عربي
بعد سنوات عجاف أنهكت منظومة الحبوب وعمّقت التبعية للأسواق الخارجية، تعود التوقعات الإيجابية لتخيّم على الموسم الزراعي الحالي في تونس. وتتنامى الآمال الرسمية والمهنية بأن يشكل محصول موسم 2025-2026 نقطة تحول في مسار الأمن الغذائي وتقليص فاتورة التوريد، مدفوعاً بتحسن التساقطات المطرية واتساع المساحات المزروعة.
وتتجه الأنظار هذا العام إلى موسم حصاد يُوصف بأنه "الأفضل منذ سنوات"، في وقت تواجه فيه تونس ضغوطاً متزايدة على ميزانها التجاري الغذائي واحتياطاتها من النقد الأجنبي، نتيجة الارتفاع القياسي في واردات الحبوب والطاقة.
وأكد عضو المكتب التنفيذي للاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري، محمد رجايبية، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أن التوقعات الحالية تشير إلى إمكانية بلوغ محصول الحبوب نحو 1.4 مليون طن، بزيادة تقدر بـ 20% عن الكميات المجمعة العام الماضي (1.2 مليون طن)، واعتبر أن "الظروف المناخية كانت أكثر إنصافاً هذا العام، خاصة مع انتظام الأمطار في الفترات الحاسمة لنمو الزراعات الكبرى".
وأضاف أن مناطق الإنتاج في الشمال والوسط الغربي سجلت تحسناً ملموساً في المردودية، ما أعاد الأمل للفلاحين بعد سلسلة من الخسائر، مشدداً في الوقت ذاته على أنّ "النتائج النهائية تظلّ رهينة ظروف الحصاد وتجنب موجات الحرارة المباغتة أو الحرائق في الأسابيع المقبلة".
وتراهن السلطات التونسية على هذا الموسم على تقليص الفجوة الاستيرادية؛ إذ تكشف بيانات وزارة الفلاحة أن المساحات المزروعة بلغت نحو 991 ألف هكتار، منها 950 ألف هكتار قابلة للحصاد.
ويمثل القمح الصلب الرهان الأكبر للدولة، إذ يستحوذ وحده على 533 ألف هكتار. وتطمح تونس من خلال هذا الصنف تحديداً إلى الاقتراب من "الاكتفاء الذاتي"، كونه المادة الأساسية في النظام الغذائي التونسي (الكسكسي والمكرونة)، واستنزافه جانباً كبيراً من العملة الصعبة عند استيراده.
ورغم أن تونس لا تزال تحتاج لاستيراد كميات كبيرة لتغطية استهلاكها السنوي (نحو 2.2 مليون طن)، إلّا أن محصولاً يتراوح بين 1.4 و2 مليون طن من شأنه أن يخفف الضغط على الميزان التجاري.
ووفق رجايبية فإن وفرة الإنتاج المحلي تعني عملياً "تقليص الحاجة للتوريد في ظرف دولي شديد التقلب"، تأثراً بالنزاعات الجيوسياسية وتغيرات المناخ، كما ينتظر أن ينعكس هذا التحسن إيجاباً على المالية العمومية، إذ تتحمل الدولة كلفة باهظة لدعم الحبوب المستوردة.
ورغم التفاؤل، لا تزال الندوب التي خلفتها سنوات الجفاف واضحة؛ إذ يواجه الفلاحون صعوبات متراكمة تشمل ارتفاع أسعار البذور والأسمدة ونقص التمويل. ويطالب اتحاد الفلاحين بضرورة إصلاح سياسة التسعير وتطوير بذور مقاومة للجفاف، لضمان استدامة الإنتاج في ظل وقوع تونس تحت طائلة التغيرات المناخية المتوسطية.
وتجدر الإشارة إلى أن الحبوب تمثل جزءاً ثقيلاً من فاتورة الواردات الغذائية التونسية، إذ تجاوزت قيمتها في فترات سابقة 3.5 مليارات دينار، ما يجعل من أي تحسن في الإنتاج المحلي "طوق نجاة" للاقتصاد الوطني ولأمن المواطن الغذائي في ظل التحديات المعيشية الصعبة.
