لندن بين النكبة وتومي روبنسون: فلسطين في قلب صراع الشارع البريطاني
عربي
منذ يوم
مشاركة
لا تبدأ قصة السبت 16 مايو/ أيار من عدد المشاركين المتوقع في شوارع لندن، بل من معنى الاحتجاج نفسه في قلب العاصمة، حين تدخل الذاكرة الفلسطينية إلى شارع بريطاني مثقل بالخوف من الكراهية، والاستقطاب، وصعود اليمين المتطرف. وتستعد حملة التضامن مع فلسطين وشركاؤها لتنظيم مسيرة "النكبة 78" عند الساعة الثانية عشرة ظهراً من منطقة "إكزيبيشن رود" في جنوب كنسينغتون، تحت عنوان يجمع بين إحياء ذكرى النكبة ومناهضة تومي روبنسون واليمين المتطرف. وتقول الحملة إن المسيرة ستنطلق تحت شعار: "النكبة 78: مسيرة من أجل فلسطين – متحدون ضد تومي روبنسون واليمين المتطرف". ويقول بيتر ليري، نائب مدير حملة التضامن مع فلسطين، في تعليق خاص لـ"العربي الجديد"، إن المشاركين "سيسيرون في لندن يوم السبت لإحياء الذكرى السنوية للنكبة، الكارثة المستمرة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني على يد إسرائيل منذ عام 1948"، ويضيف أن تومي روبنسون، الذي يصفه ليري بأنه "بلطجي من اليمين المتطرف"، دعا أنصاره -الذين يصفهم ليري بـ "العنصريين"- إلى التعبئة في اليوم نفسه، معتبراً أن شرطة العاصمة "أعلنت، بصورة مخزية، نيتها منحهم حرية الحركة في القلب السياسي الكامل للندن". ويرى ليري أن "النضال ضد جميع أشكال العنصرية، بما في ذلك نظام الفصل العنصري الإسرائيلي، هو معركة واحدة لا تتجزأ"، ويدعو "كل من يؤمن بمبادئ الحرية والمساواة" إلى الانضمام للمسيرة تضامناً مع الشعب الفلسطيني، مؤكداً أن مطلبه بالعدالة "لا يزال مهماً اليوم كما كان دائماً". خلف هذا السجال، تبدو المسيرة جزءاً من نقاش أوسع حول صعود اليمين المتطرف وموقع فلسطين داخل السياسة البريطانية. ففي تعليق خاص لـ"العربي الجديد"، يقرأ الدكتور آرون وينتر، كبير المحاضرين في علم الاجتماع بجامعة لانكستر، هذا التزامن بوصفه علامة على لحظة بريطانية أوسع، إذ يرى وينتر أن بريطانيا تمر بمرحلة "يصعد فيها اليمين المتطرف ويجري تعميمه في النقاش العام حول قضايا عدة، ولا سيّما معارضة الهجرة والإسلاموفوبيا". ويرى أن إحدى الطرق التي جرى من خلالها "تبييض" ارتباط اليمين المتطرف التاريخي بالفاشية تتمثل في دعم إسرائيل ومعارضة "مناهضة الصهيونية"، بهدف الظهور بمظهر المعارض لمعاداة السامية والمدافع عن الأمة ضد ما يُصوَّر زيفاً على أنه تطرف ودعم للإرهاب. ويضيف وينتر أن هذا يوفر غطاءً "ليس للفاشية والعنصرية المعادية لليهود فحسب، بل أيضاً للسياسات المعادية للمسلمين والمهاجرين واليسار". ويشير إلى أن هذا المسار مستمر منذ فترة، وغالباً ما يستغل مناسبات شديدة الرمزية، مثل يوم النكبة، وصولاً إلى الاحتجاج المضاد الذي قاده تومي روبنسون ضد المسيرة الوطنية من أجل فلسطين في "يوم الهدنة" عام 2023. ويرى أن الأمر لا يقتصر على الانتهازية، بل يتخذ طابعاً تصادمياً قد يكون خطيراً. ويلفت الأكاديمي البريطاني إلى ما يعدّه "معياراً مزدوجاً"، قائلاً إن الاحتجاج والنشاط المؤيدين لفلسطين يُدانان بوصفهما "تطرفاً" من جانب الإعلام والسياسيين التقليديين وكذلك اليمين المتطرف، بينما لا يُدان اصطفاف اليمين المتطرف مع هذا الخطاب بالقدر نفسه، ولا تُدان كذلك الإبادة في غزة. ويرى وينتر أن هذا المعيار المزدوج يكشف مدى انزياح السياسة نحو اليمين. بهذا المعنى، لا تبدو مسيرة النكبة حدثاً فلسطينياً منفصلاً عن المجتمع البريطاني، بل مرآة لعلاقة هذا المجتمع بجالياته وذاكراتها. فبالنسبة إلى كثير من الفلسطينيين والعرب والمسلمين في بريطانيا، لا تصل النكبة إلى لندن كذكرى تاريخية بعيدة؛ إنها حكاية عائلية، واسم قرية، وصورة مفتاح، وذاكرة تهجير تتوارثها أجيال لم تعش عام 1948 لكنها كبرت على آثاره. لذلك يصبح الخروج إلى الشارع "فعل حضور"، لا موقفاً سياسياً فحسب؛ وإعلاناً بأن الذاكرة الفلسطينية في المنفى البريطاني لا تزال تطلب أن تُرى وتُسمع. لكن حضور هذه الذاكرة في وسط لندن لا يتحرك في فراغ، فالمسيرة تأتي في يوم دعت فيه حملة مرتبطة بتومي روبنسون إلى تحرك منفصل، مما جعل العاصمة أمام مشهدَين متوازيَين يتنازعان رمزية الشارع لا مساره فقط. تحمل مسيرة النكبة هذه الذاكرة إلى الشارع، فيما يتحرك الطرف الآخر من داخل خطاب يميني يستثمر في قضايا الهجرة والإسلام والهوية الوطنية. وأثار مسار المسيرات جدلاً مبكراً، فقد ذكرت صحيفة "الغارديان" أن شخصيات عامة، بينها فنانون ونواب وأكاديميون، اتهمت شرطة العاصمة بتفضيل تجمع تومي روبنسون على مسيرة النكبة، بعد رفض المسار الذي طلبه المنظمون الفلسطينيون، في حين سُمح لتحرك روبنسون بالمرور عبر مواقع سياسية مركزية. وتقول الشرطة إن قراراتها لا تُبنى على موقف سياسي، بل على اعتبارات السلامة العامة وتقدير حجم الحشود والحاجة إلى الفصل بين مجموعات متعارضة. ولم يبقَ الجدل خارج المؤسسات، فقد سُجلت في مجلس العموم عريضة برلمانية حول مسيرة إحياء النكبة، أعربت عن القلق من رفض المسار المفضل للمنظمين وحملت توقيعات نواب. وهذا التفصيل ينقل الخلاف من كونه ترتيباً أمنياً إلى نقاش سياسي أوسع حول كيفية إدارة الدولة لاحتجاجين متعارضين يتنازعان رمزية وسط لندن. وأعلنت شرطة العاصمة إنشاء فريق جديد لحماية المجتمعات يضم 100 ضابط إضافي، في سياق ارتفاع حوادث الكراهية. كما نقلت "الغارديان" أن لندن سجّلت في إبريل/ نيسان 2026 أعلى مستوى شهري لجرائم الكراهية المعادية للسامية منذ عامين، بتسجيل 140 حادثة، بينما قالت الشرطة إن الفريق الجديد يجمع بين خبرات الشرطة المحلية ومكافحة الإرهاب لحماية المجتمعات اليهودية. هذا المعطى يضع أي احتجاج كبير حول إسرائيل وفلسطين تحت رقابة أمنية وإعلامية مشددة. غير أن حماية الجماعات المستهدفة بالكراهية تصبح أكثر تعقيداً حين تقترن بنظرة اشتباه إلى الحضور الفلسطيني أو العربي أو المسلم في الشارع. لهذا السبب، لا تأتي أهمية مسيرة 16 مايو/ أيار من حجم الحشود وحده؛ فالأرقام قد تُنسى سريعاً، والصور قد تتكرر، أما ما يبقى فهو ما تكشفه المسيرة عن موقع فلسطين في السياسة البريطانية، حين يتحرك الاحتجاج بين ذاكرة النكبة، وصعود اليمين المتطرف، وحسابات الشرطة والإعلام والأحزاب. وبين "إكزيبيشن رود" و"بال مال"، ستسير مسيرة النكبة في مدينة تعرف جيداً معنى الرموز، فالقصور الحكومية ليست بعيدة، والذاكرة الاستعمارية ليست غائبة، والجاليات التي جاءت من تاريخ الإمبراطورية لم تعد على أطراف الحكاية. لذلك يبدو يوم 16 مايو/ أيار أكثر من مجرد استعراض للحشود؛ إنه لحظة كاشفة لمدينة كبرى تواجه سؤالاً قديماً بصيغة جديدة: عن الناس الذين يُسمح لهم بأن يُروا، وعن الذاكرة التي يُطلب منها أن تمرّ بهدوء.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية