عربي
شكّلت الزيارة الخاطفة التي قام بها رئيس دولة الإمارات محمد بن زايد إلى الهند في 19 يناير/كانون الثاني 2026 محطة جديدة في مسار التقارب بين البلدين. وبعد أسابيع قليلة، وقبيل الغارات التي شنتها تل أبيب وواشنطن على طهران، توجّه رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى إسرائيل. فهل يعكس هذا الحراك ملامح محور يضم الهند والإمارات وإسرائيل، في ظل إعادة تشكل التوازنات الجيوسياسية في الشرق الأوسط؟
في فبراير/شباط 2018، فرّت الشيخة لطيفة، ابنة حاكم دبي ورئيس وزراء دولة الإمارات الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، من دبي للالتحاق بحبيبها، وهو ضابط فرنسي سابق، في سلطنة عمان. ومن هناك أبحرا على متن يخته الخاص باتجاه الهند، حيث كانت لطيفة تأمل في طلب اللجوء. لكن في الرابع من مارس/آذار 2018، وعلى بعد نحو خمسين كيلومتراً قبالة سواحل غوا، وضعت عملية مشتركة نفذها خفر السواحل الهندي والقوات الخاصة الإماراتية حداً لمحاولة الفرار، قبل أن تتم إعادة الأميرة إلى بلادها لتوضع قيد الإقامة الجبرية في منزلها. وبعد ثمانية أشهر، سلّمت الإمارات، التي كانت قد رفضت ذلك حتى ذلك الحين، المواطن البريطاني كريستيان ميشيل إلى الهند، وهو متهم بأداء دور الوسيط في فضيحة مروحيات "أوغستا ويستلاند". ويرى كثير من المراقبين أن الأمر كان أشبه بصفقة تبادل أرضت السلطات الإماراتية والهندية خارج أي إطار قانوني واضح، على الأقل في ما يتعلق بإعادة الأميرة.
هذه الحادثة تعكس متانة الروابط التي تشكلت بين الهند والإمارات بعد وصول ناريندرا مودي إلى السلطة. فإلى جانب العلاقات الرسمية بين الدولتين، برزت علاقات شخصية وثيقة للغاية جمعت مودي بمحمد بن زايد، الذي كان حينها ولي عهد أبوظبي قبل أن يصبح، عام 2022، رئيساً لدولة الإمارات.
خلال عشر سنوات، زار مودي الإمارات سبع مرات، فيما توجه محمد بن زايد إلى الهند خمس مرات
بعد عام واحد على وصوله إلى السلطة، زار مودي الإمارات يومي 16 و17 أغسطس/آب 2015، في أول زيارة يقوم بها رئيس وزراء هندي إلى البلاد منذ زيارة أنديرا غاندي قبل 34 عاماً. وكان من أبرز محطات الزيارة تجمعاً حاشداً في ملعب الكريكيت في دبي، خاطب خلاله مودي خمسين ألفا من أبناء الجالية الهندية التي تمثل أكثر من ثلث سكان الإمارات. واختتمت الزيارة بإعلان "شراكة استراتيجية شاملة" بين نيودلهي وأبوظبي. لم تكن تلك الزيارة مجرد محطة بروتوكولية عابرة؛ فخلال عشر سنوات، زار مودي الإمارات سبع مرات، فيما توجه محمد بن زايد إلى الهند خمس مرات. بل إن الأخير كان ضيف الشرف في العرض العسكري المقام بمناسبة عيد الجمهورية في يناير/كانون الثاني 2017. ولا مراء في أن وتيرة هذه الزيارات الثنائية تعد استثنائية حتى بالنسبة إلى دولتين تجمعهما روابط جد وثيقة.
وتشمل هذه العلاقات مختلف أوجه الشراكة الاستراتيجية بين البلدين. فمن جهة، يشكل تأمين إمدادات المحروقات مسألة حيوية للهند التي يناهز عدد سكانها 1,5 مليار نسمة ولا تمتلك موارد طاقة محلية كافية لدعم نموها المتسارع. ومن جهة أخرى، تلعب الجالية الهندية في الإمارات، المكونة من حوالي 3,5 ملايين عامل يحولون سنويا قرابة 22 مليار دولار إلى وطنهم الأم، دوراً محورياً في اقتصاد البلدين.
من جهة أخرى، لا تخفي الهند إعجابها بالتسامح الديني في الإمارات، وهو بلد يكاد يخلو في المقابل من الحريات السياسية. وفي هذا السياق، توجّه مودي إلى الإمارات في فبراير/شباط 2024 لتدشين أول معبد هندوسي في الشرق الأوسط. في المقابل، لا يبدو أن أبوظبي تكترث بالانتقادات التي توجهها الإدارة الأميركية ومنظمات الدفاع عن حقوق الإنسان إلى الحكومة الهندية بسبب القيود المفروضة على الأقليات الدينية، ولا سيما المسلمين.
