عربي
التسيير عبر الصمت ممارسة تسلكها الرباط عندما تسعى إلى دفع شركائها إلى تحمّل المسؤولية، كما وقع إبّان الأزمة مع البرلمان الأوروبي، وقرارات ضدّ المغرب في 19 يناير/ كانون الثاني 2023، حين رفعت الرباط شعار: "الشراكة تتطلّب تدبيراً مشتركاً" للأزمات، وليس استفادة طرف والتهجّم على الآخر. وكما سعت الرباط في السابق إلى إدارة علاقاتها الدولية أحياناً بالعلاج بالصدمة، حالة إسبانيا وألمانيا (انظر: "هل يتحمّل المغرب توتّرَين مع مدريد وبرلين؟"، "العربي الجديد"، 11/5/2021). وهما أسلوبان أعطيا ثمارهما. واليوم يعود المغرب إلى سياسة فسح المجال للمواقف المساندة له من العواصم صاحبة القرار الدولي، لمواجهة الهجوم على مدينة السمارة، الحاضرة الصحراوية، الذي حدث في الثامن من مايو/ أيار الجاري، ولمواجهة التطوّرات التي تحدث في الصحراء، وفي الساحل تبعاً لذلك.
تتوالى الإدانات الدولية للهجوم الذي تبنّته جبهة بوليساريو. من واشنطن إلى الرياض، مروراً بباريس ومدريد وأبوظبي ولندن، والبقية مقبلة. ولعلّها المرّة الأولى التي يحدث فيها هذا الأمر منذ اندلاع النزاع المفتعل خلال نصف قرن.
في الوقت نفسه، يلاحظ المتتبع أنّ المغرب لم يبادر، كما في السابق، إلى إعلان مواقفه بالإدانة أو فتح التحقيق. ولفهم المعادلة لا بدّ من الانتباه أولاً إلى توقيت الهجوم الذي جاء بعد قرار مجلس الأمن 2797، وجعل من الحكم الذاتي قراراً دولياً. وثانياً، أنّ الهجوم، في هذا التوقيت، يكون قد استهدافاً للشرعية الدولية، وهو بهذا لا يُنظر إليه فعلاً عسكرياً "عادياً" يمكن اعتباره محاولة للتأثير على ميزان المفاوضات، بل معاكساً لهذه الشرعية.
يأتي الهجوم على السمارة ضدّ مسار محادثات السلام، ويضع خصوم المغرب في التيّار المعاكس لهذا المسار، في حين يبقى المجتمع الدولي حكماً
وثالثاً، أنّ ما يريده المغرب في موقفه الصامت أن يتكلّم المجتمع الدولي، وأن يكون ردّ هذا المجتمع الذي يترجم القرار 2797 إرادته هو تحديد مسارات المحادثات وتنفيذ الحلّ. ومعنى هذا أنّ المغرب يتعرّض للهجوم، ولكن عمق المشكلة يكمن بين مليشيات مسلحة ومن يدعمها، والمجتمع الدولي.
الأمر الرابع الذي نسجله حرص المغرب على إظهار أنّ القرار صار أيضاً موقفاً وطنياً لكلّ دولة من الدول المساندة للقرار، وبالتالي، هي معنية بمحاولة نسفه. أمّا النقطة الخامسة، فهي أنّ الهجوم يأتي ضدّ مسار محادثات السلام، وبالتالي، يضع خصوم المغرب في التيّار المعاكس لهذا المسار، وليس محاولة للتأثير في ميزان القوّة معه، في حين يبقى المجتمع الدولي حكماً.
ولعلّ هذه التطوّرات وإسقاطاتها تبيّن أنّ القضية لم تعد قضية وحدة تراب المغرب فقط، بل صارت أيضاً جزءاً من الاستقرار الدولي. وهذا تطوّر يضع خصوم المغرب وجهاً لوجه مع الإرادة الدولية. وحتى الساعة، أعربت ثلاث دول من مجلس الأمن الدائمة العضوية عن إدانتها، وهي أميركا وفرنسا وبريطانيا، إضافة إلى الدول المحورية مثل إسبانيا وبلجيكا ودول التكتّل الخليجي: السعودية وقطر والإمارات. ولا تخفي الرباط رهانها في إبراز الارتباط بين السيادة المغربية على الصحراء والاستقرار الدولي، لا سيّما في هذه المنطقة الملتهبة من العالم ومن القارّة. والسيادة بوصفها رافعة جيواستراتيجية اختيار واعٍ، يبرهن به المغرب "الانتقائية الجيوسياسية" مع العواصم الأساسية في صناعة القرار الدولي: داخل مجلس الأمن، أو في المحيط الجيوسياسي قارّياً: بلجيكا وإسبانيا، أو في دوائر صناعة القرار الإقليمي: الخليج. ويكمن وراءه الوعي بأنّ الصحراء يجب أن تتحولّ إلى قفل السلام الجيواستراتيجي في قوس التوتّر بالساحل: مالي وما جاورها، والامتداد القاري، في ارتباطه مع السلم والأمن في العالم، ثمّ العمل على تجاوز بؤر التوتّر التي يمكن أن تشكّل تهديداً للسلام في الواجهة الأفرو ـ أطلسية.

أخبار ذات صلة.
الهند والإمارات... تحالف غير معلن
العربي الجديد
منذ 35 دقيقة