الشيباني، في مؤتمر صحافي عقب الاجتماع الاثنين الماضي، إن بلاده تريد "الانتقال من منطق المساعدات الطارئة إلى شراكة استراتيجية تقوم على الندية والالتزامات المتبادلة". وأشار إلى أن الشراكة المطروحة تستند إلى اتفاقية التعاون التي دخلت حيز التنفيذ عام 1978، وإلى الموقف الأوروبي الصادر في 23 إبريل/ نيسان الماضي، الذي أكد وحدة سورية وسيادتها واستقلالها وسلامة أراضيها، إضافةً إلى بيان أولويات التعافي بوصفه خريطة طريق وطنية بملكية سورية خالصة.
ومن شأن عودة العمل باتفاقية التعاون رفع القيود المفروضة على استيراد بعض السلع السورية، بما في ذلك النفط والمنتجات النفطية، فضلاً عن الذهب والمعادن النفيسة والألماس. وجاءت هذه الخطوة بعد نحو عام من رفع الاتحاد الأوروبي العقوبات الاقتصادية عن سورية، في محاولة لدعم عملية التحول وتعافي البلاد، مع الإبقاء على القيود المتعلقة بالجوانب الأمنية.
لكن الشيباني، في تصريحات لاحقة لموقع يورونيوز، وجّه انتقادات للمواقف الأوروبية خلال السنوات الماضية، معتبراً أن العواصم الأوروبية أظهرت "عجزاً سياسياً" في التعامل مع الملف السوري، ولم تتمكن من مساعدة السوريين في مسار "تغيير النظام"، رغم ما خلّفته الأزمة السورية من تداعيات مباشرة على أوروبا والمنطقة. وأشار إلى أن السوريين "حرروا أنفسهم بإمكانات سورية بسيطة"، رغم سنوات الحرب والعزلة الدولية، مضيفاً أن الحكومة السورية الحالية لا تبحث عن "وضعها في قفص الاتهام"، بل عن شركاء حقيقيين قادرين على الانتقال من مرحلة التصريحات السياسية إلى الخطوات العملية.
وأكد الشيباني أن السياسة الخارجية السورية الجديدة تستند إلى "المصالح الوطنية السورية" بعيداً عن الاصطفافات أو التبعية لأي طرف خارجي، موضحاً أن دمشق تريد بناء شراكات قائمة على المصالح والتهديدات والرؤى المشتركة، وليس على الإملاءات السياسية. وفي معرض حديثه عن الشروط الأوروبية المرتبطة بالإصلاحات الداخلية وحماية الأقليات، قال الوزير السوري إن النظام السابق كان مسؤولاً عن أزمات كبرى امتدت آثارها إلى أوروبا، من بينها الهجرة والإرهاب وتهريب الكبتاغون وحالات الاختفاء القسري والانتهاكات السياسية والأمنية، معتبراً أن هذه الملفات بدأت "تعود إلى مسارها الصحيح" بعد إسقاط النظام.
وعلى صعيد ملف اللاجئين، نفى الشيباني بشكل قاطع وجود أي اتفاق بين دمشق وألمانيا، أو أي دولة أوروبية، لإعادة مئات آلاف السوريين بصورة فورية. وأوضح أن النقاشات الجارية مع الجانب الأوروبي تركز فقط على تنظيم آليات العودة بطريقة لا تعرقل جهود إعادة الإعمار، مؤكداً أن العودة مرتبطة بتهيئة الظروف الاقتصادية والخدمية والمعيشية المناسبة. وحذر من تشجيع عودة "غير منظمة وسريعة"، معتبراً أن ذلك قد يؤدي إلى تحويل اللاجئين العائدين إلى نازحين داخل البلاد، في ظل الحاجة إلى بنية تحتية وخدمات وفرص اقتصادية تستوعب العائدين. وفي الوقت نفسه، رفض الشيباني وصف سورية بأنها "بلد غير آمن"، مشيراً إلى أن عدداً من الدول الأوروبية لم يعد يمنح صفة اللجوء للسوريين الجدد، انطلاقاً من اعتبارها أن الوضع الأمني في البلاد بات أكثر استقراراً. لكنه شدد على أن فرض "عودة غير طوعية وغير كريمة" قد يخلق حالة من الفوضى داخل سورية، مؤكداً أن أي عودة واسعة النطاق تحتاج أولاً إلى بيئة مناسبة وآمنة وإلى دعم دولي، خصوصاً من الاتحاد الأوروبي، للمساهمة في عملية إعادة الإعمار.
تضارب الأولويات بين سورية والاتحاد الأوروبي
لكن الانفتاح الأوروبي على سورية قد يصطدم بعدة عقبات، خصوصاً مع تضارب أولويات الجانبين، فالإدارة السورية الجديدة يأتي الجانب الاقتصادي على رأس أولوياتها، فهي ترى أن التعافي في هذا الجانب كفيل بتحصين السلم الأهلي وتحقيق الاستقرار، بينما تُحرّك الموقف الأوروبي العديد من المخاوف والهواجس الأمنية والسياسية، ويضغط منذ ديسمبر/ كانون الأول من عام 2024، من أجل تفعيل العملية السياسية وإشراك الأقليات في بناء عملية ديمقراطية في البلاد.
