البحرين أمام منعطف اقتصادي حرج... قفزة مرتقبة للدين العام
عربي
منذ ساعة
مشاركة
تواجه البحرين منعطفاً اقتصادياً حرجاً يتّسم بتقاطع ضغوط الديون السيادية المتراكمة مع صدمات حادة في قطاعات التصدير الحيوية، فقد تسبّبت تداعيات الحرب في منطقة الخليج وإغلاق مضيق هرمز في شلل شبه كامل لتدفقات النفط الخام ومنتجات الألمنيوم التي تشكّل العمود الفقري للميزانية العامة للمملكة. وفي ظل حالة "اللا سلم واللا حرب" التي تخيّم على المنطقة، يراقب خبراء دوليون قدرة المنامة على المناورة المالية لضمان استمرارية الوفاء بالتزاماتها الدولية، خاصة مع وصول نسبة الدين العام إلى مستويات تاريخية تتجاوز 134% من الناتج المحلي الإجمالي، ما يضع السياسة النقدية والمالية للمملكة تحت مجهر وكالات التصنيف الائتماني العالمية التي بدأت بالفعل في مراجعة نظرتها المستقبلية للاقتصاد البحريني، حسبما أورد تقرير نشرته منصة كابيتال ستريت إف إكس (Capital Street FX)، المتخصصة في تحليل الأسواق المالية والسياسة النقدية، في الخامس من مايو/أيار الجاري. وتكشف البيانات الرسمية أن تعطّل الصادرات النفطية نتيجة إعلان شركة "بابكو إنرجيز" حالة القوة القاهرة في أعقاب استهداف منشآت تكرير حيوية أدى إلى فقدان الميزانية البحرينية نحو 50% من إيراداتها المتوقعة، وهو ما يفاقم العجز المالي الذي قد يصل إلى 11% خلال العام الحالي. وفي ما يتعلق بقطاع الألمنيوم، الذي يعد الرافد غير النفطي الأهم للمملكة، فقد تسببت الاضطرابات الملاحية في خفض إنتاج شركة ألمنيوم البحرين "ألبا" بنسبة كبيرة نتيجة صعوبة الوصول إلى المواد الخام، وتعطل تصدير المنتج النهائي، وهو ما أدى بدوره إلى تراجع حاد في تدفقات العملة الصعبة. ويؤكد خبراء أسواق السلع أن أسعار الألمنيوم في بورصة لندن للمعادن سجلت ارتفاعات قياسية، نتيجة نقص المعروض العالمي القادم من الخليج، لكن هذا الارتفاع لا يعود بالنفع على الميزانية البحرينية، بسبب عدم القدرة على إيصال الشحنات إلى الأسواق العالمية، حسبما أورد تقرير نشرته منصة "إنفيستنغ" المتخصصة في شؤون السلع والاستثمارات العالمية، في 13 إبريل/نيسان الماضي، مشيراً إلى أن هذا التوقف القسري يضع ضغوطاً إضافية على ميزان المدفوعات البحريني، ويزيد من مخاطر استنزاف الاحتياطيات الأجنبية التي يحتاجها المصرف المركزي للحفاظ على ربط الدينار بالدولار، وهو ما يعد حجر الزاوية للاستقرار المالي في المملكة. محاولات لمنع تدهور التصنيف وتبرز اتفاقية تبادل العملات التي وقعها المصرف المركزي البحريني مع نظيره الإماراتي بقيمة 20 مليار درهم، أي ما يعادل 5.4 مليارات دولار، أداة استراتيجية للتدخل السريع تهدف إلى تعزيز مستويات السيولة بالعملة المحلية، وتسهيل التسويات البينية، إلا أن فاعليتها في منع تدهور التصنيف الائتماني تظل محل نقاش بين الخبراء، حسبما أورد تقرير نشرته "إيكونوميك تايمز" في الثاني من مايو/أيار الجاري. فبينما توفر الاتفاقية شبكة أمان قصيرة الأجل، وتخفف الضغط الفوري على الاحتياطيات النقدية، فإنها لا تعالج الأسباب الجذرية للأزمة المالية المتمثلة في العجز الهيكلي وارتفاع كلفة خدمة الدين. ولذلك، تذهب آراء تحليلية إلى أن وكالات التصنيف الائتماني الكبرى، مثل "موديز" و"فيتش"، تنظر إلى هذه الاتفاقيات باعتبارها حلولاً مؤقتة، تتطلب أن تتبعها إصلاحات مالية عميقة تضمن قدرة المملكة على العودة إلى مسار خفض الديون بمجرد استقرار الأوضاع الجيوسياسية، بحسب التقرير ذاته. وتؤكد وكالات التصنيف الائتماني أن النظرة المستقبلية "السلبية" التي جرى تبنيها مؤخراً تعكس المخاوف من استمرار حالة "اللا سلم واللا حرب" لفترة طويلة، ما قد يؤدي إلى تآكل الثقة في قدرة الحكومة البحرينية على الوفاء بالتزاماتها المالية من دون دعم خليجي متكرر ومباشر، حسبما أورد تقرير نشرته "بلومبيرغ" في الخامس من مايو/أيار الجاري، مشيراً إلى أن بلوغ الدين العام مستويات حرجة تتراوح بين 139% و153% من الناتج المحلي الإجمالي، وفق سيناريوهات