عربي
تواجه قطر اختبارا مركبا، وغير مسبوق، يجمع بين التوترات الجيوسياسية الإقليمية وتعطل إنتاج الغاز وصادراته منذ نهاية فبراير/ شباط الماضي، ما انعكس بشكل مباشر على مجالات عديدة ومنها السياحة والضيافة.
ومع استمرار الاضطرابات في الشرق الأوسط، بدءاً من تغيّر المشهد الأمني وصولا إلى إغلاق مسارات المجال الجوي أو تعديلها، يظهر تأثير هذه العوامل بشكل واضح على عدد الزوار والإشغال الفندقي والإيرادات السياحية، مع تأثير اقتصادي أوسع على الناتج المحلي والقطاعات غير النفطية.
وانخفض عدد زوار قطر في الربع الأول من 2026 بنسبة نحو 25% إلى قرابة 1.13 مليون زائر، مقارنة بمستويات 2025، وفق بيانات رسمية، ويعكس هذا الانخفاض تداعيات مباشرة للصراعات والتوترات الجيوسياسية، منها، إغلاق أو تعطيل جزئي لبعض المجالات الجوية وتحويل مسارات الطيران، وإصدار تحذيرات سفر من دول غربية، وتراجع حجوزات الزوار القادمين من دول الخليج والأسواق المجاورة.
وواجهت فنادق الدوحة تقلبا كبيراً في معدّلات الإشغال، إذ سجلت الفنادق في يناير/ كانون الثاني الماضي ما يقارب 1.11 مليون ليلة فندقية، مع إشغالات قوية تعكس زخما استثنائيا مدعوما بالفعاليات والمناسبات الموسمية، ما جعلها من أقوى موجات الإشغال منذ كأس العالم لكرة القدم (مونديال 2022).
ومع تفاقم التوترات العسكرية والسياسية في فبراير/ شباط، ومارس/ آذار، انخفضت بعض نسب الإشغال الفندقي في فترات محددة بنسبة بين 10% و15% مقارنة بالفترة المماثلة من 2025، خاصة في الفنادق ذات الاعتماد القوي على الزوار الإقليميين وشركات السياحة العربية.
ويرجع هذا التباين إلى تقلص في الرحلات اليومية والقريبة من دول الخليج والعراق والأردن، ورافق ذلك تأجيل نشاطات الوفود التجارية والفعاليات المرتبطة بالمؤتمرات والمعارض المحلية والإقليمية والدولية أو إلغاؤها.
ولا تقتصر آثار التوترات الجيوسياسية على المؤشرات السياحية فقط، بل تمتد إلى الاقتصاد الكلي للدولة، إذ خفّضت مؤسسة "جي بي مورغان" توقعاتها لنمو القطاعات غير النفطية في دول الخليج لعام 2026 بمقدار 1.2 نقطة مئوية إلى نحو 2.3%، وربط ذلك مباشرة بـالتصعيد الجيوسياسي وتأثيره على الاستقرار الاقتصادي والسمعة السياحية.
ومع تصاعد التوترات في المنطقة جراء الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وإعادة تشكيل مسارات الطيران، وتراجع ثقة المسافرين، شهدت حركة السياحة الدولية إلى قطر انخفاضاً حاداً. وتشير البيانات إلى انكماش حاد في النشاط السياحي، وسجل عدد الزوار الدوليين تراجعا بنسبة تقارب 80% خلال مارس/ آذار مقارنة بمستويات الشهرين السابقين، وهو ما انعكس مباشرة على القطاع الفندقي، الذي سجل انخفاضاً في معدلات الإشغال يُقدّر بين 35% و50% في بعض الفئات، مع تراجع متوسط العائد على الغرفة بنسب تتراوح بين 40% و60%.
وفي هذا السياق، يؤكد الخبير في قطاع السياحة والسفر، أيمن القدوة، في حديث لـ"العربي الجديد" أن "قطاع السياحة في قطر يمر بمرحلة اختبار حقيقي، لكنه في الوقت ذاته يثبت قدرته على الصمود والتكيف، فالسياحة لن تتوقف، بل تعيد رسم خريطتها لتعود وتتوسع بثبات أكبر"، مشيراً إلى أن التراجع الحالي مؤقت ومرتبط بعوامل خارجية، وليس نتيجة ضعف هيكلي في القطاع.