بسام العمادي: الأوربيون يختارون ما يناسبهم للتعاون المشترك مع سورية مثل النفط وما شابه
وبيّن السفير السابق في السويد بسام العمادي، في حديث مع "العربي الجديد"، أن أي اتفاقية مع الاتحاد الأوروبي تعقدها أي دولة للتعاون المشترك "تتضمن شروطاً سياسية من قبيل الحكم الرشيد وتداول السلطة ومراعاة حقوق الأقليات والمرأة وغيرها من الشروط". وشكك العمادي في استطاعة الإدارة السورية الجديدة التعاطي الإيجابي مع هذه الشروط، مضيفاً: معروف أن من يشغل المناصب المهمة في الدولة هم من "هيئة تحرير الشام"، والوزراء للوزارات السيادية هم من كبار القياديين فيها، ولا أظن أن هناك توجهاً لغير ذلك. وبرأيه "هذا لا يتناسب مع المطالب الأوروبية الأربعة الواردة في القرار 2254 حول الانتقال السياسي وإشراك جميع الأطياف السياسية السورية في المرحلة الانتقالية".
وأشار إلى أن رفع العقوبات الأوروبية عن سورية "لم يغيّر الكثير في تعاملهم مع دمشق"، مضيفاً: هم (الأوروبيون) يختارون ما يناسبهم للتعاون المشترك مع سورية مثل النفط وما شابه. أما الاستثمارات فلن تأتي إلا كلاماً ووعوداً. وأشار إلى أن التعاون السوري الأوروبي "لن يبقى معلقاً كما كان قبل إسقاط نظام (بشار) الأسد، ولكن لن يكون مفتوحاً على مصراعيه بل انتقائياً، وبتمحيص كل بند على حدة".
ويحضر ملف اللاجئين السوريين في أوروبا بقوة في أي مفاوضات أو مباحثات مع الحكومة السورية منذ ديسمبر 2024، فدول الاتحاد الأوروبي أعلنت غير مرة نيّتها إعادة العدد الأكبر من هؤلاء اللاجئين إلى بلادهم، وطالبت بتعاون الإدارة السورية لتسهيل "العودة الآمنة والطوعية والكريمة" للاجئين. ولا توجد إحصائيات لعدد اللاجئين السوريين في أوروبا، ولكن يُعتقد أن العدد يربو على مليون ونصف مليون نصفهم في ألمانيا، تطالب الحكومة السورية بدعمها مالياً واقتصادياً من أجل إعادة تأهيل البنى التحتية وإعادة إعمار البيوت المهدمة لتهيئة الظروف المناسبة، لعودتهم.
أوروبا تركز على عودة اللاجئين
وفي هذا الصدد، رأى الباحث في المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة، محمد السكري، في حديث مع "العربي الجديد"، أن التركيز الأوروبي ينصب في ما يتعلق بسورية على مسألة عودة اللاجئين من أوروبا، مشيراً إلى أن الاتحاد الأوروبي "يريد إعادة العدد الأكبر منهم إلى بلادهم بعد انتفاء الظروف التي أدت إلى لجوئهم إلى دوله"، مضيفاً: هذا ملف أمني في الدرجة الأولى وسياسي ومؤثر بالنسبة إلى الأوروبيين. وتابع: الحكومة السورية تنطلق من محددات أساسية، بما فيها أن عودة اللاجئين يجب أن تكون آمنة اجتماعياً واقتصادياً.
محمد السكري: أوروبا معنية أكثر بملف اللاجئين وهو كما يرى أهم الأولويات لدى دول الاتحاد
وبرأيه فإن الاتحاد الأوروبي "لا يعطي اهتماماً كبيراً للمطالب المعيارية التي تتعلق بالانتقال الديمقراطي أو المواطنة او الأقليات"، مضيفاً: أوروبا معنية أكثر بملف اللاجئين، وهو كما يرى أهم الأولويات لدى دول الاتحاد الأوروبي. وأعرب عن اعتقاده أن الاتحاد "يريد عودة سريعة للاجئين السوريين إلى بلادهم"، مضيفاً: أعتقد أن الحكومة السورية تفاوض الأوروبيين اليوم على برامج اقتصادية رافعة لمسألة العودة الطوعية إلى سورية بحيث تضمن أن تكون العودة "منظمة". فعودة اللاجئين يجب ألا تكون عشوائية، ومن المفترض أن تتسق مع برامج منظمة من نواحٍ سياسية واجتماعية وأمنية، بحسب وجهة نظر دمشق.

أخبار ذات صلة.
طرق المثقف
العربي الجديد
منذ 19 دقيقة
ترمب: لن أصبر كثيرا على إيران
الشرق الأوسط
منذ 26 دقيقة