مختلفة، يضع البحرين في موقف تفاوضي صعب مع المستثمرين الدوليين، إذ ترتفع هوامش العائد المطلوبة على السندات البحرينية لتعكس هذه المخاطر المتزايدة. ومع ذلك، ينوه التقرير بأن بعض المحللين يرون أن السجل التاريخي للبحرين في الحصول على دعم من حلفائها في مجلس التعاون الخليجي يظل عاملاً جوهرياً يمنع حدوث انهيار مفاجئ في التصنيف الائتماني. وإزاء ذلك، يرى مراقبون أن "اقتصاد الحرب" الذي بدأت معالمه تظهر في المنطقة يفرض على البحرين إعادة ترتيب أولويات الإنفاق، مع توجيه موارد أكبر نحو الدفاع والأمن القومي على حساب الاستثمارات الرأسمالية في البنية التحتية، ما يعني تباطؤاً في تحقيق أهداف "رؤية 2030" الاقتصادية، وهو ما قد يؤثر بالنمو طويل الأجل، والقدرة على خلق فرص عمل، ويزيد الضغوط الاجتماعية والسياسية على صانعي القرار، حسب تقرير نشرته صحيفة آيريش تايمز Irish Times في السادس من مايو/أيار الجاري. تراجع التصنيف الائتماني يؤكد الخبير الاقتصادي جاسم عجاقة، لـ"العربي الجديد"، أن مملكة البحرين تواجه أياماً صعبة على الصعيد المالي، خاصة بعد توقف صادرات الألمنيوم من شركة "ألبا" والنفط من شركة "بابكو"، ما جعلها رهينة للمخزون المالي المتاح الذي ينفد بسرعة، مشيراً إلى أن انكماش الناتج المحلي الإجمالي المتوقع من قبل صندوق النقد الدولي من شأنه أن يؤدي إلى ارتفاع نسبة الدين إلى الناتج، ما يدفع وكالات التصنيف الائتماني العالمية مثل "فيتش" و"موديز" و"ستاندرد آند بورز" إلى تبني نظرة سلبية تجاه الاقتصاد البحريني، فقد خفّضت "فيتش" التصنيف في فبراير/شباط الماضي، بينما حولت "موديز" النظرة المستقبلية إلى سلبية في إبريل/نيسان. وبحسب عجاقة فإن اتفاق تبادل العملات بقيمة 20 مليار درهم مع الإمارات يساهم في حل أزمة السيولة الراهنة ومنع تفاقمها، غير أنه لا يمنع التخفيضات المحتملة في التصنيف الائتماني، ولا يشكل حلاً طويل الأمد، إذ يتطلب التعافي الحقيقي شروطاً هيكلية تتجاوز مجرد الدعم النقدي. وتعتمد الحلول المستدامة للمملكة الخليجية الصغيرة، حسب الخبير الاقتصادي، على الحصول على قروض طويلة الأمد وميسرة من الدول الخليجية، ضمن برامج مثل "برنامج التوازن المالي"، بالإضافة إلى ضرورة استئناف تصدير الألمنيوم والبتروكيماويات والنفط، وهو ما يرتبط بشكل وثيق بتوقف الحرب في المنطقة التي تسببت في تشتيت الاستثمارات الخارجية وتعطيل سلاسل الإمداد. خيار صعب من جانبه، يشير عضو الجمعية الدولية لأبحاث السياسات الاقتصادية، فاتح بييكلي، لـ"العربي الجديد"، إلى أن حكومات دول الخليج، ومن بينها حكومة البحرين، باتت أمام خيار صعب جراء تداعيات الحرب، بين مواصلة تمويل خطط التحول الطموحة، أو تعزيز المرونة الاقتصادية في مواجهة عدم اليقين الجيوسياسي المطول، إذ أصبح من الصعب بشكل متزايد القيام بالأمرين على النطاق نفسه. وتقف البحرين في قلب هذه المعضلة، حسب بييكلي، نظراً إلى افتقارها إلى العمق المالي الذي تتمتع به جاراتها الأكثر ثراء، لافتاً إلى أن اقتصاد المملكة الخليجية الصغيرة يعتمد بشكل كبير على صادرات الألمنيوم وعائدات النفط والدعم الخارجي، ما يعني أن أي تعطيل في الصادرات يتحول فوراً إلى ضغوط على الديون السيادية. وقد يخفف اتفاق تبادل العملات بقيمة 20 مليار درهم مع الإمارات من حدة هذه التداعيات، وفق بييكلي، لكن دعم السيولة ليس علاجاً للمشكلة الهيكلية، بل هو إجراء "يشتري الوقت وليس الاستقرار"، حسب تعبيره. وينوه بييكلي بأن وكالات التصنيف الائتماني ستطرح في النهاية سؤالاً أكثر إزعاجاً حول قدرة البحرين على الحفاظ على المصداقية المالية إذا ظلت المنطقة عالقة في بيئة مطولة من "اللا سلم واللا حرب"، فالتهديد الأكبر للخليج اليوم ليس في الحرب المفتوحة التي يمكن للأسواق تسعيرها، بل في "عدم اليقين اللانهائي" الذي لا يمكن تسعيره، ما يدفع المستثمرين إلى تأجيل القرارات، والحكومات إلى الانتقال بصمت من التوسّع إلى إدارة الأضرار.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية