عربي
معظمنا، نحن الذين لا يعيشون في مناطق متوتّرة، نظنّ أنّ الحياة جيّدة، وأنّنا آمنون، نسبياً، من المخاطر الكُبرى، إلى أن نُصبح من ضحايا المخاطر "غير الكُبرى"، لتغدو جسيمةً حينها. لكن ما الأمان في عالم جشع تتعدّد فيه الجرائم ويتصاعد فيه الإفلات من العقاب، لتتعقّد أشكال الجريمة وتحايل المجرمين؟
هذا الأسبوع، مَنحت جوائز الكتاب البريطانية 2026 "جائزة حرية النشر" مناصفةً بين كتاب "فتاة لا يملكها أحد... مذكّرات النجاة من العنف والنضال من أجل العدالة"، للراحلة فرجينيا روبرتس جوفري، وكتاب "أناس غير مبالين... حكاية تحذيرية عن السلطة والجشع وفقدان المثالية"، للمديرة التنفيذية السابقة في شركة ميتا، سارة وين ويليامز، ويتناول قصّة جوفري ضحيّة الاستغلال الجنسي من شبكة إبستين. كلّ من الكتابَين يتحدّث عن غياب الحرّية، وتعسّف نخبة تملك المال والنفوذ، فتفعل ما تشاء لأنّها واثقة من أنّها لن تُعاقب.
الأخطار تتهدّد الحرّية، حتى صار لكشفها جائزة بعد أن تفنّنت الفئة التي تملك كلّ شيء في كبح الأفراد العاديين عديمي الحيلة أمام الشركات الكُبرى المتحكِّمة التي لا نهاية لها، فلا تكتفي بنزع الحرّية عن الناس وتركهم مكبّلين بالقيود، وعاجزين أمام المخاطر التي تتهدّد حركتهم وقدرتهم على التعبير الحرّ عن أنفسهم أمام السلطة السياسية والاقتصادية، بل يمتدّ التحكّم إلى خطر فقدان السيطرة على السلوك اليومي، بالتعرّض لبرامجَ ترفيهية مخصّصة لجذبك، وإفقادك السيطرة على وقتك. فشبكة نتفليكس، مثلاً، تعتمد على اقتراحاتها المستمرّة للمشتركين بناءً على ما شاهدوه سابقاً، مع اعتماد آلية الانتقال الآلي إلى مُنتج آخر، فيلم أو مسلسل، حالما ينتهي الأول، فتُحكم عليهم القبضة بأن تستثير إدمانهم الذي يستدعي جرعات أكبر من الأفيون الترفيهي، وأسوأه المسلسلات الهوليوودية التي تتوفّر بكامل حلقاتها في المنصّة، فيجد شخصٌ ما نفسه قد شاهد حلقات الموسم دفعةً واحدةً، حتى لو عنى ذلك أن يحمل حاسوبه إلى المطبخ والحمام.
لهذا رفع المدّعي العام في ولاية تكساس الأميركية كين باكستون دعوى ضدّ شركة نتفليكس، متّهماً إياها بجمع بيانات المستخدمين سرّاً، وبأنّ تصميمها قائم على استدراج المشتركين إلى فخّ الإدمان. هناك خطر آخر للمنصّات الترفيهية، وهو فقدان الخصوصية؛ لأنّها تبيع المعلومات التي تحصل عليها منك، ولا يعني ذلك فقط أنّ شركات تجارية ستستهدفك بإعلاناتها، بناءً على دراستها لتفضيلاتك باعتبارك "عيّنةً حيّةً"، بل إنّ هناك شركات ستُعيد بيعك في السوق لمصلحة جهاتٍ معادية أو أمنية، ويمكن لهذه الجهات التجسّس عليك، أو إلباسك تهماً على مقاسك، بناءً على المعلومات المتوفّرة عنك وعن سلوكك اليومي. مع العلم أنّ الشركة أعلنت في بدايتها أنّها غير معنية بالإعلانات، على عكس باقي المنصّات، لكن بعد أن جمعت قدراً هائلاً من بيانات المستخدمين، باعتهم وأغرقتهم بالإعلانات، وهو سلوك معروف عند شركات التكنولوجيا، أي تقديم منصّة بديلة تزعم أنّها لا تتاجر بمتابعيها، إلى أن تجمع بين يديها ما يستحقّ المتاجرة به، من غسيل السذّج الذين يكشفون أنفسهم أمامها.
وقد صرّحت وين ويليامز في خطاب تسلّمها الجائزة: "نعيش في عالم تهيمن عليه شبكات من النُّخب المُتنفِّذة، التي تُعيد صياغة القواعد، وتزداد غطرسةً وتمرّساً في طرق الإفلات من العقاب". وواجهت وين ويليامز قيوداً قانونيةً منذ نشر كتابها، فقد حصلت "ميتا" على أمر قضائي، قبل نشر الكتاب، يمنعها من مناقشته علناً. وفي إشارة إلى مذكّرات جوفري التي انتحرت قبل نشر الكتاب، قالت: "أدركت أنّ الحقيقة وحدها هي التي تحمي الجميع"، مع أنّها واجهت "جهود قمع منسّقة، وترهيباً" بعد حديثها علناً عن شبكة إبستين وماكسويل.
قالت إيميما ستاينفيلد، الرئيسة التنفيذية لمنظّمة "مؤشّر الرقابة"، إنّ الكتابين يُظهران كيف "يستخدم الأثرياء وأصحاب النفوذ الضغط القانوني لمحاولة إسكات من هم أقلّ حظّاً". وأضافت ستاينفيلد: "الظروف مختلفة، والقصّتان لا تُقارنان أخلاقياً، لكنّهما تتشابهان في بعض الجوانب". طوال سنوات، أكّدت قيادة الشركة أنّها "لا تهتم بالإعلانات"، وقدّمت نفسها ملاذاً من شركات الإعلانات، لكنّها غيّرت نهجها، وبنت نشاطاً إعلانياً يشبه ما كانت تنتقده.
