عربي
يعود الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى بكين بعد مرور نحو 9 سنوات على زيارته الصين للقاء نظيره الصيني شي جين بينغ. إلا أن الزيارة هذه المرة، التي تبدأ غداً الأربعاء وتختتم الجمعة المقبل، تختلف بشكل جذري عن تلك التي جرت عام 2017، إذ تصاعدت التوترات بين البلدين، جراء الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، والحرب الروسية على أوكرانيا، وملف تايوان، بالإضافة إلى الرسوم الجمركية والمعادن النادرة والتنافس التكنولوجي، وسط عدم استبعاد محللين أن تنتهي قمة ترامب وشي تنازلات كبيرة للصين للخروج من المستنقع الذي أغرق نفسه فيه.
وفي 2017، كانت بكين تبذل كل ما في وسعها لإرضاء دونالد ترامب فقد حظي وزوجته وقتها بجولة خاصة في المدينة المحرمة، وجلسا لحضور عرض أوبرا تقليدي في بكين، لكن خلال السنوات التسع الماضية، اندلعت حرب تجارية، وجائحة كورونا، وتصاعد القلق في واشنطن بشأن النشاط العسكري الصيني، وحرب تجارية أخرى. والآن، بينما يستعد رئيس أكبر قوة عظمى في العالم لزيارة أكبر منافس لبلاده على الساحة العالمية، تغيّر المزاج، إذ تأجلت زيارة ترامب التي كانت مقررة أساساً في مارس/آذار الماضي إلى الغد، بسبب هجومه على إيران.
مواضيع حاضرة في قمة ترامب وشي
وقال مسؤولون أميركيون إنه من المقرر أن تناقش قمة ترامب وشي قضايا إيران، وتايوان، والذكاء الاصطناعي، والأسلحة النووية، في الوقت الذي يدرسان فيه تمديد اتفاقية المعادن الحيوية. وسيعقد زعيما أكبر اقتصادين في العالم أول محادثات مباشرة بينهما منذ أكثر من ستة أشهر، في محاولة لتهدئة العلاقات المتوترة بسبب التجارة، والحرب التي تشنّها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، وغيرها من نقاط الخلاف. وكان تحديد الطريق إلى قمة دونالد ترامب وشي جين بينغ قد حدث عندما التقيا في بوسان، في كوريا الجنوبية، أكتوبر/تشرين الأول الماضي، على هامش قمة منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ (أبيك)، واتفقا يومها على هدنة مؤقتة في الحرب التجارية التي شنّها ترامب العام الماضي، ووصلت خلالها الرسوم الجمركية على الصين إلى 145% في وقت ما. وكان ترامب قد فرض حظراً على صادرات الصين إلى الولايات المتحدة، وهو ما ردت عليه بكين بتقييد تصدير العناصر الأرضية النادرة، وهي عناصر حيوية لسلاسل التوريد الصناعية العالمية والتكنولوجيا العسكرية الأميركية.
وفي حين لا يتوقع حدوث اختراق تاريخي في العلاقة بين البلدين خلال قمة ترامب وشي، فإنه من المرجح أن يجري التركيز على تمديد الهدنة التجارية، وتأمين المشتريات الصينية الجديدة من البضائع الأميركية، ومنع تصاعد التوترات. ورجّحت صحيفة ساوث تشاينا، أول من أمس الأحد، تحقيق انتصارات قصيرة المدى للمصدرين الأميركيين، لكنها استبعدت أن تحل زيارة واحدة المشكلات العميقة بين البلدين، مثل الذكاء الاصطناعي والمنافسة التكنولوجية الأخرى، وأمن سلسلة التوريد، وقضية تايوان.
وكان دونالد ترامب قد حصل خلال زيارته إلى بكين في نوفمبر/تشرين الثاني 2017 على صفقات تجارية تجاوزت قيمتها 250 مليار دولار أميركي، وغطت كل شيء من مشاريع الطاقة وشراء طائرات "بوينغ" إلى المنتجات الزراعية. وعلى الرغم من أن الصفقات وقتها كانت عبارة عن نيّات للاستثمار وليست عقوداً ثابتة، فإنها منحت ترامب "الانتصارات" التي أراد إظهارها داخل أميركا، وقدرته على القيادة وقتها. لكن في النصف الثاني من 2018، أي بعد أقل من عام من زيارته بكين، أطلق دونالد ترامب حرباً على الصين، مع فرض رسوم جمركية بمئات المليارات من الدولارات الأميركية على السلع الصينية. وردت بكين وقتها برسوم جمركية خاصة بها، ما أدى إلى تبخّر سريع لحسن النيّات بين ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ في 2017. وحالياً، وعلى الرغم من الهدنة التجارية بين البلدين، فإن ترامب يصل بكين وهو مثقل بالضغوط، حيث فشل في التوصل لوقف حرب إيران، وروسيا وأوكرانيا. وشهدت العلاقات بين الولايات المتحدة والصين سلسلة من الخلافات خلال ولاية ترامب الثانية، تمثلت في زيادة واشنطن التعرفات الجمركية، وفرضها قيوداً على التكنولوجيا الصينية، ومساعي الصين للسيطرة على العناصر الأرضية النادرة.
غو جياكون: بكين ستسعى لضمان مزيد من الاستقرار في العلاقات الدولية
بكين تسعى لضمان "الاستقرار"
وأعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، غو جياكون، أمس الاثنين، أن بكين ستسعى إلى ضمان "مزيد من الاستقرار" في العلاقات الدولية خلال قمة شي جين بينغ وترامب المقررة غداً الأربعاء. وقال جياكون في مؤتمر صحافي: "تعتزم الصين العمل مع الولايات المتحدة على قدم المساواة، ضمن روح من الاحترام والاهتمام بالمصلحة المشتركة، بهدف تطوير التعاون، وإدارة الخلافات، وتأمين مزيد من الاستقرار في عالم مترابط وغير مستقر". واعتبر أن "الدبلوماسية على أعلى مستوى تؤدي دوراً استراتيجياً غير مسبوق في العلاقات الصينية الأميركية".
وكانت قمة ترامب مع شي جين بينغ تعتبر في السابق موعداً نهائياً فعلياً لاستقرار حرب إيران، لكن مع اقتراب هبوط طائرة الرئيس الأميركي في بكين مساء غد الأربعاء، لا يزال الصراع دون حل. ومن خلال العقوبات والدعوات العلنية، تضغط الولايات المتحدة على الصين لاستخدام نفوذها على إيران من أجل تقديم تنازلات لوقف الحرب، فيما تلوم بكين واشنطن وتل أبيب على الصراع وتقاوم العقوبات. وقد يؤدي هذا الأمر إلى مصدر جديد للاحتكاك خلال قمة ترامب وشي. وكان ترامب قد خطط في الأصل للسفر إلى بكين نهاية مارس الماضي، لكن واشنطن طلبت تأجيل الزيارة لبضعة أسابيع، بسبب الحرب على إيران. وفي فترة ولايته الثانية، أطلق ترامب "أميركا أولاً"، وفرض تعرفات جمركية حادة على السلع الصينية، مشيراً إلى اختلالات التجارة، وتدفقات مخدر الفنتانيل، ومخاوف الأمن القومي. وردّت الصين بتعرفات مماثلة، بالإضافة إلى حظر تصدير التكنولوجيا والمعادن الثمينة، ما حوّل العلاقة بين الولايات المتحدة والصين إلى منافسة مفتوحة.
معارضة صينية لعقوبات أميركية
واستبقت بكين الزيارة بالإعلان عن معارضتها الشديدة لعقوبات أميركية مفروضة على ثلاث شركات، مقرها الصين، تتهمها واشنطن بأنها ساعدت إيران في عملياتها العسكرية، ووصفت هذه الإجراءات بأنها غير قانونية وأحادية الجانب. وكانت الخلافات حول العقوبات المرتبطة بإيران قد تصاعدت بين واشنطن وبكين في الأسابيع التي سبقت قمة ترامب وشي. وفرضت إدارة ترامب، الجمعة الماضي، عقوبات على ثلاث شركات أقمار اصطناعية صينية، بزعم توفير صور مكّنت إيران من تنفيذ ضربات على القوات الأميركية، وهو ما نفته بكين، التي أمرت أخيراً الشركات الصينية بتجاهل العقوبات الأميركية على خمس مصافي متّهمة بشراء النفط الإيراني. وتحافظ الصين على علاقاتها مع إيران، وتظل مستهلكاً رئيسياً لصادراتها النفطية. وضغط ترامب على بكين لاستخدام نفوذها لدفع طهران إلى إبرام اتفاق مع واشنطن، وإنهاء الصراع الذي بدأ عندما شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات على إيران في 28 فبراير/ شباط الماضي، كما ضغطت إدارة ترامب على الصين بشأن تعاملاتها مع روسيا بشأن حرب أوكرانيا.