اتفاقية تجارة حرة واسعة النطاق
في البداية، كان رئيس الوزراء الهندي متردداً في خفض الحواجز التجارية التي تميز الاقتصاد الهندي المعروف بنزعته الحمائية. لكن في عام 2022، أبرم مع الإمارات اتفاقية للتبادل الحر بعد 88 يوماً فقط من المفاوضات. وقد وقّعت "اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة" (CEPA) في فبراير/شباط، قبل أن تدخل حيز التنفيذ في مايو/أيار من العام نفسه. وسرعان ما بدأت نتائجها تظهر، إذ تجاوز حجم التبادل التجاري بين البلدين 100 مليار دولار خلال سنتي 2024 ـ 2025.
وفي يوليو/تموز 2023، قرر البلدان تشجيع تسوية معاملاتهما التجارية الثنائية بالعملات المحلية، أي الدرهم والروبية، في خطوة تندرج ضمن مسار التخلي التدريجي عن الدولار، وهو أحد أهداف مجموعة "بريكس". غير أن قسماً ضئيلاً فقط من المبادلات الثنائية، في حدود 10 مليارات روبية (91 مليون يورو)، يتم فعلياً عبر هذه الآلية. ثم في سبتمبر/أيلول 2023، أعلن المشاركون في قمة مجموعة العشرين في نيودلهي إطلاق "الممر الاقتصادي الهند ـ الشرق الأوسط ـ أوروبا" المعروف اختصاراً باسم "IMEC"، وهو ممر متعدد الوسائط يربط، كما يدل اسمه، الساحل الغربي للهند بأوروبا مروراً بالشرق الأوسط. ويُقدَّم هذا المشروع باعتباره منافساً لـ"طرق الحرير الجديدة" الصينية، رغم أن الإمارات نفسها شريك فيها.
ويربط المقطع الأول من المشروع، الواقع شرقاً، مدينة بومباي وأحد موانئ ولاية غوجارات بالمنطقة الحرة جبل علي في دبي. ورغم أن الحرب على غزة جمدت تفعيل المقطع الأوسط من المشروع مؤقتاً، فإن الهند والإمارات واصلتا العمل على هذا المقطع الأول، الذي لا يقتصر على الربط البحري فحسب، بل يشمل أيضاً تدفق البيانات الرقمية. وفي هذا السياق، أكد البلدان خلال القمة الرابعة للذكاء الاصطناعي في نيودلهي في فبراير/شباط 2026 مشاريعهما المشتركة في هذا المجال.
ويشكل الترابط الرقمي أحد الجوانب الأساسية في مشروع "IMEC". وفي هذا الصدد، تساهم شركة "MGX" الإماراتية، التي يرأسها الشيخ طحنون، شقيق محمد بن زايد، في تنفيذ الاتفاق الذي وقّعه مودي في أبوظبي في فبراير 2024 بهدف تطوير مجمع حوسبة فائقة (HPC) هندي ـ إماراتي، وهي شركة قد فرضت نفسها خلال أقل من عامين واحدةً من أكبر المستثمرين العالميين في مجال الذكاء الاصطناعي.
"الرباعي الشرق أوسطي"
لا ينبغي للعلاقات البشرية والتجارية الضاربة في القدم أن تحجب جانباً معاصراً بات يشكل العمود الفقري لهذه العلاقة بين الهند والإمارات، وهو بُعدها الاستراتيجي والجيوسياسي. وبرز هذا البعد منذ زيارة مودي الأولى في أغسطس/آب 2015، حين نجح رئيس الوزراء الهندي في انتزاع بيان مشترك يدين "الإرهاب" والدول الداعمة له، في إشارة ضمنية إلى باكستان، محققاً بذلك هدفه المتمثل في إضعاف الروابط بين دول الخليج وإسلام أباد. كما تضمّن البيان الموقع بين البلدين إشارات إلى تعاون في المجال الدفاعي. غير أن التحول الأبرز جاء مع توقيع "اتفاقات أبراهام" (اتفاقيات التطبيع بين دول عربية وإسرائيل) عام 2020 بين إسرائيل وعدد من دول الخليج، بينها الإمارات، وهو ما فتح الباب أمام تسارع هذا التقارب الجيوسياسي وتعميقه.
