عربي
يُسجل يوم السابع من مايو/ أيار 2026 يوماً تاريخياً في تاريخ بريطانيا الحديث، إذ طرحت نتائج انتخابات بريطانيا المحلية التي أجريت الخميس الماضي، الكثير من الشكوك بشأن بقاء رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في منصبه، بعد الخسائر التاريخية التي مُني بها حزب العمال الحاكم. أما الأهم الآن، فهو تهدئة الغضب الشعبي الذي انعكس في هذه النتائج، خصوصاً أن نظام بريطانيا السياسي المستقر منذ عقود طويلة، قد يكون أهم ضحايا هذا الغضب، ما قد يبشر بنظام جديد، بعد يأس كاد يتملك البريطانيين من طول انتظاره.
وبالنسبة إلى بعض المراقبين، تتجاوز أهمية انتخابات بريطانيا يوم السابع من مايو الانتخابي أهمية السادس من مايو 2010 عندما شهدت البلاد أول حكومة ائتلافية بين حزبي المحافظين والديمقراطيين الأحرار منذ الحرب العالمية الثانية، عندما لم يحقق أي حزب أغلبية في الانتخابات البرلمانية، تمكنه من تشكيل حكومة منفرداً. وكشفت نتائج انتخابات بريطانيا المحلية الأخيرة، لاختيار 5066 عضواً في 136 مجلساً محلياً في البلاد، إلى جانب رؤساء ست بلديات، بالإضافة إلى اختيار أعضاء برلمانَي اسكتلندا وويلز، فشل استطلاعات الرأي وتوقعات السياسيين بمختلف توجهاتهم وخبراتهم السياسية، في قراءة ما يدور في عقول البريطانيين. وفجّرت ما يشبه "تسونامي" يجرف الحياة السياسية، التي حكمتها في السنوات الأخيرة ثنائية حزبي "العمال" و"المحافظين"، لمصلحة اليمين الشعبوي المتمثل بحزب "إصلاح المملكة المتحدة" بقيادة نايجل فاراج.
انتكاسة "العمال"
وأظهرت الأرقام أن حزب العمال هُزم في أنحاء بريطانيا، بما فيها لندن، لينهار عدد المجالس التي يسيطر عليها من 66 عام 2021 إلى 28، والمقاعد من 2564 إلى 1068 في مختلف المجالس. وحقق حزب "الإصلاح" أكبر المكاسب، برفع رصيده في المجالس من الصفر إلى 14 والمقاعد من 2 إلى 1453. أما حزب الديمقراطيين الأحرار، فسيطر على مجلس إضافي، ليصبح رصيده 16 مجلساً، ورفع عدد المقاعد من 844 إلى 999 مقعداً. وفقد حزب المحافظين ستة مجالس ليتبقى له تسعة، فيما انخفض عدد مقاعده من 1364 إلى 801. وارتفع رصيد حزب الخضر اليساري، من صفر إلى خمسة مجالس، والمقاعد من 146 إلى 587 مقعداً، فيما سيطر حزب "أسباير" على مجلس واحد. وارتفع عدد المجالس التي لم يحظَ فيها أي حزب على الأغلبية من 64 إلى 87 مجلساً.
من المفاجآت أن حزب الإصلاح جاء في المرتبة الثانية في انتخابات برلمان ويلز
وفي ويلز التي لم يحقق فيها أي حزب الأغلبية، وهي 49 مقعداً في البرلمان الويلزي من أصل 96، خسر "العمال" حاضنته التي يتمتع بها منذ مائة عام تقريباً، وسيطرته على البرلمان منذ إنشائه قبل 27 عاماً، إذ انهار رصيده من 44 مقعداً إلى تسعة مقاعد فقط. وأُجبرت زعيمة الحزب ورئيسة الوزراء في ويلز، إيلونيد مورغان، بعد خسارة مقعدها، على الاستقالة، وهي توشك على البكاء أمام الصحافيين، معترفة بخطيئة تجاهل الناخبين الذين يصرخون من سنوات مطالبين بالتغيير.
وتصدر حزب "بلايد كيمرو" القومي الويلزي، برفع رصيده من 23 مقعداً إلى 43. وجاء حزب الإصلاح في المرتبة الثانية، وتلك واحدة من المفاجآت الكبرى، التي مكنته من رفع رصيده من المقاعد من صفر إلى 34 مقعداً. من جهة أخرى، لم تكن خسارة المحافظين سهلة أيضاً في ويلز، إذ خسروا 22 مقعداً ليحتفظوا فقط بسبعة مقاعد. وحقق "الخضر" إنجازاً غير مسبوق برفع حضوره في البرلمان من صفر إلى مقعدين، بينما لم يرفع "الديمقراطيون الأحرار" رصيدهم عن المقعد الوحيد الذين يشغلونه منذ الانتخابات السابقة.
تساوى حزبا "العمال" و"الإصلاح في عدد مقاعد برلمان اسكتنلدا
في اسكتلندا، لم تكن مفاجأة "الإصلاح" أقل إثارة، ورغم عدم تحقيق أي حزب الأغلبية، وهي 65 مقعداً من أصل 129، قفز عدد مقاعد الحزب من صفر إلى 17 مقعداً، ليشارك حزب العمال في المرتبة الثانية بالعدد نفسه من المقاعد، بعدما خسر العمال أربعة مقاعد، بينما حصل الحزب الوطني الاسكتلندي على 58 مقعداً بزيادة ستة على البرلمان السابق، ليحتل المرتبة الأولى. ووجد "الخضر" نفسه في المرتبة الثالثة بعد أن رفع رصيد مقاعده من تسعة إلى 15 متفوقاً على "الديمقراطيين الأحرار" الذي رفع رصيده من أربعة إلى 10 مقاعد. وخسر المحافظون 19 مقعداً بعدما كانوا يشغلون 31 مقعداً في البرلمان الاسكتلندي. "لم أكن حتى أتوقع هذه النتائج"، قال نايجل فاراج، للصحافيين مع بداية فرز الأصوات، ما دفعه إلى الحديث عن "تحول تاريخي" يجتاح السياسة في البلاد. وشخّص زاك بولانسكي، زعيم الخضر في تصريحات، هذا التحول في النظام السياسي بعبارة واحدة: "نظام الحزبين لا يموت فقط، بل إنه مات بالفعل، ودُفن".
مفاجأة انتخابات بريطانيا
ولم يحدث في التاريخ، الذي يعيه الجيل الحالي من السياسيين، أن جاء حزب من المجهول، لا ليتصدر الساحة السياسية الآن فقط، بل لتضعه نتائج انتخابات السابع من مايو على قائمة المرشحين لقيادة بريطانيا بعد نحو ثلاث سنوات، موعد انتخابات بريطانيا العامة في 2029. وكان ستارمر قد قاد حزب العمال إلى فوز ساحق في انتخابات 2024 العامة، التي أنهى فيها 14 عاماً من حكم المحافظين. في عام 2021، أعاد فاراج صياغة توجهات حزب "بريكست"، الذي أنشأه في عام 2018 لدعم خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وسماه "الإصلاح". وأبحر به، تلاحقه اتهامات باليمينية المتطرفة، في خضم ساحة سياسية يقودها حزبا المحافظين منذ 192 عاماً، والعمال منذ 126 عاماً، والديمقراطيون الأحرار منذ 38 عاماً، يشاركهم الحزب الوطني الاسكتلندي منذ 92 عاماً، وحزب الخضر منذ 36 عاماً.
ورغم أن فاراج، الذي وصفه حتى معارضوه بأنه "ظاهرة سياسية لا تضاهيها سوى ظاهرة (زعيم المحافظ رئيس الوزراء السابق) بوريس جونسون في تاريخ بريطانيا الحديث"، بدا حذراً من الاستسلام لغرور الانتصار. واختار كلماته بعناية، فلم يعط إجابة واضحة عندما سئل عما إذا كان يخطط لدخول 10 داونينغ ستريت قريباً. بالمقابل، أصر ستارمر على إكمال ولايته، رغم إقراره بـ"النتائج صعبة" في انتخابات بريطانيا الأخيرة. ووفق خبراء في تاريخ الانتخابات البريطانية واستطلاعات الرأي، فإن نتائج الانتخابات المحلية تنبئ أنه لو استمرت اتجاهات الناخبين، الذين سئموا نظام بلادهم السياسي المنفصل عن واقعهم خلال العقود الأخيرة، لحين بلوغ انتخابات البرلمان عام 2029، فإن "الإصلاح" سيتصدر قائمة الفائزين.