ملف تايوان
في المقابل، فإن شي جين بينغ أكثر اهتماماً بمجال نفوذ الصين نفسه، ولا توجد قضية أهم بالنسبة إليه من تايوان. وكان وزير الخارجية الصيني، وانغ يي، قد قال، أخيراً، إن هذا هو "أكبر خطر" في العلاقات الأميركية - الصينية. وتدفع بكين واشنطن للابتعاد عن "الغموض الاستراتيجي" نحو معارضة استقلال تايوان بشكل صريح ودعم إعادة التوحيد، وفقاً لمصادر لصحيفة "ساوث تشاينا بوست" الأحد الماضي. وتلتزم الولايات المتحدة بسياسة "صين واحدة" التي تعترف بموجبها ببكين حكومة شرعية وحيدة، مع الحفاظ على علاقات غير رسمية قوية مع تايوان، وهي تتبنّى استراتيجية "الغموض الاستراتيجي" بعدم الالتزام الصريح بالدفاع عن الجزيرة أو استبعاده، مع الالتزام بتزويدها بالأسلحة بموجب القانون، لضمان قدرتها على الدفاع عن نفسها. وفي حين كثّفت القوات الصينية دورياتها البحرية والجوية بالقرب من تايوان في السنوات الأخيرة، فإن الولايات المتحدة، وعلى الرغم من أنها لا تعترف بتايوان دولة مستقلة، تعارض أي محاولة للاستيلاء على الجزيرة ذات الحكم الذاتي بالقوة، وتلتزم قانونياً بتزويدها بالأسلحة.
وذكرت صحيفة نيويورك تايمز، أمس الاثنين، أن الدول الآسيوية تخشى أن يقدّم ترامب التزامات أمنية للصين، من أجل الحصول على شروط اقتصادية أفضل. وأشارت إلى أنه ولعدة أشهر، كان المسؤولون في دول آسيوية قلقين من أن الرئيس الأميركي قد يكون متحمساً جداً لإبرام صفقة خلال قمة ترامب وشي، عبر إنهاء مبيعات الأسلحة لتايوان، أو الموافقة على تخفيف اللغة المعتمدة بشأن الجزيرة، ما قد يسهّل على الصين السيطرة عليها، لكن الصحيفة أشارت إلى أن أي تنازل بشأن تايوان قد يدفع شركاء آخرين لأميركا إلى الخوف منها. وذكر موقع أكسيوس، أمس الاثنين، أن المنتقدين لترامب من الحزبين، الجمهوري والديمقراطي، يتخوفون من أن شغفه بالصفقات الكبرى والدبلوماسية الشخصية قد يقوّض دعم الولايات المتحدة تايوان.
كما تأمل واشنطن، منذ وقت طويل، فتح محادثات مع بكين حول الأسلحة النووية، على الرغم من أن الصين لا تزال مترددة في مناقشة ترسانتها. وقال المسؤول إن الحكومة الصينية أبلغت الولايات المتحدة بشكل غير رسمي بأنها "ليست مهتمة بالجلوس ومناقشة أي نوع من أنواع الحد من الأسلحة النووية، أو أي شيء من هذا القبيل في هذه المرحلة".
توقّع مسؤولون أميركيون أن تتفق الولايات المتحدة والصين على إنشاء منتديات لتسهيل التجارة والاستثمار المتبادلين
وتوقع مسؤولون أميركيون لوكالة رويترز، أمس الاثنين، أن تتفق الولايات المتحدة والصين على إنشاء منتديات لتسهيل التجارة والاستثمار المتبادلين، في حين من المتوقع أن تعلن الصين عن مشتريات تتعلق بطائرات "بوينغ" والزراعة والطاقة الأميركية. وقال أحد المسؤولين إن خطط إنشاء مجلس للتجارة ومجلس للاستثمار قد يجري الإعلان عنها رسمياً خلال الزيارة، لكن هذه الآليات قد تحتاج إلى مزيد من العمل قبل أن يجري تنفيذها. وقال المسؤول إن البلدين سيناقشان أيضاً تمديد الهدنة، التي جرى التوصل إليها الخريف الماضي، في حربهما التجارية، التي تسمح بتدفق المعادن الأرضية النادرة من الصين إلى الولايات المتحدة. وتسيطر الصين على معظم معالجة المعادن الثمينة الحيوية المستخدمة في الصواريخ والمركبات الكهربائية والإلكترونيات، وهو ما ترفضه أميركا.
(العربي الجديد، رويترز)

أخبار ذات صلة.
الهند والإمارات... تحالف غير معلن
العربي الجديد
منذ 8 دقائق