التحول الأبرز جاء مع توقيع "اتفاقات أبراهام"، وهو ما فتح الباب أمام تسارع هذا التقارب الجيوسياسي وتعميقه
وبعد أشهر قليلة، وفي أكتوبر/تشرين الأول 2021، أسست الهند وإسرائيل والإمارات والولايات المتحدة إطاراً غير رسمي حمل اسم"I2U2"، نسبة إلى الأحرف الأولى لأسماء هذه الدول، وأطلق عليه أيضاً لقب "الرباعي الشرق أوسطي"، في إشارة إلى "الرباعي" غير الرسمي الذي يضم الهند والولايات المتحدة واليابان وأستراليا في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
وأدى تطبيع العلاقات بين دول في شبه الجزيرة العربية وإسرائيل إلى إزالة آخر التحفظات الهندية تجاه إظهار تقارب لافت مع تل أبيب. فرغم أن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين لم تقم إلا سنة 1992، فإن الروابط الوثيقة بدأت تتشكل منذ عام 1998، ثم تعززت ابتداء من 1999 بقيادة رئيس الوزراء أتال بيهاري فاجبايي، المنتمي مثل ناريندرا مودي إلى حزب "بهاراتيا جاناتا" القومي الهندوسي. ومنذ وصوله إلى السلطة عام 2014، سرّع مودي هذا المسار بشكل واضح، حتى أصبحت إسرائيل ثالث أكبر مزود للهند بالسلاح بعد روسيا وفرنسا. كما انعكس هذا التقارب في مواقف الوفد الهندي داخل الأمم المتحدة.
ومع ذلك، لا يتعلق الأمر بـ"تحالف" بالمعنى التقليدي للكلمة، فالمصطلح لا يزال من المحرمات السياسية في الهند، التي انتقلت من سياسة عدم الانحياز التي أرسى أسسها جواهر لال نهرو وخلفاؤه، إلى ما يسميه مودي "تعدد الاصطفافات"، وهي مقاربة تقدم نفسها باعتبارها أكثر واقعية وبراغماتية، مع الحفاظ في الوقت ذاته على مبدأ "الاستقلال الاستراتيجي" الذي قامت عليه السياسة الخارجية للهند المستقلة. والأقرب إلى الوصف هنا هو الحديث عن محور قائم على مصالح متقاطعة ومتينة. ويبدو أن محور أبوظبي ـ نيودلهي يزداد صلابة، خصوصاً في ظل وجود جيران ينظر إليهم الطرفان باعتبارهم مصدر تهديد.
بالنسبة إلى الهند، يتمثل التهديد بطبيعة الحال في باكستان. أما بالنسبة إلى الإمارات، فإن مصدر القلق يأتي من السعودية، جارتها القوية، في إطار تنافس على النفوذ الإقليمي. ورغم أن البلدين كانا متحالفين عام 2015 في التدخل العسكري باليمن ضد الحوثيين، فإن التباينات الاستراتيجية حول الأهداف كانت واضحة منذ سنوات. وقد ظهرت هذه الخلافات إلى العلن نهاية عام 2025، حين قصفت القوات السعودية في اليمن مليشيات مدعومة من أبوظبي، فيما أصدرت السلطات السعودية بيانات حملت لهجة تهديد تجاه الإمارات، ما دفع الأخيرة إلى اعتماد نوع من الانكفاء التكتيكي. وإذا أضفنا إلى ذلك أن السعودية وباكستان، القوة النووية، وقّعتا في 17 سبتمبر/أيلول 2025 "ميثاق شراكة استراتيجية للمساعدة المتبادلة"، وأن تركيا أعلنت في يناير/كانون الثاني 2026 نيّتها الانضمام إليه ـ حتى إن بعض المراقبين تحدثوا عن "ناتو إسلامي" ـ يصبح مفهوماً حجم القلق الذي أثاره هذا التطور لدى كل من الهند والإمارات.
وفي هذا السياق ينبغي فهم الزيارة الاستثنائية التي قام بها محمد بن زايد إلى نيودلهي في 19 يناير/كانون الثاني 2026. فقد أعلن عنها قبل أيام قليلة فقط من موعدها، ولم تتجاوز مدتها ثلاث ساعات، كما أن رئيس الوزراء الهندي خالف الأعراف البروتوكولية المعتادة وتوجه شخصياً إلى المطار لاستقبال ضيفه. ونادراً ما كانت زيارة بهذه القصر على هذا القدر من النجاعة، إذ وقّع الطرفان 12 اتفاقاً ومذكرة تفاهم شملت الاستثمار والتعاون الفضائي وتوريد الغاز الطبيعي المسال لمدة عشر سنوات ابتداء من 2028، إضافة إلى مضاعفة حجم المبادلات التجارية الثنائية ليبلغ 200 مليار دولار بحلول 2032، إلى جانب التعاون في مجالات البيانات الرقمية والتبادل الثقافي. غير أن الوثيقة الأهم كانت بلا شك رسالة النيات المتعلقة بالشراكة الاستراتيجية الدفاعية، والتي بدت بمثابة رد مباشر على الاتفاق الاستراتيجي السعودي ـ الباكستاني.