وتوقعت الدراسة، التي أجريت لمصلحة شبكة سكاي نيوز البريطانية، أن يفوز الحزب بـ284 مقعداً في مجلس العموم في 2029، رغم أن ذلك لن يمنحه الأغلبية المطلوبة (326 مقعداً). يعني ذلك أن برلمان 2029، سيكون معلّقاً، أي من دون حزب أغلبية مطلقة تمكنه من تشكيل حكومة بمفرده، على عكس حزب العمال الذي يملك حالياً 410 مقاعد. غير أن الصدمة الأخرى، التي لم تَعُد مُستبعدة، أن حزب العمال سيحل ثانياً، بـ110 مقاعد فقط، بينما سيحصل المحافظون على 96 مقعداً و"الديمقراطيون الأحرار" على 80 مقعداً، والحزب الوطني الاسكتلندي على 36 والخضر على 13 و"بلايد كيمرو" على 13، والمستقلون على 18. وهذا يعني أن الوسيلة الوحيدة لمنع "الإصلاح" اليميني من تولي السلطة هو تحالف كل الأحزاب الأخرى لتشكيل أغلبية برلمانية، وهذا يبدو مستحيلاً بسبب تصارع التوجهات السياسية. في أقصى شمال غربي بريطانيا، سئل زوجان، في مقابلة تليفزيونية (في بريطانيا)، عن حزبهما المفضل. سارعت الزوجة بالقول: "أي حزب إلا العمال". وقال الزوج: "انتخبنا الإصلاح". وعندما سُئلا عن السبب، قالا إنهما أرادا "التغيير".
زلزال سياسي
هذا المشهد، الأشبه بالزلزال، أجبر كل السياسيين، وفي مقدمتهم ستارمر، على التخلي عن العناد والاعتراف بأن الناس سئموا الإهمال، من دون أن يتجرأ على تحميل أزمات خارجية، مثل الحرب على إيران، المسؤولية عن فشله. وأعلن حزب العمال حال الطوارئ في مواجهة "خطر وجودي" كما وصفه صادق خان عمدة لندن، وأحد قادة الحزب البارزين. أما المحافظون، فما زالوا يعاندون، إذ حاولت زعيمتهم كيمي بادنوك، التقليل من أهمية خسائر الحزب، بالتركيز على الفوز بمكاسب ضئيلة مثل انتزاع مجلس حيّ ويستمنستر، الذي يقع فيه البرلمان، وحيّ الحكومة، من "العمال". لكنها لم تجرؤ على طرح حزب المحافظين بديلاً قادراً على إنقاذ بلد سلّمه مريضاً قبل 22 شهراً لـ"العمال" الذين زادوا معاناته.
توفر النتائج أرضية راسخة لحزب الإصلاح للعمل من الآن على الفوز بانتخابات 2029
وفي قلب المشهد، وقف فاراج وفريقه يفخرون بأن "الإصلاح" بات "الحزب الوطني الوحيد"، الذي تمتد شعبيته بطول البلاد وعرضها، مستندين إلى نتائجه التاريخية، ما يوفر له أرضية راسخة للعمل من الآن على الفوز في انتخابات بريطانيا لعام 2029، رغم أنه لم يسبق له أن طرح رؤية متماسكة للإنقاذ تتجاوز هوسه بخطر المهاجرين المزعوم. ولأن النتائج تعكس، دون شك، غضب الناس من أن يكونوا كرة يتقاذفها الحزبان الكبيران لخدمة مصالح فئة قليلة على حسابهم، سكتت، على الأقل الآن، أصوات السياسيين الذين ينتقدون حزب الإصلاح ويحتقرون شعبويته التي طالما حذروا من أنها تشكل خطراً على بريطانيا.
