عربي
أتاح الإعلام الرسمي ووسائل التواصل الاجتماعي للضحايا والمتضررين، بعد سقوط النظام في سورية، إعادة سرد الانتهاكات القاسية التي مورست عليهم. رغم ما في استعادتها من ذكريات مؤلمة، وإن كان التعبير عنها محدوداً، لأسباب اجتماعية، خاصة جرائم الاغتصاب. وكان من إيجابيات كسر الصمت، أن الضحايا الذين عاشوا في ظل الخوف والتهميش وجدوا مساحة لرواية قصصهم، وسوف تزداد هذه المساحة في ما بعد عندما يتسارع عمل لجان التحقيق والمحاكمات. ما يشكل اعترافاً علنياً، يعيد للضحية مكانتها كإنسان له حق ليس في الذاكرة فقط، بل والعدالة أيضاً.
اليوم، إذا تجاوزنا عدم توفر قانون ينظم إجراءات العدالة الانتقالية بعد، كآلية قانونية لمعاقبة الجناة، تسعى إلى معالجة ما تراكم من جرائم وقعت خلال الثورة والحرب، وتعمل على كشف الحقيقة، ومحاولة جبر الضرر، يبرز سؤال: هل ستمثل تعويضاً حقيقياً للمتضررين؟
من حيث المبدأ، لا يمكن تعويض الضحايا بالمعنى الكامل للكلمة، سواء مادياً أو بالعقاب. إن التعويض المادي، مهما بلغ حجمه، يبقى رمزياً أمام حجم الألم، أو حتى بالعقاب، بالنظر إلى خسارة أحبّة، أو سنوات من التعذيب، أو تدمير الحياة الاجتماعية، أو التهجير بالقوة. هل يمكن تعويض ما لا يعوض؟ يبلغ هذا التساؤل أقصاه في جرائم القتل، ما يستدعي حقيقة قاسية لا يمكن تجاوزها، أو الالتفاف حولها، حتى لو كان عقاب الجاني هو الموت، لا يمكن للعدالة الانتقالية أن تعيد الروح إلى الضحايا. فهي شأنها شأن العدالة بشكل عام، لا تختزل بهذه القدرة المستحيلة، لكن لابد من أن تحقق شيئاً، وإلا أفرغت من معناها.
في الواقع، ليس هناك مقياس مثالي للعدالة يمكن اعتماده، إنها مجرد افتراض، في العمق لا تُرضي. لن تقدم المشنقة إلا جثة، لن تشفي غليل من فقد أباً أو أخاً أو ابناً. المأساة ستبقى مأساة، والفجيعة فجيعة، والجرح لن يندمل بسهولة.
هل ستمثل العدالة الانتقالية في سورية تعويضاً حقيقياً للمتضررين؟
ومهما توسعنا بمفهوم العقاب، فهو إجراء قانوني؛ أو إعلان رمزي يزعم أنه يعيد المعنى للحياة التي انتهكت، ويدين المجرم كفرد معتدٍ على حق الآخر. ويؤكد أن الضحية لم تكن رقماً زائداً، بل كياناً ووجوداً، وأن العدالة لم تقف مكتوفة اليدين، ولن يكون حكم القضاء إلا البديل الوحيد عن الفوضى أو الانتقام.
لا تقدم العدالة الانتقالية أنموذجاً من العدالة الكاملة، وستتطلب من المتضررين القبول بعدالة غير كاملة، تعتبر عدالة كافية، بالمحافظة على الأساسيات: محاسبة المسؤولين الكبار الذين خططوا وقادوا، كشف الحقيقة عما جرى فعلاً، الاعتراف الرسمي بالانتهاكات، محاولة إنصاف الضحايا بالحد الأعلى الممكن.
بالنسبة للعدالة الانتقالية في الحالة السورية، المتوقع أنها ستخوض مآزق شائكة، من ناحية العدد الكبير من المتورطين في الجرائم إلى حد يجعل المحاسبة الشاملة شبه مستحيلة عملياً، يتضاعف هذا التحدي بسبب ضخامة البنية الأمنية وتغلغلها في المجتمع، عدا عن امتداد العنف لسنوات طويلة، لا يقتصر على مرحلة الثورة والحرب فقط، ما يجعل المطالبة بمحاكمة الجميع، وكافة الجرائم المرتكبة أقرب إلى فكرة أخلاقية منها إلى عملية قابلة للتنفيذ. لهذا من الحكمة العمل على خفض التوقعات المرتفعة التي غالباً ما تفوق إمكانية تحقيقها، كحل شامل لكل مظالم الماضي، إذ سرعان ما تصطدم بحدود الواقع السياسي والقانوني، ما يؤدي إلى خيبة الأمل لدى الضحايا. فالمحاسبة قد تكون انتقائية، والتعويضات محدودة، ومثلها كشف الحقيقة. نعم، ليس في هذه الصيغة الكمال، وإنما ضمان عدم إفلات الذين أدينوا من العقاب، أو التراخي في المساءلة منعا لانفجار دورة انتقام جديدة. ما يخشى منه، تعمّق الشعور بالظلم بدلاً من التخفيف منه.
مهما بلغت العدالة من حياد، والمحاكم من نزاهة، والقضاء من استقلالية، لا يمكن إعادة الأمور إلى ما كانت عليه، بل محاولة رأب الصدع في المجتمع، ومنع تفككه.
* روائي سوري
