عربي
على وقع التجاذبات والمناوشات العسكرية بين أميركا وإيران بشأن مضيق هرمز، والتهديدات المتبادلة، والمفاوضات ومشاريع الاتّفاقات التي لم تصل، حتى كتابة هذه السطور، إلى نتيجة، يؤكّد الرئيس ترامب أنّ "إيران تريد التفاوض والوصول إلى حلّ"، وأنّه "سيسعى إلى حلٍّ يرضيه". لكن نتنياهو يريد نسف الحلول وإمكانية الاتّفاق بأيّ طريقة. فالحلّ لا يتناسب مع حساباته ومشروعه وفشله، حتى الآن، وأزماته. وفي هذا التوقيت نرصد عيّنات من المواقف، بعضها من أهل البيت، تتعلّق بدور رئيس حكومة الاحتلال في توريط ترامب في الحرب ونتائجها.
كتب الصحافي الإسرائيلي جدعون ليفي أنه يعتقد "أنّ التغيير الكبير الذي سنشهده قريباً، وسيكون تغييراً جذرياً، هو تغيير السياسة الأميركية تجاه إسرائيل. هناك تحوّل كبير سيحدث قريباً. أستند في ذلك إلى افتراض أنّ ترامب بدأ يدرك أنّ نتنياهو دفعه إلى حرب لم تجلب له سوى الخسائر. لقد أوهمه بأنّ تغيير النظام سيكون ممكناً في غضون أيّام. لم يحدث ذلك، ولن يحدث تحت وطأة القصف.
استنفار صهيوني في واشنطن لتطويق فكرة التفاوض مع إيران للوصول إلى حلول
وفجأة بدأ المزيد من الناس يتساءلون، في الولايات المتحدة وإسرائيل وغيرهما: ما الهدف من ذلك كلّه؟ ما هذه الحرب في إيران؟ لم تُمسّ القدرات النووية، ومضيق هرمز الذي كان مفتوحاً قبل الحرب مغلق الآن. من الواضح أنّه لا تغيير للنظام الآن، ولا أحد يتحدّث عن الصواريخ الباليستية، ولا أحد يفكّر حتى في التفاوض بشأنها. ما الذي تحقّق بالضغط في هذه الحرب، وما كان هدفها مع الثمن كلّه الذي دُفع؟ أعتقد أنّ اللوم سيوجّه قريباً إلى إسرائيل. وبعد ترامب لا أرى رئيساً ديمقراطياً كان أم جمهورياً سيحافظ على العلاقات الخاصّة معها، بكلّ ما يترتب على ذلك من تداعيات، وهذا، في رأيي، تغيير جذري في الشرق الأوسط، لأنّ إسرائيل، مع الولايات المتحدة ومن دونها، ومن دون الدعم الكامل غير المشروط، لن تكون هي إسرائيل نفسها، وبالتالي لن يكون الشرق الأوسط هو نفسه".
ويقول السفير الأميركي السابق لدى السعودية تشاس فريمان: "ترامب واقع الآن بين فكّي كمّاشة: ملفّات إبستين وما تحتويه من أدلّة شديدة الضرر به، وفي الجانب الآخر هناك مموّلوه الصهاينة الأثرياء الذين يمكنهم قطع الدعم عنه. وهناك مثال آخر، تشارلي كيرك، الذي لم يُفسّر موته قط بشكل حقيقي، لكن هل اغتيل؟ وبيد مَن؟ هناك كثير يدعو إلى الانتباه إلى أنّ ذلك كان بسبب انقلابه على داعميه الصهاينة". وفي تقرير تفصيلي لـ"نيويورك تايمز": "الطريق الأحادي لا يقود إلّا إلى العزلة، والاندفاع قد يكلّف قوّةً عظمى مكانتها. الحرب لم تقوِّ أميركا، بل أضعفتها". وورد قول جون برينان (المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية) في التقرير نفسه: "سمعتنا على مختلف الأصعدة أصبحت ممزّقةً الآن نتيجة ما فعله ترامب باستخدام القوّة العسكرية المفرطة بتهوّر كبير. واللوم يقع في العالم على الولايات المتحدة سياسياً وعسكرياً ومالياً واقتصادياً. عندما تهدّد دولة بمحو حضارة فهي تخسر. لا تفويض من الكونغرس، ومبرّرات هزيلة ومتناقضة، واندفاع قائم على الحدْس. إيران لم تُهزم، بل استخدمت الجغرافيا سلاحاً هزّ أسواق الطاقة، ومغامرة فتحت في العالم مقامرةً خطيرةً".
عسكرياً، هناك صواريخ تُستهلك، وربع صواريخ توماهوك، وطائرات رخيصة تربك أقوى جيش في العالم. وآثرت اليابان وكوريا وأوروبا الوقوف على الهامش، لأنّها لم تعد تثق بأنّ أميركا شريك مضمون، بحسب جون بولتون. وذهبت "سي أن أن"، بعد تفاخر ترامب بما أنجزه، إلى كشف الحقيقة في تقرير قدّمته المحطة بالصور والمعلومات الموثّقة، أنّ "16 قاعدة عسكرية أميركية في ثماني دول عربية دمّرتها إيران بشكل كامل". بينما يقول ترامب: "خيانة عندما يقولون لم ننتصر".
وقال كاتب خطابات ترامب السابق تاكر كارلسون: "ترامب لم يكن يريد هذه الحرب كما يدّعي اليوم، وكان يدرك أنّ الأميركيين لن يؤيّدوه في هذه الحرب، لكنّه تعرّض لضغوط كبيرة من إسرائيل". ورأى المحلّل السياسي والاقتصادي البريطاني ريتشارد مورفي أنّه "في الوقت الراهن لا تستطيع أميركا مواصلة القتال ضدّ إيران. عندما أتحدّث عن التكلفة لا أتحدّث عن المال، لأنّ الولايات المتحدة تملك الموارد المادية. الأمر يعتمد على إبقاء إمدادات الصواريخ مجدّدة، وأميركا تخسر تلك الحرب، بل هي، في الواقع، تخسرها بشدّة إلى درجة لم تعد تملك القدرة على استئنافها. وهكذا يبدو وضعها ميؤوساً منه في هذه المفاوضات السلمية. ما نتحدّث عنه هو القدرة، وليس الخطاب. لنتجاهل ما تقوله. نعلم أنّها تدّعي أنّها حقّقت نصراً في الحرب على إيران، لكن ما أتحدّث عنه هو حقيقة ما يجري، لأنّ الحرب كشفت حقيقة الجيش الأميركي. النموذج العسكري الإيراني هو النقيض التام للنموذج الأميركي، فهو يستخدم أنظمةً بسيطةً وينتج أسلحةً يسهل تصنيعها، وأسلحةً يسهل استبدالها، وهذا نهج منخفض التكلفة في الحرب، لذلك تبقى استدامة الإمداد ممكنة. لقد تغيّر ميزان القوى في هذه الحرب، والولايات المتحدة تعلم أنّها لم تعد قادرةً على تحمّلها، وإيران تعلم أنّ هناك تداعيات أعمق لهذا كلّه. لقد أضعفت القوة العسكرية الأميركية بشكل كبير خلال أسابيع، وليس ذلك ضعفاً مؤقّتاً، بل هو بنيوي، وستحتاج إلى سنوات لإعادة بناء القدرة التي فقدتها الآن. وتراجعت القدرة العالمية الأميركية، وبالتالي، فإنّ قدرتها على التدخّل في أيّ مكان آخر في العالم أصبحت ضئيلةً أو معدومةً نتيجة لذلك. وقد انكشفت هيمنتها بقوّة أيضاً. والحقيقة أنّ الحرب منخفضة التقنية قد انتصرت على فشل النيوليبرالية التي صمّمت نظاماً للتسليح أخفق في توفير جيش حديث يمكن للولايات المتحدة استخدامه لخوض حرب فعلية، وهذا فشل ذريع".
ونبّه العقيد الأميركي المتقاعد، والمستشار السابق في البنتاغون، دوغلاس ماكغريغور، إلى أنّ "العالم بأسره، باستثناء الولايات المتحدة وربّما بعضهم في أوروبا وبريطانيا العظمى وأستراليا وكندا، أي العالم الأنغلوسكسوني، ينظر إلى ما يحدث ويقول إنّ إيران دولة بطلة لأنّها تقف في وجه المتسلّط الأكبر، أميركا وإسرائيل، لذلك يتعاطف معها الجميع تقريباً، وكلّ مَن يستطيع مساعدة الإيرانيين يفعل ذلك. لذلك أعدّ الإيرانيون أنفسهم على نحو رائع للمرحلة التي ستأتي. لماذا؟ لأنّك لا تستطيع أن تبقي هؤلاء الجنود والبحارة والطيارين كلّهم هناك".
المشكلة الكُبرى توهّم بعض العرب أنّه بتقديم المال إلى أميركا، وبالتفاهم مع إسرائيل، يمكن أن يحموا مصالحهم
ثمّة معلومات وروايات كثيرة ستكتب لاحقاً، لكنّ الواضح (والمؤكّد) أنّ ضغطاً إسرائيلياً مُورس (ولا يزال) على الإدارة الأميركية لمنع خروجها من الحرب. ففي واشنطن استنفار صهيوني لتطويق فكرة التفاوض مع إيران والوصول إلى حلول، لأنّ ذلك يتناقض مع مشروع إسرائيل، وستنقلب نتائجه عليها، لا سيّما في ظلّ ما يشبه الإجماع على تحميل رئيس حكومتها مسؤولية ما يجري، وكلفة الحروب والفشل الذريع، والسمعة المشوِّهة لكلّ من أميركا وإسرائيل. لكن في العقل الصهيوني لا مكان لهذه الحسابات. هذه هي مبادئ الصهيونية العالمية، وعلى هذا الأساس قامت إسرائيل، وتوسّعت، واعتدت، وقتلت، وارتكبت الإبادة الجماعية ضدّ الفلسطينيين واللبنانيين، ولا تزال حتى الآن. يتحدّثون في أميركا عن وقف إطلاق نار، فيما المجازر مستمرّة. وتبقى المشكلة الكُبرى في اندفاع بعض العرب في هذه اللعبة الخطيرة، ورعب بعضهم، وتوهّمهم أنّه بتقديم المال إلى أميركا، وبالتفاهم مع إسرائيل فوق الطاولة أو تحتها، يمكن أن يحموا مصالحهم واستمرارية سلطاتهم.
يبدو أنّنا ذاهبون إلى جولات جديدة من الحروب، مع التشدّد الإيراني والدعوة إلى مواجهة "الأعداء"، ومع تحريض هؤلاء "الأعداء" على تسليح إيرانيين في الداخل للانتفاض في وجه النظام وتعميم الفوضى، كما عبّر عن ذلك ليندسي غراهام في الأيام الماضية.
... لا نزال في نقطة اللاعودة الخطيرة، وهذا ما يُفرح نتنياهو.

أخبار ذات صلة.
الهند والإمارات... تحالف غير معلن
العربي الجديد
منذ 34 دقيقة