ويمتد الأثر الاقتصادي إلى ما هو أبعد من السياحة، إذ أدى توقف صادرات الغازالتي تمثل عصب الإيرادات الحكومية، إلى فجوة مؤقتة في التدفقات النقدية.
كما تأثرت حركة الطيران بشكل ملحوظ، إذ انخفض عدد وجهات الخطوط الجوية القطرية من نحو 170 وجهة إلى 150 وجهة، ما يعادل تراجعاً يقارب 12% في شبكة الربط الجوي، وهو عامل رئيسي في تقليص تدفقات السياحة، خاصة من الأسواق الأوروبية والآسيوية التي تشكل شريحة كبيرة من زوارقطر.
واعتبر الخبير القدوة، أن السياحة قطاع شديد الحساسية عالمياً، فهو أول من يتأثر بالأزمات وآخر من يتعافى، لافتا إلى أن الوضع في قطر مختلف بفضل منظومة متكاملة تضم بنية تحتية متقدمة واستثمارات ضخمة، إلى جانب ناقل وطني ومطار من الأفضل عالميا، بالإضافة إلى بنية تحتية سياحية وإستثمارات منذ عام 2010 أكثر من 220 مليار دولار ، وروزنامة فعاليات ثرية ومتنوعة تناسب مختلف الأعمار والميزانيات على مدار العام.
وأشار القدوة إلى أن الدوحة فازت بلقب عاصمة السياحة الخليجية لعام 2026، وذلك في إطار تعزيز العمل السياحي المشترك بين دول المجلس، واستنادا إلى منظومة متكاملة من الركائز الاستراتيجية، في مقدمتها البنية التحتية المتطورة للنقل والمواصلات وغيرها. وتعرض القطاع إلى ثلاث دوائر ضغط رئيسية، الأولى تشغيلية، تتمثل في تقليص الرحلات وتغير مسارات الطيران وارتفاع تكاليف التشغيل؛ والثانية مالية، وتشمل تراجع الإيرادات السياحية التي تُقدّر عادة بمليارات الدولارات سنوياً، مع انخفاض حاد في الإنفاق السياحي الفردي، والثالثة سلوكية، حيث أدت المخاطر الجيوسياسية إلى تراجع ثقة المسافرين، وارتفاع معدلات إلغاء الرحلات الجوية وتأجيلها.
ورغم ذلك، تظل قدرة الاقتصاد القطري على امتصاص الصدمة مرتفعة نسبياً، بفضل احتياطيات مالية قوية وصندوق ثروة سيادي يوفر هامشاً مالياً للتدخل ودعم القطاعات المتضررة، كما أن مساهمة السياحة البالغة 8% من الناتج المحلي تجعل أي تراجع في التدفقات السياحية مؤثراً مباشرة على الدخل غير النفطي والنشاط الخدمي.
وتشير التوقعات إلى تحسن تدريجي خلال النصف الثاني من 2026، مدفوعاً بروزنامة فعاليات "هلا بالصيف" الممتدة إلى سبتمبر/ أيلول المقبل، والتي يُعوّل عليها في رفع معدلات الإشغال إلى مستويات تتراوح بين 60% و70% تدريجياً، مقارنة بمستويات متدنية خلال الربع الأول من العام.
ويؤكد القدوة أن "السياحة في قطر ليست نشاطاً عابراً، بل قطاع استراتيجي ضمن رؤية قطر الوطنية 2030، وما نشهده اليوم هو مرحلة إعادة تموضع ستعزز من مرونة القطاع على المدى الطويل".

أخبار ذات صلة.
جزائريون يستوردون سيارات بلا قطع غيار
العربي الجديد
منذ 34 دقيقة
شروط إيران تعقّد مسار إنهاء الحرب
الشرق الأوسط
منذ 44 دقيقة