محور الإمارات ـ الهند ـ إسرائيل في مواجهة السعودية ـ باكستان ـ تركيا
بعد عشر سنوات على زيارة مودي إلى أبوظبي ودبي، شهدت العلاقات بين البلدين تحولاً عميقاً، انتقلت معه من علاقة ثنائية قائمة على معادلة "الطاقة مقابل اليد العاملة" إلى ما يشبه تحالفاً متعدد الأبعاد. ويظهر ذلك بوضوح في الاتصال الهاتفي الذي أجراه ناريندرا مودي بمحمد بن زايد ليلة 28 فبراير/شباط إلى 1 مارس/آذار 2026 لإدانة القصف الإيراني، في حين انتظر حتى 12 مارس/آذار للاتصال بالرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، من دون أن يدين الهجوم الإسرائيلي ـ الأميركي. ويجدر التذكير بأن إيران والإمارات عضوان في مجموعة "بريكس"، التي كانت الهند تتولى رئاستها الدورية حالياً.
شهدت العلاقات بين البلدين تحولاً عميقاً، انتقلت معه من علاقة ثنائية قائمة على معادلة "الطاقة مقابل اليد العاملة" إلى ما يشبه تحالفاً متعدد الأبعاد
ويعكس هذا التحوّل، القائم على تقارب مزدوج بين الهند وإسرائيل من جهة، والهند والإمارات من جهة أخرى، تشكّل مثلث الإمارات ـ الهند ـ إسرائيل في مواجهة صعود مثلث السعودية ـ باكستان ـ تركيا، بما يعيد رسم التوازنات الجيوسياسية في الشرق الأوسط بشكل عميق، حتى وإن لم يصل الأمر إلى حد المواجهة المباشرة، خصوصاً أن نيودلهي لا تسعى إلى القطيعة مع الرياض.
واستغرب كثيرون أن ناريندرا مودي انتظر قرابة ثلاث سنوات بعد وصوله إلى السلطة قبل أن يزور إسرائيل في يوليو/تموز 2017، في وقت كثف فيه زياراته إلى دول الخليج العربية. غير أن هذا التوقيت، الذي اختير بعناية، أتاح له عملياً الحصول على تفهم من العواصم الخليجية لهذه الزيارة الإسرائيلية التي أكدت تقاربه السياسي والفكري الواضح مع تل أبيب منذ أن كان رئيساً لولاية غوجارات بين عامي 2001 و2014. وقد تأكد ذلك مجدداً خلال زيارته اللافتة يومي 26 و27 فبراير/شباط 2026، عشية الهجوم الإسرائيلي ـ الأميركي على إيران.
وبعد ذلك، تعرّض مودي لانتقادات حادة من المعارضة ومن دبلوماسيين متقاعدين بسبب تقاربه العلني مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في وقت كان الأخير يستعد لمهاجمة دولة تربطها أيضاً علاقات وثيقة بالهند. وقد عبّر هؤلاء الدبلوماسيون عما لا يستطيع كثير من زملائهم الذين ما زالوا في مناصبهم التصريح به علناً.
تستند العلاقة بين نيودلهي وأبوظبي بدرجة كبيرة إلى الانسجام الشخصي بين ناريندرا مودي ومحمد بن زايد
وتستند العلاقة بين نيودلهي وأبوظبي بدرجة كبيرة إلى الانسجام الشخصي بين ناريندرا مودي ومحمد بن زايد، وهما زعيمان ذوا نزعة سلطوية يمسكان بزمام السياسة الخارجية في بلديهما ويتقاسمان إلى حد بعيد رؤية متقاربة للعالم. غير أن السؤال المطروح يبقى ما إذا كان القادة الذين سيخلفونهما سيواصلون مستقبلاً هذه الوتيرة في تعميق التقارب بين البلدين.
أما المسألة الأخرى، والأوسع نطاقاً، فتتعلق بمدى تأثير إعادة التشكل الإقليمي الناتجة من الحرب مع إيران: هل ستدفع هذه التحوّلات نحو مزيد من التقارب، أم ستفرض على الطرفين قيوداً جديدة؟ وفي كل الأحوال، فإن طبيعة علاقة كل من الهند والإمارات بإيران بعد انتهاء الحرب ستكون العامل الحاسم في الإجابة عن هذا السؤال.
ينشر بالتعاون مع "أوريان 21"
https://orientxxi.info/ar

أخبار ذات صلة.
الأسماك تغادر موائد الفقراء في ليبيا
العربي الجديد
منذ 27 دقيقة